رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان.القاهرة/مصطفى الشرقاوي 3 أكتوبر، 2011 0 تعليق

أردوغان سعى لتدشين جبهة عربية ضد الأسد لتسديد رصاصة على الاختراق الإيراني للمجتمعات العربية -جولة أردوغان العربية كرست تحول تركيا إلى قوة عظمى إقليمية

 

شكلت زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لما يطلق عليه دول الربيع العربي مناسبة مهمة لإعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة مجددًا، ولاسيما أن هذه الزيارة تمت وسط متغيرين شديدي الأهمية: أولهما قيام تركيا بطرد السفير الإسرائيلي من أنقرة وتخفيض العلاقات الدبلوماسية معها للحد الأدنى، وثانيهما تمثل في قيام محتجين مصريين باقتحام مقر البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في القاهرة؛ مما أدى إلى هروب السفير الإسرائيلي وأعضاء بعثته من مصر على عجل خوفًا على حياتهم.

       حالتا الطرد وإن اختلفت أسبابهما في الحالتين إلا أنهما عكستا بداية لبناء تحالفات جديدة في المنطقة، فتركيا التي خسرت حليفًا استراتيجيًا مهمًا خلال الأشهر الماضية عبر تدهور علاقاتها مع تل أبيب أرادت تعويض هذه الخسارة بالعمل على بناء علاقات شديدة الأهمية مع دول الربيع العربي وبناء شراكة سياسية واقتصادية معها بما يعزز من نفوذ القوى الاقتصادية الصاعدة عالميًا، ولاسيما أن هذه الدول تواجه مفترق طرق بشكل يجعلها ترغب في توظيف هذه الأحداث   لتعزيز وزنها الاستراتيجي في المنطقة وتوجيه رسائل لكل من القوى الإقليمية والدولية.

رسائل متعددة

       ولعل أولى الرسائل التي رغبت جولة أردوغان العربية في تحقيقها تتمثل في رسالة مساندة لشعوب دول الربيع العربي والتأكيد على أن أنقرة تضع كافة إمكانياتها لدعم مسيرة البناء والتنمية في هذه المنطقة وأنها ستكون دومًا عونًا للشعوب العربية وسعيها لاستعادة حقوقها كاملة، وإشارة إلى أن تركيا لن تكرر الهفوة التي شهدها تعاطيها مع الأزمة في كل من ليبيا وسوريا حيث تحفظت في البداية على تبني مواقف حازمة تجاه النظامين السوري والليبي قبل أن تحسم خيارها بدعم الانتفاضة في كل البلدين، فضلاً عن سعيها للاستفادة من تراجع النفوذ الإيراني بفعل الثورات المشتعلة وتأييد طهران لأنظمة مستبدة في الحرب ضد شعوبها.

        وتدرك تركيا الأردوغانية أن بلدان الربيع العربي بحاجة للدعم السياسي والاقتصادي التركي لبناء شراكة مع هذه البلدان بشكل يجعل مساعيها لإعادة ضخ الدماء في شرايين اقتصادياتها المتعثرة أمرا ميسورًا؛ ولذا لم يكن غريبًا أن تدخل تركيا على خطى الأزمة السياسية في مصر التي بدأت بتلقي أردوغان تطمينات من المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتزامه بتسليم السلطة للمدنيين في الآجال المقررة وسعيها للوقوف على مسافة واحدة من كافة الفرقاء المصريين عبر الإعلان عن تفضيله لنموذج الدولة العلمانية في مصر، وهو أمر رفضه الإسلاميون رفضاً قوياً بل عدوه تدخلاً في الشؤون السيادية لمصر بشكل عكر أجواء الدفء التي عكستها حرارة الاستقبال الحافل لأردوغان من قبل القوى الإسلامية في مطار القاهرة وأحد المطارات العسكرية التونسية.

حشد ضد بشار

       حرارة الاستقبال التي تحدثنا عنها حاول أردوغان تعزيزها حينما تحدث أمام الجامعة العربية عن حقوق الشعوب في الحكم الرشيد وتشديده على عدم تحدي إرادتها بشكل دعا بعضهم إلى التأكيد بأن أردوغان يسعى من وراء هذه الجولة إلى تدشين جبهة عربية معارضة لبقاء نظام بشار الأسد في سوريا، وهو ما يعده د.جمال سلامة  أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس تأكيدًا تركيًا بأن نظام بشار الأسد قد استنفد أغراضه ولم يعد له أي فرص للاستمرار في السلطة في ظل المجازر المستمرة في صفوف المتظاهرين السوريين المطالبين بالإصلاح والديمقراطية، وهي جبهة يتزايد حجم الداعمين لها في ظل النهج الأمني لقوات الأسد في التصدي للمحتجين على الطابع الديكتاتوري والقمعي لنظامه.

- وتابع: أردوغان يسعى كذلك للاستفادة من الأوضاع القائمة في ليبيا بعد سيطرة الثوار على مجمل الأراضي الليبية حيث تأمل تركيا أن تؤدي دورًا مهمًا في إعادة إعمار البلاد في ظل الدمار الذي لحق بليبيا خلال الأشهر السبعة الماضية، وهو دور تستطيع تركيا الاستفادة منه لتعزيز مكانتها بوصفها قوة إقليمية ودولية معولة بشدة على دعم القوى الإسلامية التي تنظر لحزب العدالة والتنمية التركي كنموذج يحتذى به.

      ولم يستبعد أن يكون نشر النموذجين السياسي والاقتصادي التركي هو أحد أهم أهداف الجولة خصوصًا أن هذا النموذج قد حظي بترحاب من قبل رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبدالجليل الذي تحدث دون مواربة عن تطلعه لبناء دولة ديموقراطية تستلهم النموذج التركي، ولاسيما مع تأكيده  أن الإسلام سيكون المصدر الرئيس للتشريع في ليبيا، وهي تصريحات تعامل معها أردوغان بإيجابية حين وعد بتقديم مساعدات في البنى التحتية وبناء المدارس والمشاريع الكهربائية مع تأكيد أن تركيا ستبذل كافة جهودها كي لا تتحول ليبيا إلى العراق جديد، وهو ما عزز من الدور التركي في هذا البلد المتوسطي الفتي.

تمنع غربي

       وما يعزز من الثقل التركي أن هذه الجولة جاءت حلقة في مسلسل سعي تركيا لتطبيع علاقاتها العربية والعمل على إطفاء الحرائق كلما بدا أن أزمة جديدة ستشتعل في المنطقة، وهو ما فسر ساعتها بأنه ضيق تركي من استمرار الاتحاد الأوروبي في وضع العقبات تلو الأخرى في سياق رفضه لعضوية تركيا في النادي الأوروبي، وهو ما أرادت تركيا تعويضه بإبرام شراكة سياسية واقتصادية في المنطقة كأنها تريد توصيل رسالة للأطراف الغربية بأنها تملك أوراقًا تستطيع من خلالها التغلب على التمنع الغربي عن قبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي، وإبراز معالم قوتها كقوة عظمى إقليمية تمتلك قبولاً على التدخل لتسوية أزمات عدة.

أوضاع انتقالية

       ورغم وضوح رؤية تركيا لبناء شراكة مع بلدان الربيع العربي إلا أن أردوغان فوجئ خلال الجولة العربية بأوضاع شديدة الخطورة؛ حيث تعاني مصر مثلاً انفلاتاً أمنياً وغياباً للسلطة التنفيذية في ظل وجود حكومة انتقالية لا تستطيع تقديم الكثير، وهذا ما قد يعطل تنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين القاهرة وأنقرة لحين انتخاب حكومة جديدة قادرة على مواجهة الاستحقاقات الكبرى وهو الأمر ذاته الذي لاقاه في كل من تونس فقد وجد رئيس الوزراء التركي استقطابًا سياسيًا هائلاً بين العلمانيين والإسلاميين لم يحسم حتى الآن، فيما فوجئ باستمرار تخبط المجلس الانتقالي الليبي وعدم قدرته على فرض الاستقرار والأمن وتشكيل حكومة في طرابلس، وهي أمور ألقت بظلال كثيفة على تحقيق الأهداف التركية بشكل عاجل من وراء جولة أردوغان.

عدم ممانعة غربية

       مساعي أردوغان للتقارب مع العالم العربي ورغم أنها لا تحظى بدعم غربي إلا أن أردوغان استطاع توظيف ثقل تركيا بشكل يخدم مصالحها، ففي الوقت الذي يخفض درجة العلاقات الدبلوماسية مع (إسرائيل) للحد الأدنى ويعزز علاقاته مع بلدان الربيع العربي، وجدناه يخطب ود الغرب بالإعلان عن قبول تركيا بنشر إحدى بطاريات الدرع الصاروخية في بلاده وكأنه يسعى للحفاظ على علاقاته مع واشنطن والناتو على حد سواء، ويقطع الطريق على أي تدخل غربي أو اعتراض على سياسة الاتجاه شرقا دون أن يثير ذلك تحفظات قد تتخذ فرصة لفرض أي خطوات عقابية ضد تركيا.

       ولكن هل تنجح هذه الاستراتيجية في تعزيز تحول تركيا إلى قوة عظمى إقليمية دون أن يثير ذلك غضب واشنطن وحلفائها خصوصًا أن جولته العربية جاءت بعد وصول التوتر مع (إسرائيل) إلى الحد الأقصى وتجميد كل أشكال التعاون بعد صدور تقرير بلمار ورفض تل أبيب تقديم اعتذار لأنقرة عن ضحاياها التسع في سفينة الحرية.

استحقاق خطير

       ولكن هذا المسعى تعرض لاستحقاق صعب تمثل في قيام (إسرائيل) بالإعلان عن التنقيب عن البترول في شرق المتوسط بالتعاون مع قبرص اليونانية، غير أن رد الفعل القومي لأنقرة قد قلص من هذا الأمر عبر تهديده بتكرار الأمر نفسه مع الشطر التركي من قبرص بل زاد على ذلك بإمكانية تدخل السفن التركية والزوارق البحرية لحماية عمليات التنقيب، وهو ما دعا (إسرائيل) وقبرص للتريث قبل تصعيد التوتر مع أنقرة بل جعلها تفكر مليا قبل العمل على استخدام نفوذها في الكونجرس الأمريكي لفتح ملف «إبادة الأرمن» في عشرينيات القرن الماضي مجددًا.

       ويتفق د.طارق فهمي الخبير في الشؤون (الإسرائيلية) بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط على أن تعدد الأوراق بيد الدبلوماسية التركية يجعل قدرة (إسرائيل) على إلحاق الضرر بتركيا أمرًا شديد الصعوبة، فالنفوذ التركي المتصاعد في المنطقة وقدراتها على محاصرة الأزمات في مهدها والقبول بأدائها أدوارًا في الساحات المختلفة يجعل الغرب في حاجة ماسة لها ويفكر مئات المرات قبل إقرار أية خطوات عقابية ضدها.

       وأشار إلى أن الأزمة الأخيرة في العلاقات بين تل أبيب وأنقرة ومساعي تركيا الأردوغانية لاستعادة أرضيتها في المنطقة وبناء تحالفات، تؤكد انتهاء شهر العسل في علاقات الطرفين واحتمال استمرار البرود على هذه العلاقات لمدة طويلة ولاسيما أن الثورات العربية قد أتاحت فرصة ذهبية لأنقرة لإعادة بناء تحالفات مع شعوب لا تخفي غضبها من علاقات التبعية والخنوع التي حكمت تعاطي أنظمتها مع (إسرائيل) والغرب عموماً .

       ولفت إلى أن توجه حكومة أردوغان إلى إستعادة الدفء في علاقاتها مع بلدان المنطقة العربية ليس سياسة آنية ولكنه رغبة حكومات عديدة في أنقرة حولتها  حكومة العدالة والتنمية إلى استراتيجية ثابتة، وهو ما يشير إلى أن هذه العلاقات التي انطلق قطارها لن تتوقف في ضوء حاجة الطرفين العربي والتركي  لبعضهما البعض، فمصر وتونس وليبيا تحتاجان لدعم تركي للخروج من عنق الزجاجة، وتركيا لا تخفي رغبتها في التحول لقوة عظمى لعل ذلك ينجح في كسر حاجز الخوف الأوروبي من انضمامها   للنادي الأوروبي، وهي تطورات ستحدد الأشهر القادمة مسارها إما بالعمل علي توثيق علاقاتها العربية أو بالعمل على خطب ود بروكسيل أو العمل على المسارين معا 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك