رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: محمود طراد 14 أكتوبر، 2019 0 تعليق

أخطر مظاهر التغريب في مجتمعاتنا


من الخطأ أن ننكر المرض؛ فبالإنكار نبتعد عن العلاج، ثم ينقلب ما يعد اليوم مرضاً إلى مهلكة غداً، هذا هو السبيل للتعامل مع الآثار التي خلّفها التغريب في حياتنا ومجتمعاتنا، والفكر الوافد إلينا من غير المسلمين بما استطاعوا من أنشطة وإصدارات ومؤتمرات وندوات، لا ينفك أصحابه عن المحاولات الآثمة لتثبيته في المجتمع المسلم، والله -تعالى- يقول: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} البقرة: 120، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} آل عمران: 100، وحتى نكون أقرب إلى العلاج الناجع لابد من إلقاء الضوء على أخطر مظاهر التغريب في المجتمع وأوضحها.

التشكيك في العقيدة الإسلامية

     من أهم مظاهر عمل المستشرقين الذين قاموا بعملية التغريب مع بعض أبناء جلدتنا أن وصل التشكيك في الثوابت العقدية إلى كثير من الشباب؛ والسبب في ذلك الجهل الديني الذي يعيشه هؤلاء الشباب وعملية التدليس التي يقوم بها الطرف الآخر في قضية التغريب، ومن تلك القضايا المتعلقة بالعقيدة، النظر إلى القرآن والسنة على أنهما لا يخضعان للنقد العقلي، كما هو حال الكتب الأخرى، رغم أن الله -تعالى- يقول في القرآن الكريم: {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}، ويقول -سبحانه-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}  الإسراء: 9، ويقول: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} الإسراء: 88؛ ففي هذه الآيات تظهر العقيدة الإسلامية في القرآن والسنة، بينما نجد اليوم دعوات لنقد القرآن الكريم نقداً أدبياً عقلياً. والهدف من ذلك التشكيك فصل الدين عن حضارته، وعن الدنيا كلها، معتقدين أن السبب في التخلف العلمي والحضاري الآن هو علاقة المسلمين بالقرآن والسنة. وتجدر الإشارة إلى أن ما يقال من المستشرقين قد قيل في حق اليهودية والنصرانية المحرفتين، وظنوا أن ذلك يناسب القرآن والسنة. ويُعد المستشرق اليهودي (جولدتسيهر) المسؤول الأول عن نقل هذا المنهج من اليهودية والنصرانية إلى الإسلام.

كثرة التيارات والتوجهات

     تُزكي دعوات التغريب، وتكسر الوحدة الإسلامية التي ينبغي أن تكون دائماً في مجتمعاتنا المسلمة؛ فالتغريب يحاول ضرب وحدة المسلمين ودفعها إلى المنازعات والانقسامات الدينية والاجتماعية، ليؤكد على عدم وجود أمة إسلامية واحدة بل أمم عدة وتوجهات ومعتقدات، وهذا تقرير لمبدأ (فرق تسد) ومعارض لقول الله -تعالى-: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، (الأنبياء:92) ولقول الله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الحجرات: 10، وهذا الذي يحدث من تفرق ونزاع، يعمل على خلخلة التوازن في الأمة الإسلامية، ولا يخفى على باحث ما قام به الاستعمار بمساعدة الاستشراق في صناعة مجموعة من الفرق المعادية للإسلام داخل المجتمع الإسلامي كالبابية والبهائية والقاديانية، والهدف من ذلك إظهار المجتمع المسلم في صورة المجتمع المفكك دينياً، ومن العجيب أن ترى بعض الدراسات الاستشراقية تثني على تيار معين، وتوصي بدعمه في مواجهة تيار إسلامي آخر.

تحسين صورة الحضارة الغربية على حساب الحضارة الإسلامية

     في آخر المراحل التي وصل إليها التغريب في مجتمعاتنا، تجد أنه زرع في نفوس الشبيبة المسلمة أن التقدم العلمي الذي وصل إليه الغرب إنما هو بسبب تغلبهم على الدين والتدين، فتجد اليوم مجموعة من المصطلحات الغربية قد نُقلت إلى المجتمع الإسلامي ما تحمله بين طياتها من مخالفات شرعية، كمصطلح الحرية مثلاً، بينما الإسلام لا ينفك عن ضوابط تضبطه وقيود تنظمه، لكنَّ الحرية التي يتم المناداة بها في المجمع المسلم من دعاة التغريب هي الحرية الغربية التي تعني الانفلات من أوامر الشريعة، وتسوغ أيما تسويغا للانحراف السلوكي والأخلاقي، وكذلك مصطلح التنوير، الذي نشأ في الغرب ودافع عنه اليوم دعاة التغريب في المجتمع المسلم، ففي الغرب ظهر التنوير في مقابلة الفكر الديني المظلم آنذاك، والتنوير اليوم في المجتمع المسلم يعني إعادة النظر في الأحكام الشرعية وإعادة إصدارها بما يتناسب مع أهوائهم.

تفكيك الأسرة المسلمة من الداخل

     تحت مبدأ الحرية الشخصية لأفراد الأسرة حدثت مجموعة من المشكلات أهمها ضياع الشخصية الأسرية والتخلص من الضوابط التي وضعها الإسلام للحفاظ على الأسرة ومنها: سلطة الأب والأم في القيادة والأمر ببرهما والإحسان إليهما وطاعتهما، بل يصل الأمر أحياناً إلى تفضيل الأب والأم حياتهما الشخصية على مصالح أبنائهما، وهذه الصورة مستنسخة من الحياة الغربية، أما الإسلام فهو الذي يأمر بالحفاظ على الرباط الأسري دنيا وآخرة، فيقول -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} التحريم: 6، ويقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} الطور: 21، وحين قدمت السيدة أسماء -رضي الله عنها- تسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول: «قدمت عليّ  أمي وهي راغبة -أي عن الإسلام- أفأصل أمي؟ قال نعم صلي أمك» رواه مسلم، فأمرها بالإحسان إليها رغم أنها لم تكن على دينها. ومن أعظم ما أفسد التغريب في جانب الأسرة أنه أضاع قيمة الزواج الاجتماعية بوصفها عاملا رئيسا في بناء الأسرة المسلمة اجتماعياً. ليصبح الهدف من الزواج إشباع الرغبات لا بناء نموذج أسري محترم يحافظ على كيانه، بل تتحول الأسرة إلى فندق لا رقابة لغرفة فيه على غرفة أخرى، فتطلق الحريات للأبناء والبنات، ويُسمح لهم باختيار الأصدقاء والصديقات دون رقابة، والمشاركة في الحفلات المختلطة دون رقابة أيضاً، والسماح لهم بالتأخر خارج المنزل إلى ساعة متأخرة من الليل وهم في سن تربية ورعاية، وكذلك اختيار الأزياء غير المناسبة وغير الشرعية، وتدهورت سلطة الأب ليصبح بلا قوامة، فيتخلى عن وظيفته الكبرى لتخرج المرأة إلى العمل لتنفق أحياناً على نفسها فقط أو على نفسها وأولادها، فيقع الإهمال في تربية الأطفال دينيا وأخلاقياً.

انتشار التقاليد الغربية في المناسبات

     جاء الإسلام فميز شخصية المسلم في كل شيء، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة غير المسلمين حتى تبقى شخصية المسلم مميزة، وقد كتب السلف في هذا الباب كثيراً من الكتابات منها (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) للإمام ابن تيمية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد تنبأ بقوم يحيكون حياتهم بصورة مماثلة لحياة غير المسلمين، فقال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال فمن؟ ومن تلك التقاليد محاولة التشبه بالغربيين في الأعراس والحفلات والأكل والشرب والملابس، وتم غزو المجلات العربية بهذه التقاليد تحت ما يسمى (بالموضة). بينما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرسم للمسلم شخصيته حتى في العبادة، حين أمر بصيام يوم قبل عاشوراء أو بعده حين علم أن اليهود كانوا يصومونه؛ لأنه اليوم الذي نجى الله فيه سيدنا موسى فقال لهم: «خالفوا اليهود وصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده»، أما اليوم فإن التقليد للغرب عند الكثيرين أصبح الأساس والأصل، وأصبح المتمسك بالهيئة الإسلامية غريباً؛ فأصبحت المحجبة غريبة، والملتحي غريباً.

الحل في مواجهة هذا التغريب

     هو إعادة تقوية العلاقة بين المسلمين ودينهم، وإذكاء روح الأخوة، وسن التقاليد والقوانين التي تحافظ على الأسرة من التفكك، ودعمها إعلامياً واجتماعياً، وكشف حقيقة الحضارة الغربية الزائفة، وتعريف المسلمين بتاريخهم وحضارتهم الإسلامية، والتأكيد عليها في مراحل التعليم، لتصبح ثقة المسلم في مجتمع أقوى من ثقته في مجتمعات أخرى.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك