رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان.القاهرة/مصطفى الشرقاوي 15 يوليو، 2010 0 تعليق

أعدادهم فاقت المليون ونجاحاتهم عززت أجواء التفاؤل بمستقبل مشرق- مسلمو روانــــــدا أنشـــــــــــــــودة نجاح إسلامية

 لعل الروانديين لن ينسوا بسهولة ما حدث في البلاد عام 1994م عندما لقي أكثر من 800 ألف من التوتسي مصرعهم على أيدي ميليشيات الهوتو في مجزرة تعد الأبشع في تاريخ الإنسانية، وبقدر ما حملت هذه الأحداث من ذكريات مؤلمة لجميع الروانديين بقدر ما فتحت عقول هؤلاء وقلوبهم للدين الإسلامي الحنيف في ظل الاتهامات التي طالت عددًا من رجال الكنيسة الكاثوليكية حول تورطهم في المذابح وتواطئهم مع ميليشيات التوتسي وعدم قدرتهم على حماية حتى من لجؤوا للكنائس طلبًا للحماية. كان لابد من هذه المقدمة لتوضيح الأرضية الكبيرة التي اكتسبها الإسلام في هذه البقعة التي دخلها الدين الحنيف عبر موجات عدة.

 

كانت أولى بشائرها في عصر الملك كيجيري الرابع الذي حكم البلاد ما بين عامي 1853 و 1895م؛ حيث استضاف الملك عددًا من التجار العرب في قصره وكانت هذه هي البدايات الأولى للدين الحنيف رغم أن اهتمام التجار كان منصبًا على أعمالهم إلا أن معاملتهم للأفارقة بصورة جيدة وبأخلاق حسنة جعلتهم يتساءلون عن دينهم، ونتيجة لذلك اعتنق العديد من الروانديين الإسلام.

وجاءت الموجة الثانية عقب وصول جحافل الاستعمار الألماني للبلاد؛ حيث اصطحب من بين جنوده أبناء تنجانيقا وزنجبار المسلمين الذين يتحدثون اللغة السواحلية، وقد انخرطوا بين مواطني رواندا غير أنهم لم يركزا على مجال الدعوة كما كانت تفعل الإرساليات التنصيرية التي حضرت برفقة المستعمرين.

ولم يتحسن وضع الإسلام في رواندا مع طرد الألمان وقدوم البلجيكيين مكانهم؛ حيث استمر التجار العرب على نهجهم نفسه، ولم يحاولوا تفعيل دورهم الدعوي؛ مما جعل النصرانية تكتسب أرضية جيدة في البلاد؛ حيث شهد عام 1900 بناء الكنيسة الأولى في مدينة سافي؛ مما أسهم في تصاعد إقبال المواطنين على اعتناق النصرانية نتيجة تعدد المؤسسات والمكاتب الإدارية التي رعت هذه الحملة.

 قصور الدعوة

وقد أسهم ربط التعليم بمراحله المختلفة بالمؤسسات الكنيسية في اكتساب النصرانية في رواندا روافد جديدة كل عام في ظل عدم قيام التجار المسلمين بدورهم لدعم مسيرة الدعوة في رواندا؛ مما جعل أعداد النصارى داخل هذا البلد تتحول لأغلبية رغم أن الإسلام قد وصل رواندا قبل المسيحية بعقود؛ حيث كانت الأغلبية الساحقة من سكان البلاد من الوثنيين.

واستمر تزايد أعداد المعتنقين للنصرانية حتى جاءت مذابح عام 1994م لتشكل نوعًا من الصدمة للمواطنين الروانديين خصوصًا من التوتسي الذين بدأوا يطرحون تساؤلات عن أسرار عدم انخراط المسلمين في هذه المذابح، وعن القوة الأخلاقية التي جعلتهم لا يشتركون في مثل هذه الجرائم، وقارنوا بالطبع بين تورط الكنيسة الكاثوليكية في هذه الأحداث رغم نفوذها الكبير في رواندا.

ولم يكتف مواطنو رواندا بالإعراب عن الامتعاض من دور القساوسة والرهبان الكاثوليك في عملية التطهير العرقي، بل نأى الكثير منهم عن النصرانية لفترة قبل أن تقوم أعداد كبيرة منهم باعتناق الإسلام، بل إن الكثير منهم قد اعتنق الإسلام نظير الحماية التي وفرها لهم المسلمون وإنقاذ حياتهم أثناء المذبحة الشهيرة.

ولا شك أن هذه التطورات قد انعكست بالإيجاب على وضع الإسلام والمسلمين في رواندا ولاسيما من جهة أعدادهم والزيادة المطردة في عدد المؤسسات والمساجد والمراكز الإسلامية التي تصاعدت أعدادها بما يقرب من ضعف أعداد المساجد التي كانت موجودة في رواندا قبل مذابح عام 1994م.

 مليون مسلم

وتصل أعداد المسلمين في رواندا إلى مليون مسلم يشكلون حوالي 10% من سكان البلاد ينتشرون في مدن رواندا ومحافظاتها، المختلفة وفي مقدمتها العصمة كيجالي ومدن موجانداموري وجنباراموانيانزا ورواماجانا وبورجاراما وكاميمي وجيسيني ونجوما، وهي مدن تتوزع على مختلف أنحاء البلاد.

وتعد مدينة نياميرامبوا بالعاصمة كيجالي من أهم تجمعات المسلمين في رواندا؛ حيث تضم عدداً لا بأس به من المسلمين وبها بعض المدارس الإسلامية ومنها المدارس الدينية والحديثة.

ويوجد في المدينة الكثير من المدارس التي تشرف عليها جمعية مسلمي رواندا، وتحولت هذه المدارس لقبلة يأتي إليها المسلمون من جميع أنحاء رواندا، فضلاً عن وجود مركز تابع لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية في ليبيا أسس بالتعاون بين طرابلس الغرب والإمارات العربية المتحدة، ويضم مسجدًا ومدرسة للعلوم الحديثة ومعهدًا للعلوم الإسلامية.

ولم يتوقف تحسن أحوال المسلمين عند حد الإقبال على اعتناق الدين الحنيف، حيث أنهى سقوط حكومة التوتسي عقوداً من التهميش والتمييز الذي عانى منه المسلمون، واهتمت الحكومات المتعاقبة التي هيمن عليها عرق التوتسي بأوضاع المسلمين ومؤسساتهم، وتبنت كثيراً من الخطط التنموية وتأهيل البنى التحتية من مدارس ومستشفيات في مناطقهم بل سهلت وصول عدد من جمعيات الإغاثة الإسلامية، وسهلت الإجراءات أمامها لإنشاء مشاريع إغاثية وتنموية في مناطق المسلمين منها إنشاء 31 مدرسة منها 13 ثانوية والباقية ابتدائية، بالإضافة لمعهد الهداية الإسلامية وهو المعهد الوحيد الذي يقوم بتدريس العلوم الإسلامية.

وعملت الحكومات على دمج المسلمين في المجتمع الرواندي ومنحهم نوعًا من «الكوتا» في الوظائف العامة، بل إن عديداً من المسلمين قد تبؤوا مناصب سياسية رفيعة المستوى وفي مقدمتهم الشيخ موسى فاضل هاريرمانا والذي شغل منصب وزير داخلية رواندا وكان قبلها يشغل منصب وزير الأشغال العامة.

  أنشطة تجارية

ومثلما تحسنت أوضاع المسلمين السياسية فقد تكرر نفس المشهد فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية؛ حيث تعمل أعداد كبيرة من المسلمين بمهنة التجارة ولاسيما الحاصلات الزراعية مثل الشاي والبن لدرجة أن هناك أجزاء من مدن رواندا المختلفة تقطنها أغلبية مسلمة تعمل كلها في التجارة بشكل أسهم في تحسن أوضاعهم المالية، وكذلك تراجع نسبة البطالة في صفوفهم.

ويأمل المسلمون في تحسن أوضاعهم الاقتصادية بشكل مطرد خلال السنوات القادمة ولاسيما في مناطقه التي عانت طويلاً من انهيار البنى التحتية وانتشار الفقر والبطالة والأمية.

ولا ينفي التحسن الذي طرأ على أوضاع المسلمين وجود مشكلات معقدة تواجههم داخل رواندا، حيث تبقى مشكلة الأمية هي التحدي الأكبر في صفوف المسلمين ولاسيما أنها تضرب أكثر من 50% منهم، وهذا يعود في جانب كبير منه للسياسات الاستعمارية التي حكمت رواندا لعقود طويلة؛ حيث ارتبط التعليم بالمؤسسات الكنسية مما حدا بالمسلمين لعدم إرسال أبنائهم للتعليم خوفًا على هويتهم، فما كان إلا أن يقوم بعض أبناء المسلمين بتغيير أسمائهم حتى يستطيعوا الالتحاق بالمدارس الثانوية الحكومية؛ حيث اشترطت الكنيسة الكاثوليكية ضرورة اعتناق النصرانية مقابل دخول هذه المدارس.

ورغم قتامة الصورة إلا أن نسبة الأمية قد تراجعت في رواندا منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي عندما تخرج بعض أبناء رواندا في الجامعة الإسلامية العالمية في المملكة العربية السعودية وجامعة الأزهر والجامعة الأفريقية العالمية بالخرطوم، وفي الوقت نفسه تم افتتاح معهد الهداية وانتشر الدعاة في أنحاء رواندا قائمين بالدعوة الإسلامية من ناحية، ومحاولين في الوقت نفسه مواجهة الأمية لدرجة أن كثيرًا من التقارير تذهب إلى أن هذه الأنشطة الدعوية قد أسهمت في اعتناق ما بين 200 و 400 ألف رواندي الإسلام خلال عشر سنوات فقط.

ومن البديهي التأكيد على أن انتشار الفقر والأمية يفتح الباب على مصراعيه لوجود منظمات التنصير التي تستند بلا شك لهيمنة الكنيسة الكاثوليكية على البلاد لمدة طويلة، حيث أسهم إقبال الروانديين على اعتناق الإسلام في قض مضاجع المنظمات التنصيرية التي عادت تضع رواندا في مقدمة أهدافها، حيث انتشرت بعثاتها في مختلف أنحاء البلاد وفي مقدمتها بعثات تابعة لمنظمة ريليف سيرفيس وأوكسفام وكاراتياس ورلدفنيش والكنيسة اللوثرية في النرويج بهدف التصدي للنهضة الإسلامية التي تشهدها رواندا.

 حملات مشبوهة

ورغم أن هذه المنظمات لم تحقق نجاحًا لافتًا إلا أنها أيقظت الكنيسة الكاثوليكية، وجعلتها تستأنف حملتها المناهضة لانتشار الإسلام والعمل على تكريس الثقافة الكاثوليكية وإعادة الاعتبار لدورها الذي تراجع بفعل مشاركتها في المذابح التي شهدتها البلاد في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

وتحاول المنظمات التنصيرية بالتعاون مع الكنيسة وأد النهضة الإسلامية ووقف التفاف أعداد كبيرة من الروانديين حول الإسلام، وهو الأمر الذي لم يحقق نجاحًا في ظل النهضة التعليمية التي تشهدها المراكز الإسلامية هناك والدور المقاوم لهذه المساعي المشبوهة من جانب بعض المؤسسات الإغاثية الإسلامية، ناهيك عن الدور الإيجابي الذي يقوم به البنك الإسلامي للتنمية والذي يمنح عددًا من البعثات لطلاب روانديين للدراسة في جامعات إسلامية عالمية.

ولاشك أن هذا الدور قد رفع من مستوى الوعي الديني لمسلمي البلاد لدرجة أن أغلب المدن حاليًا بها قوافل دعوية يرأسها أحد خريجي الجامعات الإسلامية، حيث لا يكتفون بنشر الدعوة الإسلامية فقط بل يسعون لتحذير الروانديين من مخاطر النفوذ التنصيري وما يطلق حاليًا من مساعي بعضهم لنشر التشيع وذلك للحاظ على الهوية السنية لمليون مسلم رواندي.

 اهتمام إسلامي

ومن جانبه يرى الشيخ بكاري سعيد نائب مفتي رواندا أن المسلمين هناك حققوا نجاحًا بالغًا خلال الأعوام الماضية أكسبهم أرضية داخل البلاد، لدرجة أن مئات الآلاف من الروانديين اعتنقوا الإسلام لما لمسوه من أخلاق حسنة وعدم تورطهم في المذابح التي شهدتها البلاد، وهو ما دشن نهضة دعوية تمثلت في وصول أعداد المساجد500 مسجد، وساهم في رفع مستوى الوعي الديني للمسلمين هناك.

ويلفت الشيخ بكاري إلى أن المسلمين تجاوزوا خلال السنوات الأخيرة عقوداً من التهميش التي كرسها التحالف بين الكنيسة الكاثوليكية وحكم التوتسي السابق؛ حيث تبنت الحكومات الجديدة دستوراً يساوي بين المواطنين في كافة الحقوق، وهو ما سمح بوصول عدد من المسلمين لمناصب رفيعة، بل حصل الكثير منهم على رتب عالية داخل الجيش.

وطالب الشيخ بكاري العالم الإسلامي بالاهتمام أكثر بمسلمي رواندا، وهو ما سيكون له آثار إيجابية على وضع الدين الحنيف هناك.

وأشار نائب مفتي رواندا إلى أن المظاهر الإسلامية تنتشر في أوساط مسلمي رواندا وإلى الإقبال على ارتداء الحجاب وارتفاع ملحوظ في أعداد المصلين وأعداد حفظة القرآن، بما يجعل اهتمام العالم الإسلامي ضروريًا لتعزيز هذه النجاحات والتصدي لمؤامرات بعض الجهات مثل المنظمات التنصيرية والكنيسة الكاثوليكية التي تسعى بقوة لاستعادة نفوذها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك