رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: القاهرة - الفرقان: أحمد عبد الرحمن 30 أبريل، 2012 0 تعليق

أزمة هجليج عمقت الجراح وسددت رصاصة على مساعي تطبيع العلاقات- دولتا السودان.. الوصول إلى محطة الفراق

 

يخطئ من يعتقد أن الصراع المحتدم بين الخرطوم وجوبا حاليًا يعود فقط إلى احتلال قوات جنوبية للمنطقة الغنية بالنفط التي تنتج 70% من إنتاج السودان النفطي بعد انفصال الجنوب، فالصراع بين شطري السودان قديم حديث حيث خاضا حربًا أهلية هي الأطول في تاريخ القارة الأفريقية خلفت ما يقرب من مليون قتيل من الجانبين وملايين المشردين والمصابين واللاجئين وانتهت بانفصال الجنوب عن الشمال وتكوين الدولة الخامسة والخمسين في الاتحاد الأفريقي.

      وقد اعتقد بعضهم أن هذا الانفصال سينهي عقودا طويلة من الصراع بين الطرفين، غير أن جميع الأجواء المحيطة بالانفصال والإخفاق في تسوية الخلافات حول ترسيم الحدود ومنطقة أبيي الغنية بالنفط وديون السودان وإلى من تؤول ملكية السفارات في الخارج، والخلافات حول تبعية بعض مناطق التماس لأي من الطرفين، تركت سيلاً من القنابل الموقوتة مهددة بالانفجار في وجه الخرطوم وجوبا في أي وقت.

      يضاف إلى ذلك أن كلا الطرفين احتفظ بصلات قوية مع معارض الآخر، فجوبا واصلت العلاقات مع الجيش الشعبي لتحرير السودان جناح الشمال وهو الدعم الذي أجج توترات في مناطق النوبة والنيل الأزرق وجنوب كردفان، بل امتد التدخل الجنوبي في شأن الشمال إلى دفع جناح واسع من المتمردين إلى تصعيد عملياتهم ضد الجيش السوداني وعدم الانضمام لمسيرة السلام في الإقليم، بل إن جوبا تدخلت لدى واشنطن لتصعيد ضغوطها على السودان للقبول باستفتاء فيما يتعلق بحق سكان جنوب دارفور في تقرير مصيرهم إما بالبقاء ضمن السودان أو تكرار سيناريو انفصال الجنوب في مناطق الغرب.

أجواء ملتهبة

      ولا شك أن مثل هذه الأجواء الملتهبة فضلاً عن رغبة جوبا في إجبار الخرطوم على تقديم تنازلات مؤلمة في القضايا الخلافية وفي مقدمتها جوبا، هي التي أججت الصراع الحالي وزادت من حمى التوتر، فجوبا أوقفت تصدير نفطها عبر أنابيب النفط الشمالية مما شكل كارثة اقتصادية على موردها الأهم وعظم من الأوضاع المعقدة في الجنوب أصلاً مما دفعها لتصعيد الصراع مع السودان واجتياح منطقة هجليج الشمالية الغنية بالنفظ؛ لمساومة الخرطوم على تسوية الخلافات ولاسيما في قضايا أبيي ونفقات نقل نفطها التي تتهم الخرطوم بالمغالاة فيها بشدة لتحقق جدواه الاقتصادية من الاستمرار في نقلها.

      وبالفعل اجتاحت القوات الجنوبية هجليج واستولت على المدينة مدعومة بوحدات من الجيش الأوغندي وتسهيلات منه استجابة منها لتعليمات من الرئيس الأوغندي نوري موسيفيني الذي أعلن عن وقوفه إلى جانب الجنوب في أي صراع مع السودان، وخلفت من وراء ذلك عددًا كبيرًا من القتلى في صفوف وحدات الجيش السوداني غير المستعدة فيما يبدو للمواجهة، ولكن وطبقًا للرواية السودانية فإن وحدات الجيش المتمركزة رأت أن الدخول في مواجهة مع قوات الجنوب في مناطق مستوية وسهلة ومكشوفة لن يكون جيدًا وأن من الأفضل جرجرة القوات إلى داخل المدينة ودحرها مما أوقع 1400 من قوات جيش الجنوب بحسب تصريحات صادرة عن وزارة الدفاع السودانية.

نهج متشدد

      ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل عزفت الخرطوم على وتر التشدد وواصل طيرانها قصف مدن جنوبية خصوصًا في ولاية الوحدة فيما يبدو انتقامًا من تخريب قوات الجنوب لآبار نفطية شمالية أثناء احتلالها للمنطقة، متواكبًا مع فرض الخرطوم ما أطلق عليه شروط المنتصرين على جوبا لاستئناف الحوار ومنها إعادة رسم الحدود كما كان معمولاً به في الأول من يناير عام 1956 بما يعني ولاية الخرطوم على إقليم أبيي والكف عن تقديم دعم للمتمردين في دارفور ومناطق التماس، وكف يد جوبا عن التدخل في الشؤون السودانية وطرد مقاتلي حركة العدل والمساواة من المناطق الجنوبية.

      ولم تكتف الخرطوم بذلك بل أعلنت عزمها على إسقاط نظام (سيلفاكير) لكونه كيانًا معاديًا للدولة السودانية وهي الشروط التي قوبلت بانزعاج بين القوى الغربية التي غيرت من لهجتها الفوقية في التعامل مع السودان وكفت عن فرض إملاءاتها على الخرطوم بعد دحر قوات الجنوب في هجليج مطالبة بضرورة العودة للمفاوضات لحل الأزمة، وهو الأمر الذي كرره الاتحاد الأفريقي الذي أمهل طرفي الأزمة ثلاثة أشهر لحلحلة المشكلات التي وقفت وراء إشعال التوتر ملوحًا بسيف العقوبات الاقتصادية لإجبار الطرفين على العودة للتهدئة وتسوية القضايا العالقة بينهما.

طريق مسدود

       غير أن التوصل لتسوية بين الطرفين غدا أمرا شديد الصعوبة، فالخرطوم ما زالت تراهن على استخدام الآلة العسكرية والاقتصادية لتأديب نظام (سيلفاكير) الذي وصلت علاقته معهم إلى طريق مسدود لدرجة أن الخرطوم بدأت تتبنى سياسات لإسقاط النظام الجنوبي، بل إن الخرطوم تنوي خلال المرحلة القادمة تنشيط علاقاتها مع فصائل جنوبية معروفة بتوتر علاقاتها مع قبيلة (الدينكا نقوك) وفي مقدمتها قبائل النوير والشلوك وما يطلق عليها أحرار الجنوب من جنرالات منشقين على الحركة الشعبية سعيًا لإثارة المتاعب في وجه حكومة جوبا.

      ولعل من المهم التأكيد أن أزمة هجليج أظهرت مدى تضاؤل الدور الدولي في الصراع السوداني، فواشنطن ورغم ما تملكه من نفوذ لم تستطع إجبار جوبا على سحب قواتها من هجليج ولا إقناع الخرطوم بالكف عن استخدام الآلة العسكرية لتحريرها بشكل جعل الرهان على الطرف الصيني وحده القادر على إقناع الطرفين بالعودة إلى مائدة المفاوضات بوصفه الشريك التجاري الأول للطرفين، رغم أن الصين حتى الآن ورغم تزامن الأحداث مع الزيارة التي يقوم بها سيلفاكير لبكين تقف على مسافة واحدة من جميع الفرقاء السودانيين وهو ما فسره المراقبون برغبة الصين في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع الخرطوم وجوبا على حد سواء دون أن تستطيع إغضاب العاصمتين.

عداء سافر

      وبقدر ما طرحت هذه الأزمة عديدًا من التساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الخرطوم وجوبا، طرحت تساؤلاً عن إمكانية تطبيع العلاقات بين الطرفين بشكل يسمح للسودان بإمكانية احتواء الجنوب وإيجاد علاقات طبيعية معه تسمح بوجود نوع من التكامل قد يعيد الوحدة بين البلدين عبر فيدرالية أو كونفدرالية، وهو ما لا تدعمه د. إجلال رأفت أستاذة الدراسات الأفريقية بكلية الاقتصاد والعلوم  السياسية حيث ترى أن التركيبة الحالية للنظامين الحاكمين في الخرطوم وجوبا تجعل مثل هذا الخيار شديد الصعوبة؛ حيث يفضل الطرفان تغييب أحدهما عن الساحة وإقصاءه؛ لذا تصر حكومة جوبا على استمرار صلاتها بحركات التمرد في السودان ولا تكف عن تقديم الدعم اللوجيستي والتسليحي لها سعيًا لإسقاط النظام السوداني ولا ترى استقرارا للدولة الوليدة إلا بسقوط نظام البشير وغيابه عن المشهد السوداني.

      وتابعت: «الخرطوم أصلاً تواصل السيناريو نفسه بل لا ترى أن هناك إمكانية للتفاهم مع هذا النظام بل إن خطوة إعلان البرلمان السوداني للجنوب كياناً عدائياً ووصف البشير للنظام بالحشرة الشعبية يوضح كيف أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى طريق مسدود، بل إن أي جهود لإعادة هذه العلاقات إلى مسارها الصحيح ستصاب بالفشل».

      وأضافت: يبدو واضحًا أن هناك قوى أجنبية لن تسمح لأي تقارب بين السودان والجنوب ولا سيما أن نهجها الإستراتيجي يسير في إطار تكريس القطيعة بين الطرفين واستخدام الجنوب أداة لتفتيت السودان والتحول إلى حجر الزاوية في تنفيذ المخططات الأمريكية والصهيونية نحو فصل العالم العربي عن محيطه الأفريقي والسيطرة شبه التامة على الممرات المائية الإستراتيجية في المنطقة.

طوق النجاة

      في السياق ذاته يرى د. السعيد البدوي العميد السابق لمعهد الدراسات الأفريقية بالقاهرة أن الاستقرار يبدو بعيدًا جدًا عن دولتي السودان في ظل تعقد المشكلات بين الطرفين وبحث كل طرف عن تعزيز مصالحه بعيدًا عن مفهوم الشراكة والتكامل الذي كان يمكن أن يوفر طوق النجاة اللازم.

      وحذر من إمكانية تكرار السيناريو الصومالي الإثيوبي في السبعينيات بالحرب التي أسهمت في انهيار نظامي (سياد بري) و(هيلا مريام) في نهاية المطاف، مطالبًا الدول العربية والاتحاد الأفريقي بضرورة ممارسة أقصى الضغوط على الطرفين لتطويق الأزمة لكونه ستضر بالطرفين بعد أن أخفقت كل المساعي في إيجاد علاقات طبيعية حتى الآن.

واعتبر أن جوبا كانت الخاسر الأكبر من هذه الأزمة حيث تعرضت لانتكاسة عسكرية وعززت من موقف الخرطوم في قضايا الوضع النهائي، لافتًا إلى أن هذه الأزمة؛ قطعت الطريق على مساعي التعاون والتكامل بين دولتي السودان.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك