رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: خالد السبت 13 يناير، 2020 0 تعليق

أخلاق الكبار (4)


ما زال الحديث موصولا عن أخلاق الكبار، أصحاب النفوس السامية، الذين يحلقون عاليًا، ويترفعون عن الدنايا وسفاسف الأمور، وذكرنا في المقال السابق نماذج من أصحاب هذه النفوس، واليوم نستكمل الحديث عن هذه النماذج.

     حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ضربه قومه فأدمَوْه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون» متفق عليه؛ فأنت أيها الداعية، كيف ترى وتتصرف حينما يتصرف معك أحد المدعوين نحوك بتقصير أو بفعل لا يليق كيف تصنع؟ تجانبه؟ تجفوه؟ وتعاديه؟ وتأمر أصحابك أن يقطعوه ويهجوه؟ تتخذ منه موقفًا هو في سبيله وأنت في سبيلك من أجل نفسك؟ هذا لا يليق.
 
أعطاه حتى رضي
     وأنت أيها المسؤول، أيها المدير في المدرسة، أو في الشركة، إذا جاءك أحد المراجعين ويتكلم بنفس مشحونة ومستعلية، ويتكلم معك كأنك أجير عنده ماذا تصنع؟ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجذب رداءه حتى أثر في رقبته؛ فقال له: أعطني؛ فإنك لا تعطيني من مال أبيك ولا أمك؟ هذه لو قالها لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم لسبقه رأسه قبل أن يكمل؛ فماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم؟ عاداه؟ اتخذ منه موقفا؟، لا، ولكن أعطاه، وأعطاه، وأعطاه حتى رضي.
 
ماذا سنصنع به؟
     لو جاء رجل كبير وذهب إلى ناحية المسجد وتبول، ماذا سنصنع به؟ لا يدري هو في يدي من؟ نسأل الله العافية، هذا يضربه، وهذا يلعنه، ومن لا يستطيع الوصول إليه يتابع له الشتم واللعن، جاء رجل إلى المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وذهب إلى ناحية المسجد وتبول؛ فنهره الصحابة؛ فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال: «لا تقطعوا عليه بوله»، ثم أمر بذنوب من ماء فصب عليه، ثم علمه، وقال: «هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من أذى الناس»، وهنا انتهت المشكلة، ما ضربوه، ولا سحبوه من رجله وأخرجوه من المسجد، ولا داسوه بالأقدام، يقول الرجل: بأبي هو وأمي ما ضربني، ولا قهرني، والله ما رأيت معلما مثله. 
 
لو أن الإمام أطال في السجود؟
     تخيل لو أن الإمام أطال في السجود؛ فرفعتم رؤوسكم فرأيتم أطفال الإمام فوق رأسه يلعبون، ماذا ستقولون للإمام؟ وماذا تقولون لهؤلاء الأطفال بعدما تُسمعوا هذا الإمام ما يكره؟ تذهبون إلى الأوقاف ليفصلوا هذا الإمام ويؤدبوه؟ النبي صلى الله عليه وسلم تأخر في السجود فرفع بعضهم رأسه؛ فوجد الحسن، أو الحسين على ظهرة صلى الله عليه وسلم؛ فلما فرغ النبي من الصلاة، بين لهم سبب تأخره في الصلاة، وقال: «إن ابني قد ارتحلني، أي جعلني راحلة؛ فكرهت أن أعجله»، ونحن مباشرة إذا رأينا طفلا يتحرك حركة بسيطة، نقول: جنبوا صبيانكم المساجد، وهذا حديث لا يصح ولا أصل له، نزل صلى الله عليه وسلم من المنبر لما رأى الحسن والحسين يمشيان ويتعثران في مشيتهما، وفي سنن أبي داود والنسائي والترمذي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأقبل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- عليهما قميصان أحمران، يعثران ويقومان؛ فنزل فأخذهما؛ فصعد بهما المنبر، ثم قال صدق الله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}، رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في الخطبة؛ فلو فعل ذلك الإمام ماذا نصنع به؟ تخيلوا أن يعيش الكبار والصغار في كنف هؤلاء.
 
أنا أحق بالعفو
     حينما يعيش الإنسان مع امرأة لا رغبة له فيها، لدرجة أنه يجلس وكأنه يجلس على الجمر لكراهيته لها والبقاء معها من أجل أن تطلب هي الطلاق؛ لأن العشرة تعذرت، انظروا هذا جبير بن المطعم، حينما تزوج فسمي لزوجته صداقا وطلقها قبل الدخول بها، ثم تلا هذه الآية: {إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقد النكاح}؛ فقال: أنا أحق بالعفو؛ فسلم إليها الصداق كاملا، مع أنه يستحق نصف الصداق. 
 
ما ضربها ولا طلقها
     وكانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ومعه أصحابه؛ فأرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ؛ فَضَرَبَتِ الَّتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ؛ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ؛ فَجَمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الذي كانَ في الصَّحْفَةِ، ويقولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حتَّى أُتِيَ بصَحْفَةٍ مِن عِندِ الَّتي هو في بَيْتِهَا؛ فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إلى الَّتي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ في بَيْتِ الَّتي كَسَرَتْ. صحيح البخاري، وأصل الحديث في الصحيح؛ فضربت يد النبي صلى الله عليه وسلم فسقطت القصعة وانكسرت؛ فماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما ضربها، وما طلقها، وما هجرها، أبدًا، انتهت المشكلة على هذا الأساس. 
 
كم نعفو عن الخادم؟
     وأنت أيتها المرأة إذا صدرت من الزوج كلمة، هل تسجلينها له في ملف، ولا تنسين هذه الإساءة وهذا الخطأ؟ وإذا كان لك خادمة وأخطأت وكسرت الإناء، ماذا تصنعين بها؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر : جاءه رجل؛ فقال: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟؛ فصمت ثم أعاد إليه؛ فصمت فلما كان الثالثة، قال: «اعف عنه في كل يوم سبعين مرة». أخرجه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الألباني -رحمه الله .
 
اشهدوا أنه حر
     وهذا ابن عون من العلماء، كان له ناقة تعجبه، يحج عليها ويغزو بها؛ فأرسل عليها خادما رقيقا له يستقي الماء؛ فالخادم فيه شيء من الرعونة؛ فجعل يضربها على وجهها حتى سالت عينها على خدها؛ فلما رآها الناس قالوا: الآن تظهر أخلاق ابن عون؛ فلما رأى الناقة ومعها الخادم وتسيل عينها على خدها قال له: -سبحان- الله أفلا غير الوجه، أفلا ضربتها على غير وجهها، اغرب عني واشهدوا أنه حر. 
 
أسررتني سرك الله
     والمرأة المسلمة، إذا كان لها ضرائر، هل تعيش في أحقاد وضغائن لا تنام الليل وتبيت مفكرة في كل كلمة قيلت لها؟ هذه أم حبيبة، أم المؤمنين -رضي الله عنها- حين موتها دعت عائشة، وقالت: قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر؛ فغفر الله لي ولك من ذلك؛ فقالت عائشة: غفر الله لك ذلك كله وحللك من ذلك؛ فقالت: أسررتني سرك الله, وأرسلت إلى أم سلمة؛ فقالت: مثل ذلك. 
 
لابد أن نسأل أنفسنا
     وختامًا لابد أن نسأل أنفسنا، هل نحن نتحلى بهذه الأخلاق أم لا؟ لماذا لا نغير من أنفسنا ونحن نأنس بهذه الأوصاف والأخلاق؟ لماذا لا نعزم من هذه اللحظة أن نرجع إلى أهلنا بوجه جديد؟ أضف إلى ذلك ما يحصل من هذه الخلة من آثار حميدة, من اجتماع الكلمات, وتأليف القلوب: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر}.
 
ثواب عظيم
     وأضف إلى ذلك ما يحصل لك من الثواب وأنت ترجو ما عند الله، والله يقول: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين}، ويقول -تعالى-: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين}، ثم ذكر أوصافهم إلى أن قال: {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}، ومن أوصافهم أنهم يكتمون الغيظ {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}، والله -تعالى- يقول: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربي والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم}، نزلت في أبي بكر لما اتهمت ابنته -رضي الله عنها- في عرضها من قبل رأس المنافقين وتابعه بعض المسلمين.
 
الجزاء من جنس العمل
والجزاء من جنس العمل، كما روى الشيخان في ذلك التاجر الذي كان يداين الناس؛ فإذا رأى معسرا، قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا؛ فتجاوز الله عنه .
 
كسر العداوة
 
     أضف إلى ذلك كسر العداوة التي في النفوس، وسد أبواب الشيطان، قال الله -تعالى-: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميد}، يقول ابن عباس معنى الآية: الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة؛ فإذا فعلوه عصمهم الله -عز وجل- وأخضع لهم عدوه.
 
النعيم والسعادة
     أضف إلى ذلك ما يحصل لك أنت من النعيم، والسعادة، وانشراح الصدر والأنس بطاعة الله ومناجاته؛ لذة العفو كما قال بعضهم: أعذب من لذه التشفي، وأقبح على المقتدر الانتقام؛ فهذا خلق حسن, من الأخلاق الإسلامية الطيبة، وهو دليل على سعة الصدر، وحسن الظن بالناس، والترفع عن الدنايا والسفاسف. 
 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك