أستاذ الفقه والمعاملات المالية الإسلامية د. سعود محمد الربيعة في ذمة الله
- الناشي: من أبرز ما ميّز الشيخَ د. سعود دقّةُ الطرح وعمقُ الفهم في قضايا الاقتصاد الإسلامي مع أسلوبٍ سهلٍ قريبٍ إلى النفوس محبّبٍ إلى القلوب يجمع بين الرصانة والوضوح
- كان رحمه الله أحد مؤسسي الهيئة الشرعية في بنك بوبيان وأحد متخصصي الاقتصاد الاسلامي
- كان رحمه الله مبادرًا في الأعمال الخيرية فما إن يعرض عليه مشروعٌ يخدم المجتمع إلا أثنى عليه وشجّع أصحابَه وسعى في تفعيله
- كان رحمه الله سمحًا قريبَ النفس من الجميع حتى مع المخالف في الرأي يُناصح إخوانه ويتّسع صدرُه للاختلاف ويحفظ للآخرين أقدارَهم
بعد مسيرةٍ عامرة بالعلم والدعوة والتدريس، فقدت الكويت أستاذ الفقه والمعاملات المالية الإسلامية في كلية الشريعة جامعة الكويت وهو: د. سعود محمد عبدالله الربيعة، الذي توفاه الله يوم الأحد الماضي خلال رحلة علاجه في أبوظبي بدولة الإمارات؛ ٢٧ من شعبان 1447هـ، الموافق: ١٥ من فبراير 2026م، عن عمرٍ ناهز الـ 67 عامًا، ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر في مقبرة الصليبخات.
نبذة مختصرة
ولد د. سعود محمد عبدالله الربيعة في 12 سبتمبر سنة 1958، وهو من المتخصِّصين في فقه المعاملات المالية الإسلامية؛ حيث امتدّت مسيرته الأكاديمية في كلية الشريعة بجامعة الكويت عقودًا من العطاء العلمي الرصين، وقد تولّى تدريس أجيالٍ من الطلاب والباحثين، وأسهم إسهامًا فاعلًا في تطوير مناهج فقه المعاملات المالية الإسلامية؛ حيث اتسم منهجه العلمي بالربط المنضبط بين أصول الفقه الشرعي ومتطلبات الواقع الاقتصادي المعاصر، وذلك في إطارٍ يجمع بين التأصيل والدراية، وبين الثبات والاجتهاد. وقد عُرف -رحمه الله- بمكانته العلمية المرموقة، فكان من الأساتذة الذين تركوا أثرًا ملموسًا؛ حيث أسهم في نشر المعرفة وتعزيز الوعي الشرعي بالقضايا المالية المعاصرة، معالجةً وتأصيلًا وتقويمًا، بما يعكس عمق تخصّصه، ورسوخ قدمه، وحرصه على خدمة العلم وأهله.تعليمه وطلبه للعلم الشرعي
تلقّى الدكتور سعود بن محمد عبدالله الربيعة -رحمه الله- تعليمه الجامعي في جامعة الكويت؛ حيث تخصّص في المحاسبة، وتخرّج عام 1981م، ثم اتجه إلى دراسة العلوم الشرعية؛ فالتحق بـجامعة أم القرى في مكة المكرمة، ونال فيها درجتي الماجستير والدكتوراة في الشريعة الإسلامية، وكانت رسالته للماجستير بعنوان: (تحوُّل المصرف الربوي إلى مصرف إسلامي ومقتضياته)، وهي دراسة تناولت التحول المؤسسي والفقهي في العمل المصرفي، أما رسالته للدكتوراة فكانت بعنوان: (صيغ التمويل الاستثماري)، وقد عالج فيها قضايا التمويل الإسلامي وأنواعه التطبيقية معالجةً علميةً متخصصة.مشايخه
وقد تتلمذ -رحمه الله- على عدد من كبار العلماء، من أبرزهم فضيلة الشيخ: عبدالله بن عبدالرحمن بن صالح البسام (عضو هيئة كبار العلماء)، والشيخ د. صالح بن عبدالله بن محمد بن حميد (عضو هيئة كبار العلماء، وإمام وخطيب المسجد الحرام والمستشار بالديوان الملكي)، فنهل من علمهم، وتأثر بمنهجهم العلمي الرصين.المناصب التي تقلدها
- عقب عودته إلى الكويت، التحق بهيئة التدريس في جامعة الكويت، أستاذًا في قسم الفقه وأصوله بكلية الشريعة، وظلّ فيها معلمًا ومربيا لأجيال من الطلبة والباحثين حتى تقاعده عام 2024م.
- كما كان عضوًا في الهيئة الشرعية لبنك بوبيان منذ تأسيسه، وأسهم في ترسيخ العمل المصرفي المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
- تولى رئاسة تحرير مجلة الفقه الحنبلي التي تصدر عن مركز ركائز للبحوث والدراسات.
جهوده في العمل الخيري
في ميدان العمل الخيري، كان له حضورٌ بارز؛ إذ عمل في لجنة أفريقيا التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي، وأسهم في تأسيس (مبرة صنائع المعروف) الخيرية عام 2018م، دعمًا للمشروعات الإنسانية والتنموية، وقد عُرف -رحمه الله- بمواظبته على السفر إلى أفريقيا سنويًّا قرابة عشرين عامًا؛ للإغاثة ومتابعة المشاريع الخيرية، وإعانة الفقراء والمحتاجين، وبناء المدارس والمساجد، وكفالة الأيتام، فجمع بين العلم والعمل، وبين الفقه والرحمة.أهم أعماله ومؤلفاته
- من أهم مؤلفاته: كتاب: التمويل الاستثماري في الاقتصاد الإسلامي، الذي تناول فيه الجوانب الفقهية والعملية للتمويل الإسلامي، موضحًا آليات المضاربة، والمشاركة، والمرابحة، والإجارة، وربطها بالاقتصاد الحديث، كما كان له العديد من الأبحاث والرسائل العلمية عن تحول المصرف الربوي إلى مصرف إسلامي، ركّز فيها على التمييز بين المصارف الربوية والإسلامية، وضرورة الالتزام بالعقود الشرعية، وإنشاء هيئات رقابية لضمان توافق العمليات المالية مع الشريعة، كما إنه ألقى محاضرات تخصصية كثيرة، وشارك في العديد من المؤتمرات والملتقيات، وقدم المئات من الاستشارات الفقهية والمالية.

قالوا عن د.سعود الربيعة
جامعة الكويت
وقد نعاه عدد من الهيئات العلمية والدعوية على رأسهم جامعة الكويت؛ حيث أصدرت الجامعة بيانًا جاء فيه: جامعة الكويت تنعى المغفور له -بإذن الله- د. سعود محمد عبدالله الربيعة (عضو الهيئة الأكاديمية السابق بقسم الفقه وأصوله - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية)، سائلين المولى -عز وجل- أن يسكنه فسيح جناته ويتغمده بواسع رحمته.رجل خير وبذل وإحسان
كما نعاه نادي الاقتصاد بكلية الشريعة -جامعة الكويت- في بيان جاء فيه: إنا لله وإنا إليه راجعون› توفي الشيخ الدكتور سعود الربيعة -رحمه الله-، وقد عُرف بدعمه للأعمال الخيرية ومساندته للمبادرات النافعة، وبذله السخي في وجوه البر، نسأل الله أن يغفر له ويرحمه، ويسكنه فسيح جناته وأن يجعل ما قدّم من صدقات وأعمال في ميزان حسناته، وأن يرفع درجته في عليين.أحد مؤسسي الهيئة الشرعية
كما نعاه بنك بوبيان في بيان جاء فيه: تتقدم أسرة بنك بوبيان بخالص العزاء في وفاة الشيخ د. سعود الربيعة، أحد مؤسسي الهيئة الشرعية في البنك وعضو هيئة الرقابة الشرعية للبنك سابقاً، وأحد متخصصي مجال الاقتصاد الإسلامي، نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.بقيّة السلف الصالح في سمته وهديه
- نعاه الشيخ د. عبدالرحمن الجيران قائلاً: إنا لله وإنا إليه راجعون، انتقل إلى رحمة الله وعفوه الأخ الكبير الشيخ: د. سعود الربيعة -رحمه الله- وجعل الجنة مثواه، بقيّة السلف الصالح في سمته وهديه، طرق بابًا من أبواب الخير في كيفية تحويل البنوك من ربوية إلى إسلامية؛ فنال إعجاب العلماء وثناء طلاب العلم! عظَّم الله أجر أسرته آل الربيعة الكرام.
كان نعم المعلّم علمًا ودراية ومعاملة
قال عنه رئيس قطاع الإعلام والتدريب بجمعية إحياء التراث الإسلامي م.سالم الناشي: كان الشيخُ د. سعود محمد الربيعة، (أستاذُ الفقه والمعاملات المالية الإسلامية في جامعة الكويت -كلية الشريعة والدراسات الإسلامية)، أحد المتخصصين البارزين في فقه المعاملات المالية، فقد جمع بين رسوخ الفقيه وبصيرة الاقتصادي. تشرفتُ بدراسة مادةَ: (المعاملات المالية الإسلامية) في الجامعة على يديه، فوجدتُ فيه الأستاذ القدير الذي يُحسن البيان كما يُحسن البرهان، ويقرن العلم بالحكمة، والمعرفة بحسن المعاملة، كان نعم المعلّم علمًا ودراية، وخُلُقًا وتواضعًا، يفتح لطلابه آفاق الفهم، ويغرس فيهم دقة النظر، ويُرشدهم إلى مقاصد الشريعة في قضايا المال والاقتصاد. ومن أبرز ما ميّز الشيخَ الدكتور سعود دقّةُ الطرح، وعمقُ الفهم في قضايا الاقتصاد الإسلامي، مع أسلوبٍ سهلٍ قريبٍ إلى النفوس، محبّبٍ إلى القلوب، يجمع بين الرصانة والوضوح، فلا تعقيد يُنَفِّر، ولا اختصار يُخِلّ، بل بيانٌ شافٍ، وعرضٌ وافٍ، رحم الله الشيخ الدكتور سعود رحمةً واسعة، وجزاه الله عن طلابه وعن العلم خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّم من علمٍ وتعليمٍ في ميزان حسناته، يوم يلقى ربَّه راضيًا مرضيًّا.سيرته العطرة يشهد لها الجميع
كما نعاه النائب السابق م. فهد عبدالعزيز المسعود قائلاً: رحم الله د. سعود الربيعة، عرفته منذ ثلاثة عقود من الزمن، وعرفته أكثر عن قرب في آخر سنتين من حياته عندما كنت أزوره في ديوانه بعد الصلاة من كل يوم جمعة، سيرته العطرة في البذل والعطاء في المشاريع الخيرية وفي الدروس العلمية يشهد له فيها القاصي والداني، كان -رحمه الله- متواضعا، ويتمتع بدماثة الخلق وطيب الكلام وطيب المعشر، خالص العزاء والمواساة لآل الربيعة الكرام اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وأسكنه الفردوس الأعلى.
مربٍّ فاضل
كما رثاه الشيخ د. خالد سلطان السلطان (مدير إدارة الكلمة الطيبة بجمعية إحياء التراث الإسلامي) قائلا: كان -رحمه الله- مربيا فاضلا، وأولاده من طلبة العلم والمتميزين، لم أتشرف بالدراسة عنده، ولكن لم أسمع عنه إلا كل خير وجدية في التدريس، وكان بعيدًا عن الصراعات والخلافات، وقد تقاعد في السنوات الأخيرة لأسباب صحية.نِعم الرجل خُلقًا وسمتًا!
كذلك نعاه الشيخ د. بسام الشطي قائلاً: رحم الله أخي د.سعود الربيعة، نِعم الرجل خُلقًا وسمتًا! سخيًّا على المحتاجين، قريبًا من الضعفاء، مجلسه عامرٌ بالفوائد، وقلبه عامرٌ بالرحمة، لا يكتفي بالكلمة، بل يسعى لزيارة الفقراء في بلدانٍ عدة، نسأل الله أن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، ويرفع درجته في عليين ونعزي الجميع...صاحب الأيادي البيضاء
ونعاه الشيخ د. فرحان عبيد الشمري قائلاً: توفي الشيخ الفاضل د. سعود محمد الربيعة صاحب الأيادي البيضاء في العمل الخيري، غفر الله له ورحمه وأسكنه فسيح جنانه ورفع درجته في المهديين، وجعل ما أصابه كفارة له ورفعة في درجاته.الشيخ الجليل المحسن
ونعاه الشيخ د. عبد الله الشريكة في تغريدة واصفًا إياه فيها بالشيخ الجليل المحسن، وأن الله -تعالى- جمع له العلم والعمل والخلق والبذل والإحسان، هكذا علمناه ورأيناه، ولا نزكي على الله أحدا، رحمه الله رحمة واسعة ورفع درجاته.محاربة الأفكار المخالفة للعقيدة
ونعاه عبداللطيف العثمان قائلاً: منذ سماعي بالشيخ د. سعود الربيعة-رحمه الله- قبل 25 سنة، وأنا أجد اسمه مقرونا بالدعم الخيري والمساهمة في تأسيس المشاريع الخيرية، وآخر عهدي به منذ فترة يدعم أنشطة في بريطانيا، ووصيته التركيز على محاربة الإلحاد والأفكار المخالفة للعقيدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.عالم لم ينفصل علمه عن عمله
وفي كلمةِ رثاءٍ للدكتور الراحل سعود الربيعة، قالت الأستاذُ المشاركُ بقسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية، كلية الشريعة، جامعة الكويت، د. آلاء عادل العبيد: برحيلِ الدكتور سعود الربيعة فقدتِ الساحةُ العلميةُ والاجتماعيةُ نموذجًا مميّزًا للعالِم الذي لم ينفصل علمُه عن عمله، ولا مكانتُه عن تواضعه، ولا انشغالُه بالدنيا عن رسالته فيها، لقد كان حضورُه ممتدًّا في ميادينَ متعددة، غيرَ أن الجامعَ بينها جميعًا روحُ المبادرة الصادقة، والعطاءُ الهادئ الذي لا يعرف الضجيج.
روح المبادرة والمسؤولية المجتمعية
وأضافت، كان مبادرًا في الأعمال الخيرية؛ فما إن تُعرض عليه فكرةٌ نافعة أو مشروعٌ يخدم المجتمع إلا أثنى عليه، وشجّع أصحابَه، وسعى في تفعيله؛ إيمانًا منه بأن المسؤولية المجتمعية التزامٌ عمليٌّ لا شعارٌ إعلامي. وقد ذكرتُ له يومًا فكرةً تتعلّق بحلقاتٍ قرآنيةٍ لتبنّيها، فاستقبلها برحابةِ صدر، وأثنى عليها، بل أشار عليَّ بالمضيّ في تبنّي المشروع الخيري وتفعيله.أثرٌ يتجاوز الحدود
ثم ذكرت د. العبيد أنه بعد نشر خبر وفاته - غفر الله له - على منصات نادي الاقتصاد الإسلامي، تواصل معنا عددٌ ليس باليسير من المتابعين في دولٍ متعددة، يعبّرون عن حزنهم، ويذكرون مواقفَ له معهم: دعمًا، وتوجيهًا، وتمويلًا! كان ذلك كاشفًا عن بُعدٍ لم يكن ظاهرًا للجميع؛ إذ تبيّن أن خيرَه لم يكن محصورًا في نطاقٍ محلي، بل امتد أثرُه إلى آفاقٍ عدّة، وفي كثيرٍ من الأحيان في خفاءٍ تام، لا يطلب معه ذكرًا، ولا ينتظر ثناءً, وهذا يعكس قيمةَ العمل الصامت الذي يتجاوز حدود المكان، ويُحدث أثرًا يستقرّ في وجدان الناس ودعواتهم.حضور بلا منصب
وعلى الصعيد المهني قالت د. العبيد: كان في زمالته بالكلية، محسنًا إلى زملائه، متودّدًا إليهم، حريصًا على توثيق عُرى الودّ بينهم، ولم يكن يسعى إلى المناصب، ولا يزاحم على مكاسب، بل كان يُحدِث أثرَه بهدوءٍ وثبات، دون ضجيجٍ أو استعراض. جمع بين سمتٍ صالحٍ وهيبةٍ راسخة؛ فكانت كلمتُه مسموعةً مؤثّرة، لا بقوة منصب، بل بصدق حضورٍ وعمق مكانة، وكان مُحسنَ الظنّ بإخوانه، يلتمس لهم المعاذير، ويُغلّب جانب الخير فيهم؛ فلا يتتبّع عثرةً، ولا يُضخّم هفوة.تفاصيل صغيرة ومعانٍ عظيمة
وعن جميل خصاله -رحمه الله- قالت د.العبيد: كان حريصًا -قبيل رمضان- على إرسال الرُّطب مقرونًا بتهنئةٍ رقيقةٍ بالشهر الكريم، وكان يتخلّل الزملاء بالعطايا و«النُّقْصات» على مدار العام، يتعاهدهم بها ليديم صلةَ الودّ، حتى غدا ذلك سِمةً معروفةً عنه؛ فكثيرًا ما كنتُ أفتح بريدي الخاص فأجد نصيبي منه، في لفتةٍ صادقةٍ تعكس كرمَه وحرصَه على إدامة روح الأخوّة. كانت تلك التفاصيلُ الصغيرةُ في ظاهرها عظيمةً في معناها؛ تكشف عن نفسٍ كريمةٍ ترى في التواصل قيمةً، وفي إدخال السرور رسالة.
في أحد الجولات الخيرية في إفريقيا وقد سافر على نفقته الخاصه
سعة صدر وإنصاف
وأضافت، كان سمحًا، قريبَ النفس من الجميع، حتى مع المخالف في الرأي؛ يُناصح إخوانه، ويتّسع صدرُه للاختلاف، ويحفظ للآخرين أقدارَهم، فلا يُفسد الخلافُ عنده للودّ قضية. جمع بين الحزم في الموقف والرفق في الأسلوب، وبين وضوح الرأي واحترام الآخرين؛ وهي خصالٌ لا تتأتّى إلا لمن رسخت في نفسه معاني الإنصاف وحسن الظن.كانت الدنيا في يده لا في قلبه
لقد كان يعمل بصمت، ويزرع الأثر دون أن ينتظر إشادةً أو ظهورًا، لم تفتنه الدنيا مع كثرة انشغاله بأعمالها ومسؤولياتها؛ كانت في يده تدبيرًا، ولم تكن في قلبه تعلّقًا، امتلك أسبابَها، غير أن الله حفظه -رحمه الله- من الخضوع لها، بل طوّع الدنيا لخدمة الخير، وجعلها معبرًا للعطاء لا مقصدًا في ذاتها. وتلك منزلةٌ رفيعةٌ لا يتهيّأ لها إلا من رسخ في قلبه معنى الزهد الحق، فتعامل مع الدنيا بوصفها دارَ ممرٍّ لا مقرّ.تجربةٍ إنسانيةٍ وعلميةٍ
وختمت د. العبيد كلامها قائلةً: هذا الحديث عن سيرته -رحمه الله- ليس رثاءً، بل توثيقا لتجربةٍ إنسانيةٍ وعلميةٍ تستحق أن تُستحضَر نموذجًا يُحتذى، في زمنٍ تشتدّ فيه الحاجة إلى القدوات العملية، أسأل الله أن يتغمّد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّم من علمٍ وخيرٍ في ميزان حسناته، وأن يبارك في أثره وعلمه وعمله، وأن يرفع درجته في عليّين. هذه قصائد أرسلت لنا من بعض المشايخ و الطلبة في أفريقيا للمشاركة في العزاء فجزاهم الله خيرا.. إنا لله وإنا إليه راجعون، حين يرحل شهم كريم مثل سعود الربيعة، تضيق الأرض بما رحبت، ويصبح الشعر هو الملاذ الوحيد لنفث ضيق الصدور! أحسن الله عزاءنا فيه وعزاء اليتامى والمساكين والأرامل..ورحمه وأسكنه فسيح جناتهفمن للجود بعدك يا سعود؟!
الطالب: عبدالبر المرتضى محمد الإدريسي

بلا لغة يُقال مضى سعود
وضاق بنا بما رحب الوجود
فلا طاب المقام ولا استقرّت
بنا الدنيا وقد قُـلع العمود
لقد كانت بنا الدنيا سحاباً
فصارت بعد موتك لا تجود
فما جفّت دموع الحزن يوما
ولا سكنت من الهول الكبود
سلام مثل نفح المسك يسري
على من لا تُغَيّبه اللحود
ولو فديت نفوس بعد موت
لفدتك المعاشر والوفود
يعز على الكرام رحيل غيث
له في كل مكرمة صعود
تيتّمت المكارم بعد شهم
وقد دفن السخاء فلا يعود
بنى للمكرمات عماد عز
فمال اليوم وانهد العمود
أمن بعد الربيع نروم ظلا
وقد ذبُلت بمصرعه الورود
فوا لهفا على برز سخي
شجاع لا تقارنه الأسود
ووا لهفا على وجه طليق
له في كل نائبة صمود
وكم من دمعة سقطت بكاءً
على من طبعه الكرم التليد
بنيت من المدارس حصن علم
سيبقى العلم ما بقي الوجود
عزاء المجدبين رحيل غوث
بكتْ لغياب وابله الرعود
سلام الله والرحمات تترى
على جدث به حل السعود
فإن نُسي السخاء بأي عصر
فذكرك في المدى أبداً يعود
سلام يا ربيع الخلق طرا
بكى من هول ما حدث الصعيد
لئن غاب الربيع فليس عنّا
فذكر أبي المكارم لا يؤود
عزاء أبي المكارم واليتامى
لهم كان الرؤوفَ بما يجود
ومدرسة له بكت المباني
فمن للجود بعدك يا سعود
فما مات الكريم وإن توارى
ولا انقطعت له أبدا وفود
سقى جدثا يضمك أي غوث
وحفّت روحك الحور الخرود
«سعود كويت» مَن ورث الفخارا
الطالب: الشوكاني أبوسفيان
أرى ذا الخطب ينتشر انتشارا
ودمــــع العين ينحدر انحدارا
وجلّ الخطب إذ قالوا «سعودا»
تـوفي فاعتـبر خلّـي اعتــبارا
وظـــلّ الـناس كلـــهم كئيـــبا
وبـات الــرّزء ينتشر انتــشارا
بفـقد الــماجد النّـدب النـــبيه
عتيـق أصــله نـــال النّــــجارا
كريـــم جحجح شـــهم مــــزيز
بــه الأوطـان تــزدهر ازدهـارا
نجــيب جامـــع الأخلاق طرا
نـبيل رائــــد يحــمي الـــذّمارا
فقـــيه عالـــم يسقي مُـــداما
شـيوخا مـــن فنون والعُــقارا
وكـم لـيل دجــوجيّ ســـخام
بعــلم قـــد أضـاء أو اسـتنارا
فكـــم نشـر العلوم بــــلا رياء
وكــم أحيا بهـم لــيلا نــــهارا
فسل عنه الكواغد والصحائفْ
يـرُقـك جــــوابها مـرّا مـــرارا
فـعزّ القــوم كلــــهم جـمـــيعا
نــساء والأصــاغــر والكـــبارا
وعـزّ أرامـــلا ويتامـى طــــرا
وعـزّ العلم واصطبر اصطبارا
عـلى فـقد العـزيز وركـــن ديـن
«سعود كويت» مَن ورث الفخارا
سقى الرحمن من رحماه قبر الْـ
فقيد «سعود» شــؤبوبا تــبارى
وأسكـنه فســيحا مــن جــنان
وألبـسه مــن الحـلل النُّـــضارا
وألــهم أهــله وذويــه صـــبرا
وسلــوانا أصـاغــــر والكـــبارا
لاتوجد تعليقات