رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 31 مايو، 2018 0 تعليق

آمنوا به وعزَّروه ونصروه – نماذج من محبة الصحابة لرسولنا صلى الله عليه وسلم

 

ضرب الصحابة -رضي الله عنهم- أروع الأمثلة في حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، صدقوا بدعوته ونصروه، وحموه مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وبهذا استحقوا ثناء الله ورسوله عليهم وإليك بعضا من هذه المواقف.

1- عروة بن مسعود الثقفي عندما أرسلته قريش إلى الحديبية كي يطلع على الوضع أذهله ما رأى من محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في  ملكه والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط، مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم.

2- في غزوة أحد ظهر العجب من هؤلاء الرجال -رضي الله عنهم-، قال ابن اسحق: وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبودجانة نفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل.

3- وهذا موقف آخر وقفته صحابية جليلة يشعر المتأمل لكلامها مدى المحبة التي تكنها لرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه-، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فلما نعوا لها قالت فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو -بحمدالله- كما تحبين قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة.

حكم المحبة المشتركة

هذه المحبة لا تكون شركا، وذلك أنه لا تعظيم ولا ذل ولا خضوع ولا عبودية فيها للمحبوب، وهذه المحبة قد تكون واجبة أو مستحبة أو مباحة، وهي على أنواع:

محبة طبيعية

مثل محبة الجائع للطعام، والعطشان للماء، وهذه المحبة لا تستلزم التعظيم، فيباح للعبد أن يحب طعاما معينا أو شرابا معينا، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل.

محبة رحمة وإشفاق

     مثل محبة الأم لأولادها فهذه كذلك لا تستلزم التعظيم، وهذه المحبة تكون من الأمور المستحسنة ويشهد لذلك. سئلت عائشة أن الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فاطمة. ودل هذا أن محبة الوالد لولده مشروعة وذلك لفعله صلى الله عليه وسلم.

     عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منها تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكل فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما؛ فأعجبني شأنها؛ فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أوجب لها بهما الجنة أو أعتقها بهما من النار.

دل الحديث على أن محبة الأم وشفقتها على ابنتيها مشروعة؛ وذلك لإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولترغيبه لها، وذلك بعتق رقبتها من النار.

محبة أُنسٍْ وأُلفة

مثل محبة المشتركين في طلب العلم، أو صناعة أو تجارة، أو سفر، أو محبة الإخوة بعضهم بعضا، أو محبة الرجل لأهله، كما كان صلى الله عليه وسلم يحب أصحابه ونساءه.

قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة: «يا بنية ألا تحبين ما أحب؟» قالت بلى، قال: فأحبي هذه»، يقصد -عليه السلام- عائشة -رضي الله عنها.

حكم محبة الكفار والظالمين والمفسدين

     من شروط محبة الله -تبارك وتعالى- الموافقة فيما يحب ويبغض؛ فالله -تعالى- لا يحب الظالمين والكافرين والمفسدين، قال -تعالى-: {إنه لا يحب الكافرين}، وقال: {والله لا يحب الظالمين}، وقال: {والله لا يحب المفسدين}، فمن أحبهم فقد ناقض ربه -تبارك وتعالى- في هذا الأصل، وقال -تعالى-: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} فلا يجتمع في قلب عبد إيمان صادق بالله ورسوله وموادة لمن عادى الله ورسوله وأولياءه.

قال أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في الله، لقوله -تعالى-: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله..}.

وقال القرطبي: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان.

     هذا رأي مالك -رحمه الله- في القدرية الذين ابتدعوا في عقائد المسلمين ما لم يأذن به الله -تعالى-، وهذا رأي القرطبي -رحمه الله- بأن الحكم عام في جميع أهل الظلم والعدوان، وقد قصر بعض المسلمين في هذه القضية تقصيرا عظيما، أدى إلى ضعف الدين في نفوس المسلمين وحياتهم، فتجد هؤلاء -مدعي الإسلام- يحبون الكفار والظالمين ويقدمونهم على المسلمين، ويستمتعون بمجالستهم، ويتشبهون بهم في حاتهم، بل تجاوز البعض من هؤلاء المتأسلمون فسعوا لضرب المسلمين وإذلالهم والتضييق عليهم، ليقروا أعين الكافرين من يهود ونصارى بذلك؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

بغض الصحابة ومحادين لله -تعالى

     المتتبع لسيرة الصحابة -رضي الله عنهم- يجد أن للقرآن واقعا وأثرا في حياتهم؛ فهم يحلون ما أحل، ويحرمون ما حرم، ويأتمرون بما أمر، وينتهون عما نهى عنه وزجر، وهم يتبعون بذلك رسولهم صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن، فانظر إلى بغضهم للمحادين لله ولرسوله ولو كانوا أقرب الناس إليهم.

عبدالله بن أبي

1- ابن عبدالله بن أبي، لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه؛ فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبدالله ابن أبي يمشي في الناس، فأقتله -فأقتل- مؤمنا بكافر فأدخل النار.

وفي هذا تطبيق عملي من الصحابي - رضي الله عنه - لقوله: {أو آباءهم...} الآية، كما ثبت أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر.

أسرى بدر

2- عندما استشير الفاروق بأسرى بدر قال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله -يقصد رأي أبي بكر- هل تمكنني من فلان -قريب لعمر- فأقتله، وتمكن عليا من عقيل، وتمكن فلانا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وفي رأيه -رضي الله عنه - تطبيق لقوله: {أو عشيرتهم...} الآية.

مصعب بن عمير وأخوه

3- بعد انتهاء معركة بدر، مر مصعب بن عمير على أخيه أبي عزيز بن عمير، الذي شارك في هذه المعركة، ووقع في الأسر، وأحد الأنصار يضع القيود في يده، فقال مصعب للأنصاري شد يدك عليه فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب: أهذه وصاتك بي؟

فقال مصعب: إنه -أي الأنصاري- أخي دونك.

هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبون في الله ويبغضون أقرب الناس إليهم في الله، وهذا دليل على كمال إيمانهم بالله -تعالى-، قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب لله، وأبغض الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان».

فضل محب الموحدين

- مما يحب الله -تعالى- أن يفشو بين عباده الموحدين الحب المتبادل بينهم؛ لذلك بين -عليه السلام- أن دخول الجنة مرتبط بالإيمان، والإيمان الصادق الكامل مرتبط بمحبة أهل الإيمان، قال -عليه الصلاة والسلام-: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».

- كما مدح الله -تعالى- الأنصار، الذين يكنون المحبة الصادقة لإخوانهم المهاجرين، قال -تعالى-: {والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم}.

- ومما يعين المكلف على تذوق طعم حلاوة الإيمان أن يحب أخاه المسلم لله -تعالى- قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» وذكر -عليه السلام- من هذه الثلاثة «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله».

- إذا تحاب المسلمان في الله -عز وجل- فسيظلهم الله يوم القيامة بظله، قال -عليه السلام-: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم  «ورجلان تحابا في الله اجتماعا عليه وتفرقا عليه».

وقال -عليه السلام-: «إن الله -تعالى- يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي».

- من أحب أخاه المسلم محبة صادقة لله -تبارك وتعالى- أحبه الله -تعالى-، ومن أحبه الله فقد وفق إلى خير عظيم في الدارين.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله -تعالى- علي مدرجته ملكا؛ فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال أريد أخا لي في هذه القرية قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببه في الله -تعالى-، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه».

- محبة المؤمنين المشهود لهم من علامة الإيمان، وبغضهم بسبب تمسكهم بدينهم علامة النفاق، عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله».

يشرع لمن أحب أخاه أن يعلمه بذلك:

     من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أحب أخا له في الله -تعالى- أن يخبره بذلك قال -عليه السلام- لمعاذ - رضي الله عنه -: «يا معاذ، والله إني لأحبك»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه»، وعن أنس - رضي الله عنه - أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر رجل به فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أأعلمته؟» قال: لا. قال: «أعلمه» فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك