رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: إعداد: قسم التحرير 16 ديسمبر، 2020 0 تعليق

أساليب النقد وتصحيح الأخطاء (الحلقة 4)


ما زال الحديث مستمرًا عن أساليب النقد وتصحيح الأخطاء، وقد ذكرنا في المقال السابق بعض تلك الأساليب، وهي النقد باستهداف نقطة الخطأ، والنقد بالإنكار الشديد وإظهار الغضب، والنقد بأسلوب الإعراض والهجران، و نستكمل في هذه الحلقة أساليب المناقشة والحوار والإقناع وغيرها.

الرابع عشر: المناقشة والحوار والإقناع

     هذا أسلوب آخر من أساليب النقد، استفدناه من السنة النبوية المطهرة، وهو أسلوب يؤدي دوراً كبير في تحقيق أهداف النقد وتصحيح الأخطاء، ومن مميزات هذا النوع أن المخطئ يعترف بخطئه، ويرجى أن يستسلم للصواب إن شاء الله، وهذه بعض الأمثلة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: «فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟» قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: «وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» وفي رواية: وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ. صحيح مسلم: كتاب الطلاق 2/1137.

     وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ، فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «القَنِي بِهِ»، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟» قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟»، قَالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: «صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةً، وَاقْرَإِ القُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الجُمُعَةِ»، قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا» قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً» فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ. صحيح البخاري: كتاب الفضائل 6/196.

     وعن أبي أمامة قال: إن فتى شابا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه فقال: «ادنه، فدنا منه قريبا» قال: فجلس قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم» قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم» قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم» قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم» قال: فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه» قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء». مسند الإمام أحمد: مسند أبي أمامة 36/545.

الخامس عشر: المصارحة في النقد

     رغم أن المصارحة مرفوضة وغير مرضية من جانب المخطئ، إلّا أنها أسلوب من أساليب النقد، ولا سيما إذا كانت المصلحة المنشودة من النقد تتحقق فيها، ولكن إذا كانت هناك مفسدة أكبر، يجب أن نبتعد عن المصارحة، ونعدل إلى أسلوب آخر. ومن الأحاديث: عَنِ المعْرُورِ هُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا، وَعَلَى غُلاَمِهِ بُرْدًا، فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً، وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ، فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلاَمٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ -[-، فَقَالَ لِي: «أَسَابَبْتَ فُلاَنًا؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، قُلْتُ عَلَى حِينِ سَاعَتِي: هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ يُكَلِّفُهُ مِنَ العَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ». صحيح البخاري: كتاب الأدب 8/16. وفي رواية مسلم قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». صحيح مسلم: كتاب الإيمان 3/1282.

     عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا!» ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ..إلى آخر القصة. صحيح البخاري: كتاب الحيل 9/28.

     عن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ، سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي، فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ». صحيح مسلم: كتاب الهبات.

 

 

تنبيهات ينبغي مراعاتها عند معالجة الأخطاء

 1. الإخلاص: بحيث لا يكون القصد التشفي والانتقام ولا السعي لنيل استحسان المخلوقين؛ بل يكون القصد وجه الله -تعالى.

2. الخطأ من طبيعة البشر: فلا نفترض المثالية في الناس ثم نحاسبهم بناء عليها، بل يعاملون معاملة واقعية صادرة عن معرفة بطبيعة النفس البشرية.

3. أن تكون التخطئة مبنية على دليل شرعي مقترن بالبينة، وليست صادرة عن جهل أو أمر مزاجي.

4. كلما كان الخطأ أعظم كان الاعتناء بتصحيحه أشد.

5. اختيار الشخص الذي يقوم بتصحيح الخطأ؛ فبعض الناس يتقبل منهم مالا يتقبل من غيرهم، كالأب مع ابنه.

6. التفريق بين المخطئ الجاهل والمخطئ عن عل: فالجاهل يحتاج إلى تعليم، وصاحب الشبهة يحتاج إلى بيان، والغافل يحتاج إلى تذكير، والمصر يحتاج إلى وعظ وهكذا.

7. التفريق بين الخطأ الناتج عن اجتهاد صاحبه وبين الخطأ العمد والغفلة والتقصير: ويجب أن يكون الاجتهاد الذي يعذر به صاحبه اجتهاداً سائغاً من شخص مؤهل، بخلاف من يفتي بغير علم أو لا يراعي الأحوال، مثل: قصة صاحب الشجّة في الحج عندما اغتسل فمات.

8. إرادة المخطئ للخير لا تمنع من تصحيح خطئه وتنبيهه عليه: كقصة ابن مسعود من الذين جلسوا في المسجد يذكرون الله بعد الحصى فأنكر عليهم هذا.

9. العدل وعدم المحاباة في التنبيه على الأخطاء: كقصة أسامة في شفاعته في رفع الحد عن المرأة.

10. الحذر من إصلاح خطأ يؤدي إلى خطأ أكبر: وهذه من قواعد الشرع، كسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المنافقين، والنهي عن سب آلهة المشركين.

11. إدراك الطبيعة التي نشأ عنها الخطأ: هناك بعض الأخطاء لا يمكن إزالتها بالكلية لأمر يتعلق بأصل الخلقة، ولكن يمكن التقليل منها؛ لأن التقويم النهائي يؤدي إلى كارثة.

12. التفريق بين الخطأ في حق الشرع والخطأ في حق الشخص: فإذا كان الدين أغلى عندنا من ذواتنا وجب علينا أن ننتصر له، ونحامي عنه ونغضب له أكثر من غضبنا لأنفسنا وانتصارنا لها، والعكس بالعكس.

13. التفريق بين الخطأ الكبير والخطأ الصغير، وقد فرّقت الشريعة بين الكبائر والصغائر.

14. التفريق بين المخطئ صاحب الماضي الحسن في عمل الخير الذي يتلاشى خطؤه أو يكاد في بحر حسناته؛ وبين العاصي المسرف على نفسه.

15. التفريق بين من وقع منه الخطأ مراراً وبين من وقع فيه لأول مرّة.

16. التفريق بين من يتوالى منه حدوث الخطأ وبين من يقع فيه على فترات متباعدة.

17. التفريق بين المجاهر بالخطأ والمستتر به.

18. مراعاة من دينه رقيق ويحتاج إلى تأليف قلب فلا يغلظ عليه.

19. اعتبار حال المخطئ من جهة المكانة، وهذه لا تتعارض مع العدل المشار إليه آنفاً.

20. الإنكار على المخطئ الصغير بما يتناسب مع سنه: كقصة الحسن مع تمرة الصدقة.

21. عدم الاشتغال بتصحيح آثار الخطأ وترك معالجة أصل الخطأ وسببه.

22. عدم تضخيم الخطأ والمبالغة في تصويره.

23. ترك التكلف والاعتساف في إثبات الخطأ وتجنب الإصرار على انتزاع الاعتراف من المخطئ بخطئه.

24. إعطاء الوقت الكافي لتصحيح الخطأ ولا سيما لمن درج عليه واعتاده زماناً طويلاً من عمره، هذا مع المتابعة والاستمرار في التنبيه والتصحيح.

25. تجنب إشعار المخطئ بأنه خصم ومراعاة أن كسب الأشخاص أهم من كسب المواقف.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك