رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: محمد الراشد 6 ديسمبر، 2010 0 تعليق

أصول الحوار وآدابه في الإسلام (1)

يراد بالحوار والجدال في مصطلح الناس: المناقشة بين طرفين أو أطراف، يُقصد بها تصحيح كلامٍ، وإظهار حجَّةٍ، وإثبات حقٍ، ودفع شبهةٍ، وردُّ الفاسد من القول والرأي.


والغاية من الحوار التعاون من المُتناظرين على معرفة الحقيقة والتَّوصُّل إليها، ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق، وإقامةُ الحجة ودفعُ الشبهة والفاسد من القول والرأي وإيجاد حل وسط يرضي الطرفين والتعرُّف على وجهات نظر الطرف أو الأطراف الأخرى، وهو هدف تمهيدي مهم، وأخيراً البحث والتنقيب، من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرُّؤى والتصورات المتاحة، من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وأمْكَنَ، ولو في حوارات تالية، وهذه هي الغاية الأصلية، وهي جليَّة بيِّنة.

والخلاف واقع بين الناس في مختلف الأعصار والأمصار، وهو سنَّة الله في خلقه؛ قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ < إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:118ـ119) يقول الفخر الرازي: «والمراد اختلاف الناس في الأديان والأخلاق والأفعال».

إنّ بدْءَ الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريق إلى كسب الثقة وفُشُوِّ روح التفاهم، ويصير به الحوار هادئاً وهادفاً.

ومن أصول الحوار نذكر الآتي:

- الأصل الأول:

1. تقديم الأدلة المُثبِتة أو المرجِّحة للدعوى.

2. صحة تقديم النقل في الأمور المنقولة.

وفي هذين الطريقين جاءت القاعدة الحوارية المشهورة: «إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدَّعياً فالدليل».

وفي التنزيل جاء قوله سبحانه: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 111).

- والأصل الثاني:

 سلامة كلامِ المناظر ودليله من التناقض ؛ فالمتناقض ساقط بداهة.

- والأصل الثالث:

 ألا يكون الدليل هو عين الدعوى؛ لأنه إذا كان كذلك لم يكن دليلاً، ولكنه إعادة للدعوى بألفاظ وصيغ أخرى. وعند بعض المُحاورين من البراعة في تزويق الألفاظ وزخرفتها ما يوهم بأنه يُورد دليلاً. وواقع الحال أنه إعادة للدعوى بلفظ مُغاير، وهذا تحايل في أصول الحوار لإطالة النقاش من غير فائدة.

- والأصل الرابع:

الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مُسَلَّمة، وهذه المُسَلَّمات والثوابت قد يكون مرجعها؛ أنها عقلية بحتة: كحُسْنِ الصدق، وقُبحِ الكذب، وشُكر المُحسن، ومعاقبة المُذنب. أو تكون مُسَلَّمات دينية لا يختلف عليها المعتنقون لهذه الديانة أو تلك.

وبالوقوف عند الثوابت والمُسَلَّمات، والانطلاقِ منها يتحدد مُريد الحق ممن لا يريد إلا المراء والجدل والسفسطة.

- والأصل الخامس:

 التجرُّد، وقصد الحق، والبعد عن التعصب، والالتزام بآداب الحوار وذمّ التعصب ولو كان للحق.

- والأصل السادس:

 أهلية المحاور:

1. من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من كان على الباطل.

2. من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يعرف الحق.

3. من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يجيد الدفاع عن الحق.

4. من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يدرك مسالك الباطل.

والذي يجمع لك كل ذلك: العلم.  

قال الشافعي رحمه الله: «ما جادلت عالماً إلا وغلبته، وما جادلني جاهل إلا غلبني! «. وهذا التهكم من الشافعي - رحمه الله - يشير إلى الجدال العقيم، وهو الذي يجري بين غير المتكافئين.

- والأصل السابع:

 قطعية النتائج ونسبيَّتها: ومعناه أن الرأي الفكري نسبيُّ الدلالة على الصواب أو الخطأ، والذين لا يجوز عليهم الخطأ هم الأنبياء عليهم السلام: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

يقول ابن تيمية رحمه الله: «وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في المسائل الاجتهادية، ولا يكلفه أن يوافقه فهمه» ا هـ.

ويكون الحوار فاشلاً إذا انتهى إلى نزاع وقطيعة، وتدابر ومكايدة وتجهيل وتخطئة.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك