أساليب فهم الدين والثبات عليه- دراسة السنن الإلهيةوالاعتبار بها (2)
ذكرنا في المقال السابق المقصود بالسنن الإلهية وأهمية التفقه فيها ودراستها والاعتبار بها وذكرنا منها سنة الانتقام وسنة التدافع وسنة التغيير، واليوم نكمل الحديث عن باقي السنن.
سنة الافتقار:
من سنن الله التي لا تبديل لها افتقار المخلوق إلى خالقه، بل وحاجته إلى بعض المخلوقين في الأمور التي تكون من اختصاصهم، فكل ذي حرفة -مهما علت به حرفته- محتاج إلى غيره ولا بد، فالصانع والزارع يحتاج كل منهما إلى الآخر، والموظف -كبر أم صغر- لا غنى له عنهما، والبناء في حاجة إلى ما يلبس، والخياط في حاجة إلى مسكن والمدرس يحتاج إليه طلابه، ولولا طلابه لم يكن مدرسا.. وهكذا..
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15)
قال ابن كثير: «يخبر -تعالى- بغنائه عما سواه وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه فقال -تعالى-: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} أي هم محتاجون إليه في الحركات والسكنات كلها، وهو -تعالى- الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال -عز وجل-: {والله هو الغني الحميد} أي هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له وهو الحميد فيما جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه».
سنة الخذلان لمن يعلق قلبه بغير الله
من سنن الله التى لا تبديل لها أن من خاف شيئا غير الله وكل إليه.
قال الحافظ ابن القيم: «فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف من خاف الله خافه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء، فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى الله وإقباله عليه وتوكله عليه وثقته به، وألا يخاف معه غيره بل يكون خوفه منه وحده ولا يرجو سواه بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجو إلا إياه ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه وكل إليه وخذل من جهته، فمن خاف شيئا غير الله سلط عليه، ومن رجا شيئا سوى الله خذل من جهته وحرم خيره، هذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا» (بدائع الفوائد ج2:ص:470).
وقال أيضا: فهذه سنة الله في عباده التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه أو ركن إلى مخلوق أجرى الله له بسببه أو من جهته خلاف ما علق به آماله» (مفتاح دار السعادة ج2، ص:143).
إن ا لتوحيد هو ا لمفزع ولا يقبل عند معاينة
قال ابن القيم: «التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت:65)، وأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها؛ ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات، وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عُذب به المشركون فى الدنيا، وما أُعد لهم فى الآخرة، ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه؛ لأن الايمان عند المعاينة لا يقبل، هذه سنة الله في عباده فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد؛ فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد؛ فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها» (الفوائد ج:1، ص:53).
قال شخ الإسلام: «قال الله -تعالى-: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} (غافر:84-85).
فأخبر -سبحانه وتعالى- أن الكفار لم يك ينفعهم إيمانهم حين رأوا البأس وأخبر أن هذه سنته التي قد خلت في عباده ليبين أن هذه عادته -سبحانه- في المستقدمين والمتأخرين».
رمي المبتدعة أهل ا لسنة بالألقاب ونقصان العقل
إن رمي أهل السنة بالألقاب كاتهامهم بالانحراف عن الحق، أو بالجنون من أبرز علامات المبتدعة، وهو من سنن الله التي لن تجد لها تحويلا. قال ابن القيم: «... وهذه سنة الله في خلقه أن أنقص الناس عقولا وأعظمهم سفها يرمون أعقل الخلق وأفضلهم بنقصان العقول ولا تنس قول أعداء الرسل في الرسل: أنهم مجانين لا عقول لهم فهكذا ورثتهم يرمون ورثة الرسل بدائهم إلى يوم القيامة. (الصواعق المرسلة ج: ٤ ص: ١٥١٨).
٧- سنة تأييد الأولياء وأن العاقبة للمتقين
إن من السنن الإلهية المستقرة الثابتة نصره لأوليائه على أعدائه، وأن العاقبة -مهما طال الزمن- للمتقين. قال -تعالى-: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (الفتح:22-23).
وقال -تعالى-: {فاصبر إن العاقبة للمتقين} (طه: من الآية:132)، والمراد العاقبة في الدنيا قبل الآخرة؛ لأنه ذكر عقيب قصة نوح ونصره وصبره على قومه فقال -تعالى-: {لْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود:49).
قال ابن تيمية: «وقد علم من سنة الله أن من جبله الله عل الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه». (العقيدة الأصفهانية ج:1، ص:125).
قال ابن كثير: «فبين -تعالى- في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين وأهلك أعداءهم من الكافرين، كقوله: {إنا لننصر رسلنا...} الآية وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة أن العاقبة فيها للمتقين». (تفسير ابن كثير ج2: ص:224).
عدم التسوية بين المتفرقات وعدم التفريق بين المتماثلات:
قال -تعالى-: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (القلم:35-36).
وقال -تعالى-: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (ص:28).
وقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الجاثية:21).
فجعل -سبحانه- ذلك حكما سيئا يتعالى ويتقدس عن أن يجوز عليه فضلا عن أن ينسب إليه، وأما الثاني وهو ألا يفرق بين المتماثلين كقوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء:69). وقوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} (التوبة: 171)، وقوله -تعالى-: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} (التوبة:167)، والقرآن مملوء من هذا، يخبر -تعالى- أن حكم الشيء في حكمته وعدله حكم نظيره ومماثله». (شفاء العليل ج:1، ص:199).
سنة الابتلاء
قال -تعالى-: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:2-3).
وقال -تعالى-: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (آل عمران:179).
وقال -صلى الله عليه وسلم -: «يبتلى المرء عل حسب دينه فإن كان في دينه صلابة شدد عليه البلاء وإن كان في دينه رقة خفف عنه البلاء».(رواه أحمد)، والمراد بالدين هنا الإيمان الذي يثبت عند نوازل البلاء؛ ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق بما فعل به إخوته من الأذى والإلقاء في الجب وبيعه بيع العبيد والتفريق بينه وبين أبيه وابتلائه بمراودة المرأة وهو شاب عزب غريب بمنزلة العبد لها وهي الداعية إلى ذلك فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء.
قال ابن القيم: «وهكذا الشدة مقدمة بين يدي الفرج، والبلاء مقدم بين يدي العافية والخوف الشديد مقدم بين يدي الأمن، وقد جرت سنة الله -سبحانه- أن هذه الأمور النافعة المحبوبة إنما يدخل إليها من أبواب أضداده». (مدراج السالكين ج:3، ص:295).
سنة التداول
من سنن الله الدينية أن من المحال دوام الحال، فلا الغنى يدوم ولا الفقر، ولا الصحة ولا الفراغ، ولا الشباب. ولما سأل هرقل وفد قريش عن محاربة الرسول -صلى الله عليه وسلم - ومعاهدته فأخبروه أنه في الحرب تارة يغلب كما غلب يوم بدر، وتارة يغلب كما غلب يوم أحد، وإنه إذا عاهد لا يغدر؛ فقال لهم: وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دوال يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم هل يغدر فقلتم إنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر. (رواه أحمد).
قال شيخ الإسلام: «فهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم أن هذا من علامات الرسل؛ فإن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أنه يبتليهم بالسراء والضراء؛ لينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (رواه مسلم)، والله -تعالى- قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة فقال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: 139-141).
فمن الحكم تمييز المؤمن عن غيره فإنهم إذا كانوا دائما منصورين لم يظهر لهم وليهم وعدوهم؛ إذ الجميع يظهرون الموالاة فإذا غلبوا ظهر عدوهم، قال -تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران:166-168)، (العقيدة الأصفهانية ج:1، ص:128-129).
لاتوجد تعليقات