رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: جاسم السويدي 5 مارس، 2012 0 تعليق

أسباب العلمانية في المجتمعات الإسلامية (2-2)

 

أما الدولة العثمانية: فعلى الرغم من كونها أصلح الدول الثلاث عقيدة وسلوكا؛ إلا أنها كانت تعيش في بحر من ظلمات الجهل في باب العقيدة؛ حيث كانت تسيطر على  سلاطينها الطرق الصوفية كالنقشبندية والمولوية فضلا عن التعصب المذهبي، كانت بعيدة عن منهج الخلافة الراشدة بعدا يزداد أو يقل حسب نوعية خلفائها.

       ولا نستطيع أن ننكر مآثر الدولة العثمانية ومزاياها التي تستحق الثناء والتقدير، فهي التي جعلت المد الإسلامي في أوروبا الشرقية يبلغ مداه بعد أن فقد المسلمون بلادهم في أوروبا الغربية بسقوط الأندلس، وهي التي كسرت الكماشة الأوروبية التي كادت تطبق فكيها على العالم الإسلامي ولم تتمكن من ذلك إلا بعد انهيار الدولة العثمانية، غير أن هذه المآثر لم تجنب الدولة العثمانية الاستمرار في خط الانحراف الذي ورثته من أسلافها، ومن مظاهر ذلك فيما يتعلق بالحكم ومنهجه في الدولة العثمانية، أنها كانت تطبق عمليا المذهب الحنفي بتعصب، وعارض علماؤها «شيوخ الإسلام» من فتح باب الاجتهاد، وتتمثل هذه المعارضة في العداء ضد الحركات والأفكار التجديدية التي كانت تنبذ الجمود وتدعو إلى الانطلاق الفكري المستمد مباشرة من الكتاب والسنة كدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب (1206هـ)، والإمام الشوكاني (1250هـ)، والشيخ الألوسي (1342هـ) وغيرهم، وعندما قفل باب الاجتهاد نتج عنه نتائج سيئة منها:

1 - استمرار الحكم على طريق «الملك الجبري» الوراثي الذي ابتدأ في عهد الأمويين، وقد يقال: إن هذا الأمر أقره العرف وله إيجابياته، ولاسيما في أسرة مجاهدة كآل عثمان: ولكن كان في الإمكان على الأقل أن يكون مبدأ الشورى، هو القاعدة الأساسية للحكم مع استمرار الخلافة وراثية.

وأما أن تترك الأمور على تلك الحال، فإن الطريق إلى الاستبداد والظلم مهيأه، وهو ما حصل فعلاً من بعض السلاطين والولاة بصفة خاصة.

2 - قصور الاستنباط الفقهي عن مجاراة الوقائع المحدثة:

      إن الحياة البشرية عرضة لتغيرات لا يدرك مداها العقل البشري بحكم حجبه عن علم الغيب، وذلك يجعل المجتهد في الشريعة ذا مهام مهمة جداً، ودقة نظرته في الحلول تعتمد على واقع البيئة التي من حوله، وكل هذا عارضه خلفاء وعلماء الدولة العثمانية وأقفلوا باب الاجتهاد وقيدوه في دائرة التراث المأثور عن فقهاء الحنفية السابقين، وفي الوقت الذي كان الفقه فيه جامدا، كانت الحياة حسب سنة الله جارية متطورة.

وبالتالي ضاقت دائرة الفقه الواقعي، بل الافتراضي عن الإحاطة بأحداث الحياة كلها، وما وحاشا أن تكون الشريعة قد ضاقت.

ومن المؤسف أن الذي حصل أول الأمر هو أن باب الاجتهاد لم يفتح ولم يكسر، بل استوردت القوانين الأجنبية الكافرة.

      ولكن الطريق الملتوية البطيئة التي سلكتها عملية الاستيراد والتي كان حسن النية أحد أسباب تقبلها، لم تلفت الأنظار إلى خطورتها، فقد بدأت هذه الطريق باسم الإصلاح والتنظيم الذي تقتضيه الظروف الواقعية ولنضرب مثالا لكي يتضح الأمر، والمثال هو الجيش العثماني:

      كان الجيش العثماني مكوناً من قبل مجموعات من المتطوعين، يحملون السلاح ويجاهدون في سبيل الله، فلم يكن لهم جيش منظم مدرب على أن يستخدم الأسلحة الحديثة ويفرغ نفسه لمهمة الجهاد؛ فكان من الصعب أن توضع اللوائح النظامية والتدريب المنتظم الحديث في ذلك الوقت مع جمود الفقه فيه، وليس بوسع العلماء أن يحدثوا ذلك، كما أنه لم يكن في مقدور قادة الجيش نفسه؛ لأن الجمود العلمي والذهني الذي ليس من الإسلام في شيء، قد كان يقضي على كل فرصة للتطوير والإبداع.. إذاً ما الحل؟

      لجأت الدولة العثمانية إلى ملوك أوروبا الذين كانو لا يزالون في نظر العثمانيين حتى ذلك الحين كفرة حقيرين، يطلبون منهم إيفاد مدربين للجيش العثماني، وجاء المدربون من ألمانيا، وفرنسا، والسويد، ولأول مرة في التاريخ الإسلام يتولى تدريب وتنظيم الجيش الإسلامي خبراء كفرة.

وكانت.. هذه هي البداية ثم تلاها بعد ذلك ما تلاها؟

      فكان الاستيراد في إصلاح الجهاز الإداري، ثم إصلاح الجهاز التعليمي، ومنه البعثات الدراسية إلى أوروبا، ثم إصلاح منهج الحكم، وهنا أصر دعاة التغريب على أن تنشأ مجالس نيابة على الطريقة الأوروبية وأن يوضع دستور مكتوب ذو قواعد وبنود على النمط الغربي، وكان لهم ما أرادوا.

      لقد نتج عن ضيق دائرة الفقه عن استيعاب الحياة أن ظلت القوانين المستوردة تحل رويدا رويدا مواقع جديدة من الحياة الإسلامية دون النظر إلى خطورتها، إلى أن جاء الوقت الذي أصبح اقتباس هذه القوانين أمراً مقرراً ومنهجاً لا غبار عليه.

وهذا بينه الرسولصلى الله عليه وسلم  في الحديث: «إن عرا الإسلام تنقض عروة عروة، أولها الحكم وآخرها الصلاة». ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

ثانياً: الانحراف في توحيد الإرادة والقصد «العبادة»

      ظهرت الصوفية في العصر العباسي لأسباب تاريخية، منها ضعف الخلافة المركزية أو انحرافها، وانغماس الناس في الترف وانصرافهم عن الاهتمام بالدار الآخرة، وكانت الإصابة تأتي بقدر تمسك الصوفي وقربه من الكتاب والسنة والاقتداء بالسلف الصالح.

وكان الخطأ الأساسي في الفكر الصوفي النظرة العدائية إلى الحياة الدنيا، التي لها تأثر بالفكر البوذي والفلسفة الإشراقية.

ولن ندخل في تفصيل هذا الفكر وبيانه، ولكن لندع الصوفية أنفسهم ولننظر إلى أثرهم المعنوي في الأمة:

كان ضمير الفرد العادي من العامة يستشعر الحيرة والآلام وهو يرى الناس فئتين:

فئة صالحة تعمل للآخرة وتتقرب إلى الله بأنواع الطاعات والقربات، ولكنها لا حظ لها من الدنيا.

وأخرى فاسقة عاصية مقصرة في حق الله تعالى تتمتع بالحياة ونعيمها، ولا ثالثة لهما.

ويبدو الخيار أمامه صعباً، أيكون مع الأولى فيقضي على نفسه بالحرمان أو ينضم إلى الثانية فيقع في الحرام؟!

      كان معظم الأمة بطبيعة الحال لم ينقطعوا عن الدنيا، لكنهم كانوا يعملون فيها مع الإحساس بالذنب والندم ينتابهم، لأنهم يرون أنهم لا يعبدون الله حين يقومون بذلك، وغاب عنهم أن ذلك جزء من الغاية العظمى التي خلقوا لأجلها.

      وكل هذه الانحرافات وقعت قبل احتكاك الغرب اللاديني بالشرق، بل قبل الدولة العثمانية، وعندما سيطر العثمانيون ازداد الأمر سوءاً وتطورت الانحرافات حتى توهم الناس أن العبادة هي ما يأمرهم بها المشايخ والأولياء من البدع، ووقعت الأمة في الشرك الحقيقي من بعض السذج والجهلة والعامة مع بعض العلماء بالتمسح بالأضرحة وتقديس الموتى والبيت المشهور فيه يقول أحدهم:

يا خائفين من التتر

                       لوذوا بقبر أبي عمر

وبهذا خبا نور الجهاد وأصبحت المدارس لا أثر للتربية الجهادية فيها، وحتى مناهجها التعليمية كانت متخلفة ومحدودة.

      ولا ننسى كذلك بالإضافة إلى الصوفية أن كتب الفقهاء المتأخرين ساعدت وبغير قصد على مد هذا الانحراف، وهذا يرجع إلى تقسيماتهم لأحكام الشرعية إلى عبادات ومعاملات، واضعين في القسم لأول الأحكام التعبدية المحضة، وفي الآخر الأحكام التعبدية المتعلقة بالنشاط الاجتماعي والاقتصادي ومشكلاتها، ولم يقولوا ولم يعتقدوا أن القسم الثاني ليس عباديا، ولكنهم وضعوا القسمة لاعتبارات فنية اصطلاحية لا تمس جوهر الموضوعات.

      وهذا لم يكن في المؤلفات التي ألفت في القرنين الأول والثاني، غير أن هذا التقسيم أصبح بعد ظهور الصوفية وحدوث الانفصام العملي في الحياة الإسلامية.

      وكذلك واكب هذا الانحراف انحراف آخر، وهو مفهوم الإيمان بالقدر، فلقد كتب أحد المستشرقين الألمان وهو يؤرخ لحال المسلمين في العصور الأخيرة، يقول: «طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله والرضا بقضائه، وقد كان لهذه الطبعة أثران مختلفان متناقضان: ففي العصر الإسلامي الأول أدت دورا كبيرا في الحروب إذ حققت نصرا متواصلاً؛ لأنها دفعت في الجندي روح الفداء، وفي العصور الأخيرة كانت سبباً في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي؛ فقذف به إلى الانحدار وعزله عن الأحداث العالمية».

      إن هذا الرجل وهو كافر أدرك هذه الحقيقة، حقيقة الفرق بين الإيمان بالقدر كما فهمه السلف، وبين الإيمان الذين ابتدعه الخلف متأثرين بالمتصوفة؛ فالذنب ليس ذنب العقيدة، بل هو ذنب المعتقدين، فانقلب التوكل على الله إلى تواكل رخيص مذموم سماه المتصوفة «يقينا» وسماه الآخرون «قناعة» واحتسبه الكل عند الله.

      فكان معنى التوكل عند أبي حامد الغزالي وهو من معتدلي الصوفية أن يدور بالبوادي بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه في تقويته على الصبر أسبوعاً أو ما فوقه، والرضا بالموت إن مات، وإذا علمنا أن هذا الكلام يكتب وينشر ويستساغ عند الناس والحملات الصليبية على أشدها، أدركنا مدى الانحراف، لقد استسلم المسلمون لنوم طويل - محتجبين بالقدر - فلم يوقظهم إلا هدير الحضارة الغربية، وهي تقتحم حصونهم.

      وكانت المفاجأة المذهلة التي زعزعت إيمان الأمة بدينها، وهو الإيمان الذي كان خامداً بارداً، وفي لحظة الانهيار هذه قال المستشرقون والمبشرون وأذنابهم: إن الدين -وعقيدة القدر خاصة- هو سبب التأخر والجمود في العالم الإسلامي.

      وصدقهم المغفلون الذين كانوا لا يعرفون من شعائر الدين إلا ما رسمه لهم مشايخ الطرق الصوفية، ولا من قواعده إلا أن من الإيمان أن يرضى المرء بما كتب له، وعلى المفهوم الخاطئ باسم الزهد في الدنيا والاستسلام للذل والفقر تحت ستار الإيمان بالقدر، وبهذا تقهقرت الحضارة الإسلامية حتى لفظت أنفاسها على يد الغزو العسكري والحضاري القادم من الغرب.

      أن هذا الانحراف في التصورات الإسلامية كان المنفذ الذي تسربت منه العلمانية، كأحد مظاهر الغزو الفكري، لتقول لنا: إن الدين لا علاقة له بالحياة، ولا بالسلوك العملي، وإنما هو رابطة قلبية بين العبد وربه للفوز بالعالم الأخروي.

ونورد هنا نماذج لتقبل المسلمين الذاتي للأفكار العلمانية:

      الكاتب رفاعة الطهطاوي: وهو شيخ مسلم درس في فرنسا، كان يستحسن ويقارن ويترجم مع الشرح عبارات (روسو، وفولتير) مع علم أصول الفقه؛ فكان يخرج باستنباطات من أصول الفقه بالمعنى الذي يريده (روسو وفولتير)، فيقول: فما يسمى عندنا بعلم أصول الفقه يشبه ما يسمى عندهم بالحقوق الطبيعية والنواميس الفطرية، وهي عبارة عن قواعد عقلية تحسيناً وتقبيحاً، ويؤسسون عليها أحكام المدنية، وكذلك يقول: ما نسميه بالعدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية، وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والتولع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة، يسمونه محبة الوطن، كتاب (المرشد الأمين).

      خير الدين التونسي: وهو شيخ آخر من علماء المسلمين، تأثر بالحضارة الغربية ففي كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) صـ90، 98، 166، يقول: تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عما يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا، بمجرد ما انتقش في عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير والتراتيب ينبغي أن يهجر، وتآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ ولا تذكر».

وهو يعني بذلك اقتباس الطرائق الغربية في الحكم؛ كالدستور المدون والمجالس النيابية.

هذه بعض الشواهد التي تطوع بها أمثال هؤلاء بتسويغ النظم اللادينية في أمتهم وهيأوا النفسية الإسلامية لتقبلهامندفعين بدوافع نفسية ذاتية، فقد جاء بعدهم أناس مغرضون صرحاء اتخذتهم القوى المتآمرة على الإسلام أصابع لمخططاتها ومعاول لهدم الكيان المادي والمعنوي للأمة الإسلامية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك