رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.أحمد الجسار 29 أبريل، 2020 0 تعليق

أسعد الوارثين

 


إذا قلنا الإرث، فماذا يتبادر إلى الذهن؟ يتبادر إلى الذهن ما يرثه أهل الميت مما ترك الميتُ من المال، أليس كذلك؟ فهؤلاء هم الوارثون، الذين يرثون مالَ الإنسان في الدنيا بعد موته، كما فرض الله -عز وجل-، لكن الله -تبارك وتعالى- قد ندبنا إلى الإرث العظيمِ الباقيِ، وبيّن في كتابه الكريم من هم وارثوه. قال -تعالى- في سورة المؤمنون: {بسم الله الرحمن الرحيم. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}.

     فهؤلاء أهلُ هذه الصفاتِ السبعِ هم أسعدُ الوارثين، الذين يرثون أعظمَ الجزاءِ في الآخرة، ألا وهو جنةُ الفردوس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرشُ الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة». (رواه البخاري)، فهذه صفات هذه الدرجةِ العاليةِ من الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

صفات الفردوس

     الفردوس الأعلى أوسطُ الجنة: أي أعدلها وأفضلها، وأعلى الجنة: حيث يعلوه عرشُ الرحمنِ -جل جلاله-، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة: فهو مكانها الذي تصدر منه إلى الجنة، هذه صفات الفردوس، فنسأل الله برحمته وكرمه أن نكون من أهلها. فسابقوا إلى جزاء لم تروا مثله، ولم يخطر على قلوبكم! قال النبي -صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى-: «قال الله -عز وجل-: أعددتُ لعباديَ الصالحينَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر». (متفق عليه). قال -تعالى-: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة 17).

صفاتُ ورثة الفردوس

أما صفاتُ ورثة الفردوس فهي كالآتي:

- أولاً: أنهم مؤمنون، مصدِّقون بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -، عاملون بشرعه.

في صلاتهم خاشعون

- ثانيًا: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، الذين تَفْرُغُ قلوبُهم لصلاتهم، وتسكن جوارحهم فيها، تحضر قلوبهم بين يدي الله -تعالى-، مستحضرين لقربه، فَتسْكُنَ لذلك قلوبهم، وتطمئنَّ نفوسهم، وَتَسْكُنَ حركاتُهم، وَيَقِلُّ التفاتُهم، متأدبين بين يدي ربهم، مستحضرين ما يقولونه ويفعلُونه في صلاتهم، من أولها إلى آخرها. وهذا هو المقصود من الصلاة، وهو الذي يُكتبُ للعبد؛ فإن الثوابَ في الصلاة بحَسْبِ ما يَعْقِلُ القلبُ منها.

عن اللغو معرضون

- ثالثًا: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، فهم تاركون لكل ما لا خير فيه من الأقوال والأفعال، واللغو هو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، يُعْرِضُ عنه المؤمنون رغبةً عنه، وتنزيها لأنفسهم، وترفعًا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كراما. وإذا كانوا معرضين عن اللغو؛ فإعراضهم عن المحرم من باب أولى، وإذا ملك العبد لسانه كان مالكا لأمره. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذِ بنِ جبلَ -رضي الله عنه- حين وصاه بوصايا قال: «ألا أخبرك بِـمِلاك ذلك كله؟، قال: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: كُفَّ عليك هذا». (رواه الترمذي).

من أسباب دخوله الجنةَ

     ومن نزه نفسه عن اللغو في الدنيا كان ذلك -بإذن الله- من أسباب دخوله الجنةَ المنزهةَ عن اللغو، التي قال الله -تعالى- في وصفها: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا} (الواقعة 25). وقال عنها: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11)} (الغاشية)، فالمؤمنون من صفاتهم الحميدة أنهم: {عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، فَكَفُّوا ألسنتهم عن اللغو والمحرمات.

للزكاة فاعلون

- رابعًا: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}، فهم مُطَهِّرون لنفوسهم من أدناس الأخلاق ومساوئ الأعمال، ومطهرون لأموالهم بأداء زكاتها.

لفروجهم حافظون

- خامسًا: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}، حافظون لفروجهم مما حرَّم الله من الفواحش، ومن تمام حفظها تجنبُ ما يدعو إلى ذلك.

لِأَمَانَاتِهِمْ رَاعُونَ

- سادسًا: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، فهم حافظون لكل ما اؤتمنوا عليه، موفُّون بكل عهودهم. فيراعون الأمانة، ويحافظون عليها، وحريصون على القيام بها وتنفيذها، سواء كانت في حق الله، أو حق عباد الله. قال -تعالى-: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ}، فجميع ما أوجبه الله على عبده أمانة. وتدخل في ذلك كذلك أماناتُ الناس، كأمانات الأموال. فعلى العبدِ مراعاةُ الأمرين، وأداءُ الأمانتين، كما قال -تعالى-: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.

عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

- سابعًا: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، فهم يداومون على أداء صلاتهم في أوقاتها، وعلى هيئتها المشروعة، الواردةِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، الذي قال: «صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي». (رواه البخاري). فيداومون عليها في أوقاتها، وبحَسْبَ حدودِها وشروطِها وأركانِها؛ فجعل اللهُ إقامةَ الصلاةِ أولَ صفاتِهم وآخرَها، فمدحهم أولا بالخشوع بالصلاة، وأخيرا بالمحافظة عليها؛ فالصلاة هي عمود الدين الذي يستند إليه ويعتمد عليه.

فهؤلاء الذين ذُكرت صفاتُهم {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}: هؤلاء الذين تقدمت أوصافهم السبعة، هم الذين يرثون أعلى منازل الجنة وأوسَطها، وهي أفضلُها منزلا، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، لا ينقطع نعيمهم ولا يزول.

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ

     قال -تعالى- {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}: هؤلاء الذين ذُكرت صفاتُهم، قد فازوا وسَعِدوا ونجحوا، وأدركوا كلَّ ما يرجوه المؤمنون، الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، فيا أيها المؤمنون، زنوا أنفسكم على هذه الآيات؛ لتعرفوا بها ما معكم من الإيمان؛ فمن حافظ على هذه الصفات التي هي ذُروةُ الصفاتِ العاليةِ في الدنيا، بَلَغَ -بإذن الله تعالى ورحمته- ذُروةَ مراتبِ الجنة، التي يدعونا ربنا -تبارك وتعالى- للمسارعة إليها: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران 133)، وإلى المسابقة إليها: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الحديد 21).

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك