رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد آل رحيم 3 أبريل، 2017 0 تعليق

أسباب الانحراف الفكري ( 5)

من أخطر الأمراض التي تفشت في مجتمعاتنا قديماً وحديثاً، بل وربما يكون أهمها على الإطلاق مرض الانحراف الفكري الذي نشأ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم  وتصدى له بكل قوة، كما في حديث ذي الخويصرة الذي طعن في عدالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وغيرها من المواقف ولكن نور النبوة قضى على تلك الانحرافات، وذكرنا أن لهذا الانحراف أسباباً عدة، ذكرنا بعضها واليوم نستكمل الحديث عنها.

التقليد الأعمى

     اختلف العلماء في حكم التقليد، وفرقوا بينه وبين الاتباع، وكانوا في ذلك بين مانع ومُجيز، ودون الخوض في هذه المسألة فحديثنا عن التقليد الذي ذمه الله -تعالى- وهو التقليد دون علم ولا دليل ولا حجة ولا برهان، وهو ما أطلق عليه بعضهم (التقليد الأعمى)، الذي هو من أهم أسباب الانحراف الفكري؛ لأنه يهمش الدليل والعقل، ويقضي على الإرادة، كما قال -تعالى-: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون}، قال القرطبي -رحمه الله- قال علماؤنا: وقوة ألفاظ الآية تعطي إبطال التقليد ونظيرها: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)، والتقليد عند العلماء قبول قول بلا حجة، والتقليد ليس طريقاً للعلم ولا موصلاً إليه لا في الأصول ولا في الفروع وهو قول جمهور العقلاء والعلماء (انتهى).

قال البقاعي: (عليه آباءنا) أي ما هم عليه من الجهل والعجز، قال: ففيه إشعار بأن عوائد الأباء منهية حتى يشهد لها شاهد من أبوة الدين (انتهي)، وقد ذم المولى -تعالى- التقليد فى آيات كثيرة فى القرآن الكريم منها قوله تعالى : {إنا وجدنا آباءنا على أمة}.

     وقوله: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} وكل ذلك من التقليد الأعمى المحرم الذي يؤدي بصاحبه إلى الهلاك، بل خاطب المولى -تعالى- رسوله ليبين لهم الحق، ويدعوهم لترك طريق التقليد الأعمى؛ فقال -تعالى- على لسان نبيه: {أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون}.

     قال ابن الجوزي في الموافقات: كان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلي ابن هرمز فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذووه لا يجيبهم؛ فتعرض له ابن دينار يوماً فقال له: يا أبابكر لم تستحل مني ما لا يحل لك؟ فقال له: يا ابن أخي وماذاك؟

قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما، وأسالك أنا وذوي فلا تجيبنا؟

فقال: أوقع ذلك في قلبك يا ابن أخي؟ قال : نعم.

قال: إني قد كبرت سني، ورق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان إذا سمعا مني حقاً قبلاه، وإن سمعاً خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه.

قال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل والعقل الراجح لا كمن يأتي بالهذيان ويريد أن يُنزل قوله من القلوب بمنزلة القرآن (انتهى).

والتقليد الأعمى ينشأ عادة عن التعصب والثقة المطلقة بمن يقلدونه وبمنهجه وطريقة اجتهاده وحياته فالتابع على سبيل المثال الذي يقلد إمامه دون بصيرة في كل خطوة يخطوها يقع في كل الأخطاء التي يقع فيها إمامه تلقائياً.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك