أخلاقيات التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي
مما لا شك فيه أن الورع عن الأعراض أولى من الورع في الأموال، وأن نسيان الهدف الذي من أجله خلقنا الله -تعالى- وهو العبودية، جرنا إلى التناحر على الدنيا ومناصبها وزخارفها؛ فأوقعتنا النزغات الشيطانية بإقبالنا عليها ولهثنا وراءها، وربما السبب: الفراغ العمري، وحب الظهور، ومحاولة فرض الرأي أو الحرب من أصحاب الأجندات الخاصة، والمعارك المسلطة علينا؛ كل هذا وغيره ساق بعض أبنائنا إلى الأفكار الضالة والاستهانة بالعلماء والدعاة، ولعل تلك من أهم الأسباب وأبرز المعضلات في هذا الواقع المرير والجرح الجسيم الذي يستنزف أعمارنا وصحتنا، فهل معنى هذا أن نترك تلك الميادين التواصلية؟
ومِن المعلوم أن سنة التدافع، سنة جعلها الله -تعالى- للذب عن دينه، والدفاع عن حياض الإسلام، فيا فرسان العقيدة، ويا أصحاب المنهج المستقيم, استقيموا واعتدلوا، وامضوا ولا تلتفتوا، واصبروا ولا تجزعوا، واستروا ولا تفضحوا، وأخلصوا النية والقصد لله، واعلموا أن الفروسية الحق على ميادين التواصل الاجتماعي تتمثل في:
إظهار العقيدة الصحيحة
إظهار العقيدة الصحيحة، ونشر الحق، ودحر المنكرات والبدع، والتصدي لكل مَن ينال مِن عقيدتنا وديننا بأدب وحلم وعلم، قال ابن عثيمين -رحمه الله-: «زاحموا أهل الباطل في الإنترنت حتى يتبين الحق».
غرس الفضيلة والبُعد عن الرذيلة
نية صالحة من غرس الفضيلة والبُعد عن الرذيلة، وبذر بذور العلم النافع بما يعود عليه وعلى المجتمع بأسره؛ وإلا فالسلامة خير ما يطلبه العبد، قال الإمام النووي -رحمه الله-: «ينبغي لكل مكلفٍ أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركُه في المصلحة، فالسنَّة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرامٍ أو مكروهٍ، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء» (رياض الصالحين للنووي، ص 456).
إظهار خُلق المسلم الحق
إظهار خُلق المسلم الحق، وفرض سلوكه القويم ومنهجه المستقيم، بالحكمة والموعظة الحسنة اللذين نحن بأمس الحاجة إليهما في وسط عالم الفضائيات والمواقع التي تعج بالسوء والأسوأ، ومع قلة بضاعة الأخلاق فيها؛ فكيف الحال إذا لم يكن لأهل الحق والحظوة نصيب ليبرزوا منهجهم المستقيم ودينهم القويم؟! وما عُرف عن المسلمين إلا غزو القلوب بأخلاقهم وحسن معاملتهم، وخصال الخير التي فيهم.
احترام متبادل مع المخالفين
احترام متبادل مع المخالفين بعيدًا عن بذاءة اللفظ وسوء المعنى، مع تنحي الهوى عن مواطن الخلاف، والإقناع بالدليل والحجة الصحيحة الصريحة، وترك ما يخالف الأصول، مع حفظ حقوق الأخوة من صيانة العرض والمكانة العلمية، والسبق الدعوي والقدم في طريق الحق وسبيل الهدى.
حسن ظن الأخ بأخيه
حسن ظن الأخ بأخيه، والتماس العذر، وحسن تقدير الموقف؛ فلا يأخذ أكبر من حجمه، ولا يقلل من شأنه, ولا ينسى الفضل بينهما، ولا يستهين برأيه إذا كان معتبرًا عند الأصوليين من قياس أو اجتهاد أو غير ذلك، والحرص على النفع العام للمسلمين وتقديمه على مصلحته الشخصية، فهنا بحق تظهر الفروسية.
عدم تزكية النفس
اتهام النفس والانتقاص منها وعدم تزكيتها، ولعلها السبب في تأخر النصر والتمكين، بذنوبها ومعاصيها لا إلقاء اللوم على الآخرين وتحمليهم المسؤولية جراء ما يحدث للأمة باعتبارات وهمية، وتأويلات غير حقيقية، وفي الوقت نفسه يزكي نفسه ويجعلها حكمًا دون داع، فعن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ» (رواه مسلم).
- وأخيرًا: أيها الشباب، تلك هي الفروسية الحق؛ فكونوا بابًا لكل خير، وطريقًا يتبعه الناس للوصول إلى الحق، وسدًّا منيعًا لهم عن الفتن، وسندًا لهم بعد ربهم في المحن.
لاتوجد تعليقات