رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.عادل المطيرات 25 يونيو، 2019 0 تعليق

أهمية الإيمان بالقدر

يقول الله -سبحانه-: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}(القمر: 49)، يخبر -سبحانه- بأنه خلق كلَ شيء: من العوالم العلوية والسفلية، خلقها بقضاء وقدر، سبق به علمُه، وجرى به قلمُه، بوقتها ومقدارها، وما اشتملت عليه من أوصاف، جاء في الصحيحين في حديث جبريل: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ».

من أصول الإيمان: الإيمانُ بالقدر خيرِه وشرِه، والقدرُ هو تقديرُ الله -تعالى- للكائنات حسبما سبق به علمُه، واقتضت حكمتُه، وهو سرُ الله في خلقه، والإيمانُ بالقدر يتضمنُ أربعةَ أمور:

- الأول: الإيمانُ بأن الله -تعالى- علم كل شيء جملةً وتفصيلا، أزلا وأبدا، سواءٌ كان ذلك مما يتعلق بأفعاله -سبحانه- أم بأفعال عباده .

- الثاني: الإيمانُ بأن الله -تعالى- كتب ذلك في اللوح المحفوظ، قال -سبحانه-: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ}(الحج: 70)، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» .

- الثالث: الإيمانُ بأن الكائنات لا تكونُ إلا بمشيئة الله، سواءٌ كانت مما يتعلقُ بفعله، أم مما يتعلقُ بفعل المخلوقين، قال -سبحانه- فيما يتعلقُ بفعله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}(القصص: 68)، وقال -سبحانه-: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}(إبراهيم: 27)، وقال -عز وجل- فيما يتعلقُ بفعل المخلوقين: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}(الأنعام: 112).

- الرابع: الإيمان بأن الكائنات مخلوقةٌ لله -تعالى- بذواتها وصفاتها وحركاتها، قال -تعالى-: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}(الزمر: 62)، وقال -سبحانه-: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}(الصافات: 96).

     هذه هي مراتبُ القدر الأربعة، والإيمانُ بها لا ينافي أن تكون للإنسان مشيئةٌ وقدرةٌ في أفعاله الاختيارية؛ فقد قال -سبحانه- في المشيئة: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا}(النبأ: 39)، وقال في القدرة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}(التغابن: 16).

كلَ إنسان له مشيئة

     والواقعُ يشهد بهذا؛ فإن كلَ إنسان يعلم أن له مشيئةً وقدرةً يفعلُ بها ويترك، كالمشي والقيام والقعود، والأكلِ والشرب، لكنَّ مشيئةَ الإنسان وقدرتَه واقعتان تحت مشيئة الخالق -سبحانه-، قال -تعالى-: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(التكوير: 28-29).

ستةُ مشاهد

وقد يجري على الانسان مقدورٌ يكرهه، كفقد عزيز، أو مرضٍ، أو خسارةٍ في تجارة، أو مشكلةٍ عائلية، أو مشكلةٍ في الوظيفة؛ فله فيه ستةُ مشاهد:

- الأول: مشهد التوحيد: وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه، وما شاء اللهُ كان وما لم يشأ لم يكن.

- الثاني: مشهد العدل: وأنه ماضٍ فيه حكمُه، عدلُ فيه قضاؤه .

- الثالث: مشهد الرحمة: وأن رحمتَه في هذا المقدور غالبةٌ لغضبه وانتقامه.

- الرابع: مشهد الحكمة: وأن حكمتَه -سبحانه- اقتضت ذلك، لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا .

- الخامس: مشهد الحمد: وأن له -سبحانه- الحمدُ التامُ علي ذلك من وجوهه جميعها.

- السادس: مشهد العبودية: وأنه عبدٌ محضٌ من كل وجه، تجرى عليه أحكامُ سيده وأقضيتُه بحكم كونه ملكَه وعبدَه؛ فيصرفه تحت أحكامه القدرية، كما يصرفه تحت أحكامه الدينية؛ فهو محلٌ لجريان هذه الأحكام عليه .

 

شبهةٌ مشهورة

وهنا شبهةٌ مشهورة يتمسك بها من ضَعُف إيمانُه بالله وبقضائه وقدره، واستولى عليه الشيطان، وهي الاحتجاجُ بالقدر على فعل المعاصي؛ فيفعل المعصيةَ متعمدا ثم يقول: فعلتُها بقدر الله، والله قدر علي هذه المعصية! والرد على هذه الشبهة يكون من وجوه عدة:

- أولا: أن الله -تعالى- أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وبينوا للناس الحقَ والباطل لكي لا يكون للناس حجةٌ على الله ، كما قال -تعالى-: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل}(النساء: 165).

- ثانيا: جاء في الصحيحين عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ؛ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّار»؛ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}(الليل: 5-10).

- ثالثا: أن الله -تعالى- أمر عبدَه ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}(التغابن: 16)، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}(البقرة: 286)، ولو كان الإنسانُ مجبرا على المعصية لكان مكلفا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا مما لم يأمر به الله -سبحانه .

- رابعا: أن قدرَ الله سرٌ مكتوم لا يعلم به إلا الله -سبحانه-، ولا يعلم به أحدٌ إلا بعد وقوعه؛ فكيف يدعي العاصي أن اللهَ كتب عليه المعصية، ولم يُسئ الظنّ بربه -سبحانه؟!

- خامسا: أننا نرى الإنسانَ في الواقع يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه، ولا يعدل عنه ويتركه ويقول: هذا قدر؛ فلماذا يعدل عما ينفعه من أمور دينه إلى ما يضره من المعاصي ثم يقول: هذا قدر؟!

     وبالمثال يتضح المقال، لو كان هناك طريقان، أحدهما آمن والآخر غير آمن؛ فماذا يختار العاقل؟ هل يختار الطريقَ غيرَ الآمن ثم يقول: هذا قدر؟! لا شك بأنه سيختار الطريق الآمن . ومثال آخر: المريضُ يؤمر بالشراب فيشربه ونفسُه لا تشتهيه، وينهى عن طعام معين ونفسُه تشتهيه، لماذا لا يدعُ الطعام والشراب والدواء ويقول: هذا قدر؟!

ومثال آخر: لو اعتدى عليك شخصُ فأخذ مالَك وحرمتَك، ثم قال: لا تلمني فإنما اعتديت عليك بقدر الله، فهل تقبلُ حجتَه؟!

الاحتجاج بالقدر على المعصية

     تبين مما سبق أن الاحتجاج بالقدر على المعصية من وساوس الشيطان وكيده لابن آدم؛ فإن الله -تعالى- بيَّن لك طريق الخير والشر {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}(البلد: 10)، وأعطاك القدرة والمشيئة على الاختيار ، وبين لك أن طريق الخير يهدي إلى الجنة ، وطريق الشر يهدي إلى النار؛ فاختر ما تشاء ولا تلومن إلا نفسك؛ ولذلك يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده؛ فقال : مهلا يا أمير المؤمنين؛ فإنما سرقتُ بقدر الله؛ فقال له عمر: ونحن إنما نقطعُ يدك بقدر الله!

ثمراتٌٍ عظيمة

     وإن للإيمان بقدر الله ثمراتٍ عظيمة، منها: الاعتمادُ على الله -سبحانه- في فعل الأسباب؛ بحيث لا يعتمدُ الإنسانُ على السبب نفسه، بل يعتمدُ على مسبب السبب وهو اللهُ -سبحانه-؛ ولذلك تجد الإنسانَ يفعل سببا يسيرا مع قوة إيمانه وتوكله على الله -تعالى-؛ فيحصلُ له من التوفيق والتيسير ما لم يكن يتوقعه، وانظر إلى مريم -رضي الله عنها- وهي في حالة الولادة في شدة ضعفها، ماذا قال الله لها: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}(مريم: 25)، بذلت السببَ فهزت النخلة وهي امرأة ضعيفة، مع قوة إيمانها وصحة توكلها على ربها -سبحانه-؛ فجاء الفرج  من الله -تعالى.

     ومنها: ألا يعجبَ الإنسانُ بنفسه عند حصول مراده؛ لأن حصولَه على مراده نعمةٌ من الله -تعالى-، وفضلٌ ومنةٌ منه، أما إذا أُعجب بنفسه ونسي فضلَ الله عليه؛ فإن اللهَ يُنسيه هذه النعمة. ومنها: الطمأنينةُ والراحةُ النفسيةُ بما يجري على الإنسان من أقدار الله، قال -سبحانه-: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ، لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}(الحديد: 22-23)، وفي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ؛ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ =، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».

لا يدفع المرءُ ما يأتي به القدر

                                      وفي الخطوب إذا فكرت معتبر

فليس يُنجي من الأقدار إن نزلت

                                      رأيٌ وحزم ولا خوفٌ ولا حذر

فاستعمل الصبرَ في كل الأمور ولا

                                       تجزع لشيء فعقبى صبرِك الظفر

كم مسّنا عسرٌ فصرفه إلا

                                      له عنا و ولّى بعده يسرُ

لا ييأس المرءُ من رَوح الإله

                                     فما ييأس منه إلا عصبةٌ كفروا

إني لأعلم أن الدهرَ ذو دول

                                   وأن يوميه ذا أمن و ذا خطر

الرضا بقضاء الله وقدره

     والمؤمنُ دائما يرضى بقضاء الله وقدره؛ فلا يتسخطُ ولا يعترض، ويعلمُ علمَ اليقين بأن ما يصيبُه من الأقدار؛ فهو خير وإن كان ظاهرُه شر ومكروه؛ فإن الله -تعالى- لا يقدرُ لعبده إلا الخير، ويظهر ذلك جليا عند المصائب؛ فانظر في نفسك عند المصيبة والمشكلة، هل تصبر وترضى بقضاء الله وقدره؟ وتقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها؟ أم تجزع وتعترض على قضاء الله وقدره؟

واصبر على القدر المحتوم وارضَ به

                                            وإن أتاك بما لا تشتهي القدرُ

فما صفا لامرئ عيشٌ يُسرُ به

                                            إلا سيَتبعُ يوما صفوَه كدرُ

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك