رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عبد المنعم الشحات 16 ديسمبر، 2014 0 تعليق

أصــول الفكــر القطــبي (1-2) «كفر الحكام وجاهلية المجتمعات ومفاصلة المجتمعات واللجوء إلى العنف بدعوى الردع» البنا وقطب والبناويون والقطبيون

هل يوجد خلاف جوهري بين فكر الأستاذ سيد قطب والأستاذ حسن البنا؟

الإجابة عن ذلك متفاوتة أشد التفاوت بين مفكري الإخوان أنفسهم فضلا عن غيرهم، وعندي أن سبب ذلك أن فكر الأستاذ حسن البنا - رحمه الله- قد مر بمرحلتين: الأولى في الثلاثينيات وكان لا يتبنى تكفير الحكام سواء الملك أم رؤساء الحكومات، بما في ذلك رؤساء الحكومات التي عارضتها كل القوى الوطنية مثل حكومة إسماعيل صدقي، الذي يرى المستشار طارق البشرى أن تأييد الإخوان له يمثل خطأ يستعصى على التأويل، ولا يجدي معه إلا الاعتذار.

كما كان الأستاذ البنا منفتحا على المجتمع، وكان ينبذ العنف.

     وشهدت مرحلة الأربعينيات تطورا في فكر حسن البنا؛ حيث اتسم كلامه مع الحكام بالشدة، كما أسرف في مدح إسلام أبناء جماعته وإيمانهم في مقابل إسلام غيرهم وإيمانهم، والأخطر من هذا أنه بدأ من الناحية العملية فكر «الردع بالعنف» بتأسيس التنظيم الخاص مشفوعا بتنظير نظري مقتضب في جملة «إننا لن نلجأ للعنف إلا مضطرين».

     ونستطيع أن نقول: إن فكر الأستاذ سيد قطب تطوير طبيعي لفكر الأستاذ البنا في مرحلة الأربعينيات في هذه الاتجاهات الثلاثة: (العلاقة بالدولة – العلاقة بالمجتمع – اللجوء للعنف بداعي الردع)، وأنه في كل هذه الاتجاهات نحا نحو مزيد من الغلو، وأنه أضاف إليها العزلة الشعورية والزهد في الوصول إلى الحكم، وأن هذه النقاط هي التي تميزه بوضوح عن فكر البنا في مرحلتيه.

والسؤال الآخر: هل ينقسم الإخوان إلى بناويين وقطبيين؟

يقسم معظم الباحثين الإخوان إلى تيارين:

الأول: يطلق عليهم الباحثون وصف (بناويين)، والأجدر بهذا الوصف هم الذين يحملون فكر «بنَّا الثلاثينيات» مثل عمر التلمسانى ومعظم أبناء جيل الجماعة الإسلامية الذي انضم للجماعة في عهده.

الثاني: يطلق عليهم الباحثون وصف (قطبيين)، وهؤلاء منهم من على نهج حسن البنا في الأربعينيات، ومنهم من سبق له الانضمام للتنظيم الخاص، ومنهم من على نهج سيد قطب ومنهم من يأخذ ملامح من أحدهما وملامح من الآخر؛ وهذا مما يجعل قطبي جماعة الإخوان مختلفين عن التيار القطبي الذي انشق عنها بصفة كاملة (وإن قربت بينهما الظروف أحيانا، وفى هذه الأحيان غالبا ما يدفع الجماعة التيار السلمي «الإصلاحي البنَّاوى» ثمن هذا التقارب، بل ويدفع الوطن كله ثمنا باهظا لذلك).

(لماذا أعدموني؟!) سيد قطب يلخص عناصر فكره وكيف تكون!

تمثل الشهادة التي كتبها سيد قطب للنيابة في قضية تنظيم 65 ملخصا لفكر الرجل في آخر مرحلة من حياته، وهى الشهادة التي تم نشرها تحت عنوان (لماذا أعدموني؟!)،

ولصراحة ما فيها من أفكار حاول البعض التشكيك في نسبتها لسيد قطب، ولكن شهادة كثير من معاصريه بأن النسخة الخطية التي اطلعوا عليها عند الناشر أنها بخط الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-.

     كما حاول بعضهم التشكيك في مصداقيتها بدعوى أنها كتبت تحت الإكراه، والذي يقرؤها وما فيها من أسلوب أدبي وإسهاب وشرح وتعليل يتأكد أنها تعبر عن إرادة كاتبها - وأهم من هذا كله- أنها تمثل الآن منهجا متبعا عند كثير من الجماعات المعروفة باسم (السلفية الجهادية)، كما أن الواقع العملي يبين تبنى الجبهة القطبية المسماة بـ(الجبهة السلفية) مع القيادات القطبية في الإخوان لهذه الأفكار؛ مما يؤكد ضرورة التعامل معها بجدية،

ومن المواطن التي تحدث فيها بصورة تجمع تقريبا جميع خصائص فكره قوله:

     (وبعد مراجعة ودراسة طويلة لحركة الإخوان المسلمين ومقارنتها بالحركة الإسلامية الأولى للإسلام أصبح واضحا في تفكيري - وفي تفكيره كذلك- أن الحركة الإسلامية اليوم تواجه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها المجتمعات البشرية يوم جاء الإسلام أول مرة من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية، والبعد عن القيم والأخلاق الإسلامية - وليس فقط البعد عن النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية- وفي الوقت نفسه توجد معسكرات صهيونية وصليبية استعمارية قوية تحارب كل محاولة للدعوة الإسلامية، وتعمل على تدميرها عن طريق الأنظمة والأجهزة المحلية بتدبير الدسائس والتوجيهات المؤدية لهذا الغرض، ذلك بينما الحركات الإسلامية تشغل نفسها في أحيان كثيرة بالاستغراق في الحركات السياسية المحدودة المحلية، كمحاربة معاهدة أو اتفاقية، وكمحاربة حزب أو تأليب خصم في الانتخابات عليه.

     كما أنها تشغل نفسها بمطالبة الحكومات بتطبيق النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية، بينما المجتمعات ذاتها بجملتها قد بعدت عن فهم مدلول العقيدة الإسلامية والغيرة عليها، وعن الأخلاق الإسلامية.. ولابد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة: وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية من يقبل هذه الدعوة وهذه المفاهيم الصحيحة، تربية إسلامية صحيحة، وعدم إضاعة الوقت في الأحداث السياسية الجارية. وعدم محاولات فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي؛ لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تحكم به.

     وفي الوقت نفسه، ومع المضي في برنامج تربوي كهذا، لابد من حماية الحركة من الاعتداء عليها من الخارج، وتدميرها ووقف نشاطها وتعذيب أفرادها، وتشريد بيوتهم وأطفالهم تحت تأثير مخططات ودسائس معادية، كالذي حدث للإخوان سنة 1948، ثم سنة 1954 وسنة 1957، وكالذي نسمع ونقرأ عنه مما يحدث للجماعات الأخرى، كالجماعة الإسلامية في باكستان، وهو يسير على الخطة نفسها وينشأ عن المخططات نفسها والدسائس العالمية.

     وهذه الحماية تتم عن طريق وجود مجموعات مدربة تدريبًا فدائيًا بعد تمام تربيتها الإسلامية من قاعدة العقيدة ثم الخلق.. هذه المجموعات لا تبدأ اعتداء، ولا محاولة لقلب نظام الحكم، ولا مشاركة في الأحداث السياسية المحلية. وما دامت الحركة آمنة ومستقرة في طريق التعليم والتفهيم والتربية والتقويم، وما دامت الدعوة ممكنة بغير مصادرة لها بالقوة، وبغير تدمير لها بالقوة، وبغير تعذيب وتشريد وتذبيح وتقتيل؛ فإن هذه المجموعات لا تتدخل في الأحداث الجارية، ولكنها تتدخل عند الاعتداء على الحركة والدعوة والجماعة لرد الاعتداء وضرب القوة المعتدية بالقدر الذي يسمح للحركة أن تستمر في طريقها)!!

1- إنه يرى أن حال الأمة الآن كحالة المجتمعات عند بدابة دعوة الرسل.

2- أن دور الحكام في رأيه هو تنفيذ مخططات الغرب في حرب الإسلام، هكذا بالعموم وبلا تفصيل ولا بينة، وهو في هذا الباب ينطلق من منطلق آخر وهو أشبه بالحتميات الاشتراكية في أن الحاكم ومن حوله الطبقة الحاكمة لابد أن يعادوا الدعوة، وأن الضعفاء يترددون ثم يحدث التمايز فينضم بعضهم إلى معسكر الإيمان وبعضهم الآخر إلى معسكر الملأ، ثم يأتي النصر من السماء!!

(في تواكلية عجيبة ترقى إلى أن تُجعل أصلا من أصول فكر سيد قطب أو على الأقل سمة في غاية الظهور).. يقول سيد قطب في تفسير سورة الأعراف تعليقا على قصة شعيب عليه السلام مع قومه:

«ذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى الله أن المعركة مع الطواغيت مفروضة عليهم فرضًا، وأنه لا يجديهم فتيلًا أن يتقوها ويتجنبوها؛ فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية، ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إذ نجاهم الله منها. وقد نجاهم الله منها بمجرد أن خلعت قلوبهم عنها العبودية للطواغيت ودانت بالعبودية لله وحده...

فلا مفر من خوض المعركة، والصبر عليها، وانتظار فتح الله بعد المفاصلة فيها، وأن يقولوا مع شعيب:

{عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا  رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ }(الأعراف: 89)، ثم تجري سنة الله بما جرت به كل مرة على مدار التاريخ..».

3- أنه وفق هذه الرؤى لا يرى جدوى العمل الدعوى ولا الإصلاح السياسي، ولكنه يرى العمل التربوي الخاص، والخاص جدا مع «النخبة المؤمنة».

4- أنه لا يرى العنف وسيلة للدعوة، ولكنه يراه ضروريا لما أسماه بـ(الردع)، وهذا الردع عنده يوجه إلى الدولة «رموزها»، فإن لم يكفِ ذلك أولم يقدر على ذلك فلا بأس عنده بأن يوجه إلى «مرافقها»، ولو تأثر بذلك المجتمع ولا عجب؛ فالمجتمع عنده مجتمع جاهلي في المقام الأول والأخير، وأفراده ما بين «كافر بعينه، أو متوقف في الحكم بإسلامه، أو لم يرق بعد إلى درجة المسلم المعصوم الدم والمال»!

قال سيد قطب في وصف إجراءات الردع التي اتفقوا عليها:

     «وهذه الأعمال هي الرد فور وقوع اعتقالات لأعضاء التنظيم بإزالة رؤوس في مقدمتها رئيس الجمهورية، ورئيس الوزارة، ومدير مكتب المشير، ومدير المخابرات، ومدير البوليس الحربي، ثم نسف لبعض المنشآت التي تشل حركة مواصلات القاهرة لضمان عدم تتبع بقية الإخوان فيها وفي خارجها كمحطة الكهرباء والكباري، وقد استبعدت فيما بعد نسف الكباري كما سيجيء».

     وجاء هذا التوضيح لاحقا بقوله: «... وكان قد جرى في أثناء المناقشات الأولية عن الإجراءات التي تتخذ للرد على الاعتداء إذا وقع على الإخوان اعتداء حديث عن تدمير القناطر الخيرية الجديدة وبعض الجسور والكباري بوصفها عملية تعويق، ولكن هذا التفكير استبعد؛ لأنه تدمير لمنشآت ضرورية لحياة الشعب وتؤثر في اقتصاده، وجاء استبعاد هذه الفكرة بمناسبة حديث لي معهم عن أهداف الصهيونية في هذه المرحلة من تدمير المنطقة:

أولًا: من ناحية العنصر البشري بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي.

ثانيًا: من ناحية تدمير الاقتصاد. وأخيرًا التدمير العسكري .. فقال الأخ علي عشماوي بهذه المناسبة: ألا يُخشى أن نكون في حالة تدمير القناطر والجسور والكباري مساعدين على تنفيذ المخططات الصهيونية من حيث لا ندري ولا نريد؟!

ونبهتنا هذه الملاحظة إلى خطورة العملية فقررنا استبعادها والاكتفاء بأقل قدر ممكن من تدمير بعض المنشآت في القاهرة لشل حركة الأجهزة الحكومية عن المتابعة؛ إذ إن هذا وحده هو الهدف من الخطة».

تنبيه: حكم ترك الإنكار على دعاة العنف

مما سبق نعلم أن هناك من يتبنى العمل المسلح مباشرة، وأن هناك اتجاهات أخرى مثل إخوان الأربعينيات والتيار القطبي يلجؤون للعنف تحت دعوى (الردع)، ورأينا كيف أن هذا الردع المزعوم يمكن أن ينال أرواحا ومنشآت وممتلكات عامة وخاصة وتعطيل لمصالح الناس.

وهناك بعض من عصمه الله من هذا ومن ذاك إلا أن الشيطان يدخل له من مدخل آخر و«هو ترك الإنكار على دعاة العنف» من باب ردع الأنظمة أيضا، مدعيا أنه في هذه الحالة يحقق الردع المتوهم، في حين أنه لا يلحقه لوم ولا عتاب ولا إثم في شأن هذا العنف!

وهذا في حالة هذا العنف الذي يصل إلى إراقة دماء معصومة - حتى ولو ارتكب صاحبها مظالم، كما يتضمن قتل جنود الجيش والشرطة وضباطهما، كما يتضمن تهديد مصالح المجتمع - باطل من وجوه منها:

1- أن الدعاة إلى الله يتحملون في الدنيا والآخرة تبعة الدماء التي تراق بغير حق إن لم ينكروا.

2- أن صورة الإسلام والدعوة إلى الله خاصة تُشوَّه بمثل هذه الأفعال.

3- أن الترك المؤقت لدعاة العنف وهْم كبير، وإلا فمتى توحشوا ازداد غلوهم وزادت خطورتهم، وهاهم (داعش) يخرجون عن طوع أبى محمد المقدسي، ثم يُعملون القتل فيمن ما زال على طريقته مثل (جبهة النصرة)، وهم ينتمون إلى التيار السرورى الذي عهد عنه السكوت عن التيار القطبي ومحاولة الدفاع عنه وضمه إلى أهل السنة.

4- ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الشيخ محمد بن سرور بن نايف زين العابدين ألف في الرد على (التكفير والهجرة)، وفى الرد على (التوقف والتبين)، فاختار مجموعات صغيرة من غلاة غلاتهم فرد عليهم معرضا عن الرد على التيار الرئيسي لهم الذي يمثله عبد المجيد الشاذلي؛ فحصل من هذا أن التيار السرورى يسكت عن أخطاء التيار القطبي فيما يتعلق بحكمهم على الحكام والمحكومين، وفيما يتعلق بتبنيهم لاستعمال العنف بداعي الردع.

وبعد هذا البيان نرجو الله أن نكون قد وفقنا إلى تحذير إخواننا من التيار القطبي والسرورى بما يكفل لهم مقاطعة جميع فعالياتهم التي تدار وفق هذا المنهج المنحرف.

ونسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنباه!

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك