أولُ صلاحِهِم أن تكونَ «قدوة»
في الوقت الذي تتلاحق فيه موجات التأثير المتنوعة على أبنائنا، يقف المربي حائرًا لا يدري كيف يصد هذه المؤثرات، ويحمي أبناءه من آثارها السلبية عليهم؟ وكيف يكون صاحب التأثير الأقوى على أبنائه كي يتمكن من تربيتهم وفق معايير التربية الإسلامية الراشدة ؟
فإذا كان عماد التربية الإسلامية هو منهجها المتكامل والمتوازن، الذي يستقي مادة بقائه من كوْنه ربانياً مؤسساً على الكتاب والسنة؛ فإن (شخصية المربي) هي وسيلة تطبيق هذا المنهج الرباني في الواقع، ويعتمد نجاحه في أداء مهمته التربوية على مدى تطبيقه (هو نفسه) لهذا المنهج؛ بحيث يكون نموذجاً تطبيقيا حيّاً لما يعلمه لأبنائه وما يربيهم عليه، فيكون قد جمع لهم بين التلقين المستمر «شفهيا» والتطبيق الثابت عملياً، وعندئذ يكتسب المربي القوة الجاذبة لأبنائه وطلابه؛ إذ يمثل في أذهانهم المصداقية التي تستحق ثقتهم بجدارة، وتمنحهم الأمان أكثر من أي وسيلة تأثير أخرى داخل البيت أو خارجه.
واجبك الأول
إذاً – عزيزي المربي – إن واجبك الأول: «أن تكون قدوة»؛ فقد مدح الله -عزّ وجلّ- عباد الرحمن باستعانتهم بالله -عزوجل- على تحقيق هذه المنزلة؛ إذ بها يتمكنون من تربية المؤمنين وتوجيههم، بما في ذلك أهليهم وأبنائهم؛ فيرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم أن يوفقهم لذلك، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان:74)
قال ابن جُرَيج, قوله: «{رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}، «قال: يعبدونك يحسنون عبادتك, ولا يجرّون علينا الجرائر»، وعن ابن عباس, في قوله:{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} يقول: (أئمة يُقْتَدَى بنا.) (ابن جرير الطبري:تفسير سورة الفرقان ج19/ص:321).
أهمية «القدوة الصالحة» في التربية
يؤكد علماء التربية أن أسلوب القدوة أو (النموذج) من أنجح أساليب التربية على الإطلاق، وهو من المفاهيم التربوية التي يمكن الاصطلاح عليها بـ (التربية بالنموذج)، ويعني: تجسد المفاهيم والقيم التي يتربى عليها الابن أو الطالب في شخص المربي، أو في شخص غيره ممن كان يعيش في زمان قبله، أو في زمانه المعاصر»، ذلك المعنى التربوي الأصيل الذي أكّدَ عليه عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده «أبي عبد الصمد» قائلاً: «ليكن أول إصلاحك بَنِيَّ إصلاحُك نفسك؛ فإن عيونهم معقودة بعينيك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت» (د.محمد عبد الرازق قمحاوي:مقدمة في التربية،ص:31 بتصرف).
كما أنّ القوة التربوية المتمثلة في القدوة الحسنة المتحلية بالفضائل العالية، ترجع إلى أنها تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل من الأمور الممكنة، وأن ذلك في متناول القدرات الإنسانية؛ لأن شاهد الحال أقوى من شاهد المقال؛ لذلك أرسل الله -تعالى- إلى البشر رسلاً من جنسهم البشري ليكونوا لهم قدوة ومثالاً يُحتذى، قال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ}(يونس:2)، عن ابن عباس؛ لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا؛ فأنزل الله : {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم}.
إذاً – عزيزي المربي – واجبك الأول أن تكون أنت القدوة الصالحة والنموذج المنضبط لأبنائك، ولاسيما في زماننا الذي باتت أنواع التقنية ووسائل الاتصال الحديثة منافساً وشريكاً يفرض نفسه على العملية التربوية، فيزاحم الوالدين في الجذب ودرجة التأثير على الأبناء؛ لذلك يتأكد اليوم أهمية استحضار الإنسان: «النموذج الحيّ للقدوة الصالحة» في عصرٍ تَراجَع فيه حضورُه لمصلحَة الموجات الطويلة والقَصيرة، والكابلات، والذبذَبات، والشاشات! (غنية النحلاوي/ مقال: كلمات في التربية – شبكة الانترنت)
كيف يتأثر الطفل بـ(القدوات) من حوله؟.
يولد الطفل ولديه حساسية شديدة تجاه تصرفات الوالدين والكبار من المحيطين به؛ وذلك لوجود تلك الغريزة الفطرية الملّحة في كيان الإنسان الّتي تدفعه نحو التقليد والمحاكاة؛ فالأطفال أكثر تأثراً بالقدوة؛ إذ يعتقد الطفل في سنواته الأولى أن كل ما يفعله الكبار صحيح، وأن آباءهم أكمل الناس وأفضلهم؛ لهذا فهم يقلدونهم ويقتدون بهم تلقائياً في كل شيء، فالطفل يتأثر بنا ويقلد طريقتنا في معاملاتنا وعلاقتنا بالجيران، وحديثنا عن زملائنا في العمل، دون أن نشعر غالباً بهذا الأمر، وبالتالي فهو يحمل نفس اتجاهاتنا النفسية تجاه الآخرين، وإذا علمنا ذلك تبين لنا حساسية مركز القدوة ومقدار المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق المربين.
الحذر من التناقض بين القول والعمل
فإذا أردنا أن نُنَشىء طفلاً صالحاً فلابد أن تسلم تصرفاتنا من كل شائبة لا نريدها له، ومن كل تناقض بين القيم التي نلقّنه إياها وبين ما يراه في واقعنا العملي من سلوكيات تخالف ما ندعوه إليه.
فلا يفسد شخصية الأبناء ويجعل فهمهم للقيم الدينية والخلقية مضطرباً أكثر من افتقادهم للقدوة الحسنة أو رؤيتهم للقدوة المتناقضة؛ إذ إنّ التناقض والازدواجية في شخصية المربي هو قاصمة الظهر التي تهدم معالم الفضيلة في مخيلة أبنائه وطلابه، فلا يصلح أن يقوم بهذه المهمة الجليلة (التربية) التي اختص الله بها أشرف الناس الأنبياء والرسل ثم العلماء والدعاة إلى الله من بعدهم، ثم عهد بها إلى أقرب الناس وأرحمهم بالأبناء إلى الوالدين اللذين يرى فيهما الابن المثال الكامل في كل شيء، وذلك لفرط المحبة الفطرية ولشدة القرب ودوام الاتصال بينه وبينهم، فإذا وقع المربي في التناقض والازدواجية ولم يكن عمله مصدقاً لقوله، واستمر يربي وهو على تلك الحال؛ قدّم لنا أشخاصاً مذبذبين لا يعرفون الثبات على المبدأ، يحسنون الكلام الأجوف الخالي عن العمل والتطبيق، وذلك هو بعينه المقت الكبير الذي حذرنا الله -تعالى- من الوقوع فيه، فقال -تعالى-: {يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كَبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}(الصف:3،2).
النبي صلى الله عليه وسلم وأسلوب «التربية بالقدوة»
جعل الله -سبحانه- لعباده في رسوله صلى الله عليه وسلم أسوة؛ فقال -عز وجلّ-: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}، وقد كان من أهم أساليبه صلى الله عليه وسلم وأعظمها وأبرزها في التعليم والتربية، أنه إذا أمر بالشيء عمل به أولاً ثم تأسى به الناس وعملوه كما رأوه, وكان خلقه القرآن فكان على الخلق العظيم؛ فهو صلى الله عليه وسلم أسوة لأمته في أخلاقه وأفعاله وأحواله.
وكان صلى الله عليه وسلم ومن خلال (أسلوب القدوة العملية) يوجّه أصحابه ويعلمهم، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم -رضي الله عنهما- قصة صلح الحديبية في حديث طويل، ذكر فيه أنه لما تم الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم ومشركي قريش قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «يا أيها الناس انحروا واحلقوا»، قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها، فما قام رجل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فدخل على أم سلمة فقال: «يا أم سلمة ! ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك؛ حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك، فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون». – رواه احمد -
فكان رأي أم سلمة -رضي الله عنها- رأياً موفقا ومشورة مباركة؛ وذلك لإدراكها – وقد عُرِفَت برجاحة العقل - لأهمية القدوة العملية، فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمر وكرره، ومع ذلك لم يستجب أحد لدعوته، فلما أقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخطوة العملية التي أشارت بها أم سلمة -رضي الله عنها- تحقق المراد، فالقدوة العملية أجدى وأنفع، ولاسيما في مثل هذه المواقف ..
وكذلك في تبليغ شرائع الإسلام وتعليمها للناس، اعتمد صلى الله عليه وسلم أسلوب القدوة، وقد ورد أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السبابتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: «هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم». رواه أبو داود/ كتاب الطهارة/ باب: الوضوء ثلاثا ثلاثا.
وأخيراً.. إنّ الأبناء الذين تربوْا في بيئاتً تتوفر فيها القدوات الصالحة، لا يتشربون منهم الصلاح والاستقامة فحسب، ولكن تتكون لديهم الحصانة والقدرة على نقد ما تأتي به موجات التأثير المسموعة والمشاهدة؛ فيقبلون ما يتوافق مع قيم الفضيلة التي تربوا عليها ويطرحون ما سوى ذلك..
فليكن شعار كل مرب {واجعلنا للمتقين إماما}.
لاتوجد تعليقات