أتقن.. ثم أتقن
إن المسلم المدرك الواعي، الحريص على تزكية ذاته والسعي لنجاته، هو الذي يعي ما عليه من مسؤوليات، وما يناط به من واجبات، ويقوم بها على أكمل وجه، فكلٌّ راعٍ ومسؤول عن رعيته، الوالدان مسؤولان عن مدى رعايتهما لأبنائهما، وإحسانهما في تربيتهم، والمعلم مسؤول عن مدى إخلاصه في التعليم، وغرس القيم في نفوس طلابه، وكل عامل سيسأله الله عن وظيفته، هل أخلص فيها وأحسن، أم أهمل فيها وقصر؟!
ولكننا كثيرا ما نواجه معوقات أثناء قيامنا بمسؤولياتنا، كالشعور بتزاحم الأعمال، وكثرة الانشغالات، مما قد يسبب لنا بعض التوتر والقلق، أو الإحساس بالتشتت والأرق، وقد يتبع ذلك شيئًا من التقصير في أداء المسؤوليات، أو عدم إنجازها على الوجه الأكمل، مما يولد إحساسًا بعدم الرضا التام عن الذات، أو نقصًا في الشعور بالاستمتاع بالعمل ولذة الإنجاز، حينها يبرر غالبية الناس تلك الإخفاقات بالضغوطات الحياتية، وتزاحم المسؤوليات اليومية، نرى أنَّ علاج ذلك يكون بالتدرب على مهارة الإتقان في المهمة التي نقوم بها في اللحظة الآنية، وعدم تشتت الفكر، مع طلب الإعانة والتوفيق من الله -عز وجل- لإتمام مهامنا لنصل بها إلى درجة الإحسان، مع استحضار دوام اطلاع الله -سبحانه وتعالى- على كل عمل يبدر منا، وتذكر مشهد اللقاء المحتوم يوم العرض الأكبر، ثم الجزاء عن الإحسان إحسانا، لاسيما عند تذكر قوله -عز وجل-: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:105)، وهذا ما أوصانا به النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» رواه مسلم، حينها يأتي الشعور بالراحة، والاستمتاع بالإنجاز.
فمثلا أثناء العمل، حتى تتقن مهمتك وتستمتع بأدائك ركز أحاسيسك فيما تنجز، أَخْلِص في عملك، ولا تشغل فكرك في عدم تقدير مسؤولك لما تقوم به، في حين حصول من قل إنجازه وكثر تغيبه على الثناء والترقية! ثم ركِّز في ممارسة مهاراتك الوظيفية، ولا تحمل هَمَّ مشكلاتك الأخرى، احتسب الأجر في عملك ثم اطلب التوفيق والسداد من الله -جل وعلا.
أما أثناء ممارستك للتربية - سواء كنت معلماً أم أحد الوالدين - ابذل قصارى جهدك مع الطلبة أو الأبناء لتتقن تعليمهم وتربيتهم، كن قدوة لهم في حسن التعامل والاهتمام بهم، متأسِّيا بخير معلِّم وأفضل مربٍّ - محمد عليه الصلاة والسلام - عبِّر عن حبك لهم، اجعلهم يشعرون بمدى اهتمامك بهم، استمتع بمهامك التربوية كلما غرست فيهم خُلُقًا نبيلا، أو أكسبتهم فعلاً جميلا، أو حذرتهم من عملٍ وضيع، أو عوّدتهم على أدبٍ رفيع.
أما مع شريك الحياة، فإتقان حسن التبعل هو أن تقوم بواجباتك نحوه، فتحفظ له حقوقه، لا تنشغل بقلبك عنه، ولا تشعره أن التزاماتك الأخرى أهم منه، شاركه في أحاسيسه، أظهر له كل ماتحمله تجاهه من اهتمام ورعاية، وحب وعناية، قم بواجباتك تجاهه قبل المطالبة بحقوقك، انهل من بيت النبوة في حسن التعامل بين الأزواج، ولا تجعل للشيطان مكانا بينكما، عدِّد حسناته وضخِّمها، وصُد عن سيئاته وتجاهلها، اعف عن الزلل، تغافل عن الخلل، إنه ثمن غالٍ نعم! ولكن يُشترى به ألفة وانسجام.. وتفاهم ووئام.. والعيش بسلام، وفوق ذلك كله مجلبة لرضا الكريم المنان..
وهكذا مع الوالدين، أتقن برهما، أشعِرهما ألا شيء يشغلك عنهما، انسَ الدنيا وما فيها وأنت تحادثهما، أدخل الفرحة على قلبيهما، خفف من همومهما، فلا تنقل همومك إلى صدورهما، استمع إلى شكواهما بدلا من بث شكواك إليهما، ثق بأن ساعة تقضيها في الإحسان في برهما خير من ساعات تكون معهما بجسدك دون قلبك، تذكر بأن رضاهما عنك هو طريقك الممهد إلى الجنة بعد رحمة الله -عز وجل.
ولتعَلُّم فن الإتقان تكون الانطلاقة من التحسين في أداء الصلاة، فمهما تلونت الحياة حولنا وتزخرفت، أو كثرت مسؤولياتنا وتزاحمت، يبقى تحقيق التركيز في الصلاة هو السبيل للبلوغ إلى الخشوع فيها والإتقان، فتكون راحتنا وسعادتنا في الصلاة التي عناها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ».
لاتوجد تعليقات