أحمي سمعي وبصري
لقد منَّ الله -عزوجل- على البشرية ببعثة خاتم الرسل والأنبياء، نبي الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فكان الإمام والقدوة لمن أراد وجه الله والدار الآخرة؛ فكان خير من وطئ الثرى.
القدوة
ولأن القدوة عادة تكون من طبيعة من يودّ الاقتداء به في أعماله وأقواله، فكانت أمهاتنا زوجات نبينا - صلى الله عليه وسلم - نساء ذوات مشاعر وطبائع بشرية كغيرهن من النساء – قال -تعالى- {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} (الرعد:38)، فكان يجري بينهن ما يكون بين البشر من تعاملات ونوع من الخلاف الذي لا يلبث طويلاً، إلا وينعم الله عليهن بتوجيه من زوجهنَّ الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، فيمتثلن التوجيه ويستسلمن لأمر الله ورسوله، وقد كن -رضي الله عنهن- راجحات العقول عاليات التقوى، منقادات لآيات الله في خطابه لهن: {يأيها النبي قل لأزواجك} (الأحزاب:59)، قال -تعالى-: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} (الأحزاب:32)، وقال -تعالى-: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} (الأحزاب:30)، وقال -تعالى-: {وقرن في بيوتكن- الآية- واذكرن ما يتلى في بيوتكن} (الأحزاب: 33).
حادثة عظيمة
ويقدّر الله برحمته وحكمته وعلمه المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض- يقدر أن تقع حادثة عظيمة وهي حادثة الإفك، التي قال عنها في محكم تنزيله {لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم} (النور:11).
الأسى والحزن
وعلى إثر ذلك يخيم على المدينة النبوية مالا يعلمه إلا الله من الأسى والحزن في قلوب المؤمنين للمصاب الجلل، وليكشف الله معادن المدَّعين للإيمان، وخوض الخائضين، وإفك الأفاكين، وما تكنُّه صدورهم من دخن وغل، وليتيقن المؤمنون أنه لا يعلم الغيب إلا الله، حتى نبينا - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم إلا ما أعلمه الله من الغيوب فهو نبي لا يكذب، عبد لا يُعبد؛ فكان الحد الذي أقامه عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - طهرهم ونجاهم من العذاب الأليم.
أحمي سمعي وبصري
ونصل إلى موضوع عنوان المقالة - ما نطقت به أمنا زينب بنت جحش -رضي الله عنها- مقولة تُسَطَّر بماء الذهب، مقولة تنمُّ عن خشية عظيمة لله وتقوى وخلق سامٍ؛ حيث سئلت في أمنا عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-، وما تدلي به من شهادة؛ فقالت : -أحمي سمعي وبصري-؛ فوفقها الله وسدَّدها للنطق بعبارة وجيزة، أي لا أتقول ولا أدَّعي ولا أذكر أمراً لم أشهده ولا أعلمه. فلنتأمل المقولة ولنتأمل تعليق الصدِّيقة -رضي الله عنها- بقولها : وهي التي كانت تساميني «أي في المنزلة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فأردفت قائلة : فعصمها : (أي زينب) الله بالورع.
متلاطمات الفتن
«أحمي سمعي وبصري» ونحن في هذا العصر في خضم متلاطمات الفتن وبضغطة زر ولمسه هاتف وأجهزة ووسائل تواصل لا تكادُ تبقي سرًا ولا علانية من أمور المجتمع وأخباره إلا وانتشر – أمورًا قد تكون لا شأن لنا بها, فصارت مما يتفكَّه به المتكلمون إلا ما رحم ربي، أو ربما زيد عليها من المبالغات والتعليق والتهكم مهما تنتشر الإشعاعات والبلبلة والتنافر بين قلوب المسلمين فتضعف اللُّحمة الايمانية بدلاً من تماسك أفراد أمة الإسلام -والله المستعان.
المنهج المتكامل
«أحمي سمعي وبصري» عبارة قصيرة لكنها جمعت واختصرت جانباً كبيراً من المنهج المتكامل من التقوى والإيمان والسمو في الأخلاق، لنتصور اتخاذ هذا المبدأ السامي زادا في السير إلى أن نلقى الله -عز وجل.
عدم الخوض
«أحمي سمعي وبصري» فلا أخوض فيما يخوض فيه الخائضون، وأمنع -إن استطعت- الاسترسال في الأمور التي لا شأن لي بها بالضوابط الشرعية، باستبدال مواضيع المجالس بمواضيع منضبطة بما يرضي الله -عز وجل.
قدوات جليلات
إن أمهات المؤمنين والصحابيات -رضي الله عنهن وأرضاهن- قدوات جليلات مَرَرن بمواقف وأحداث لا تختلف كثيراً عما نعيشه في مجتمعاتنا؛ فلنحفظ ألسنتنا وأسماعنا وأبصارنا وأحبابنا من أفراد المجتمع، ومن التقول والخوض في أمور تنقص إيماننا وقد تزيله إذا تسببت تلك الأمور في أمراض تصيب قلوبنا وتفسده.
سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم
ها هي ذي سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - محفوظة بحفظ الله؛ فأدعو نفسي ومن يقرأ هذه السطور أن ننهل من معين هذه السنة العظيمة، فنتعلمها ونحفظها ونتعبد الله -عز وجل- بما فيها من الجواهر والدرر الرائعة، عسى أن يلحقنا ربنا بتلك الكوكبة العظيمة -محبةً واقتداءً ونصحاً
أمام ناظرينا
«أحمي سمعي وبصري» لنجعلها أمام ناظرينا مبدأ حياة يمنعنا من أن ننطق أو نسمع أو نخوض فيما لا يرضي ربنا ولنحمي مجتمعنا ونرتقي به ونصونه -بعون الله تبارك وتعالى.
لاتوجد تعليقات