رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وليد بن إدريس المنيسي 19 ديسمبر، 2018 0 تعليق

آفة التزهيد في عمل صالح أو علم نافع بحجة أن غيره خير منه


من مكايد الشيطان في الصد عن سبيل الله -تعالى- أنه بمجرد أن يمدح مادح بابًا من أبواب الخير، ويذكر فضائله، ويثنى على أهله، ينبري بعض من يؤزهم الشيطان للتزهيد في هذا الباب من الخير والتنقيص من القائمين به، بحجة أن غيره من أبواب الخير أنفع وأهم.

     فلو مدح مادح حفظ القرآن الكريم وأثنى على بعض من تميز في حفظه؛ فإنك تجد من ينبري؛ ليذكر أن المهم هو الفهم، وأن الحفظ بغير فهم لا قيمة له، وهذا أولًا باطل، بل الحفظ بفهم وبغير فهم كله محمود وصاحبه مأجور، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل -وهذا من باب الاستئناس-: سمعت أبي يقول: «رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، فقلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم».

      وثانيًا لماذا يفترض هذا المعترض أن من حفظ القرآن فهو بالضرورة لم يفهمه، أليس من الجائز أن يكون هذا الحافظ فاهما لمعاني القرآن أحسن من فهم هذا المعترض؟ ولو تأكد المعترض من كون الممدوح قد حفظ القرآن وفهمه؛ فسيعترض بأن المهم هو العمل به وتطبيقه؛ فيفترض مرة ثانية أن من لوازم الانشغال بحفظ القرآن وفهمه ترك العمل به، ثم لو تأكد من كون الممدوح يعمل به؛ فسينتقل إلى الحديث عن أهمية عدم نسيان النصيب من الدنيا مستشهدا بقوله تعالى-: {ولا تنس نصيبك من الدنيا}، وبقوله: {ورهبانية ابتدعوها}، مفترضا للمرة الثالثة أن من انشغل بالقرآن فقد ترهبن وترك ما ينفعه في الدنيا، بينما واقع الحال ليس كذلك، مع أن الآية الكريمة فُسّرت، بأن المراد أنه لا ينسى التزود من الدنيا بالعمل الصالح فيها الذي ينفعه في الآخرة؛ فهذا هو نصيبه من الدنيا، ويستمر هؤلاء المعترضون في الاعتراض في سلسلة لا تنتهي، ولا هدف لها إلا الصد عن سبيل الله، والتزهيد في الأعمال الصالحة والعلوم النافعة.

     ويقال لهؤلاء المعترضين، لو سلمنا جدلا أن هذه الأعمال والعلوم مرجوحة وغيرها خير منها فهل معنى ذلك تركها والإعراض عنها؟! إن مثل هؤلاء كمثل من يقطع يديه ورجليه؛ لأن رأسه أهم من يديه ورجليه؛ فيكتفي بالأهم ويستغني عن المهم، أو يجعل أهل البلد كلهم يتخصصون في الطب مثلا، ويتركون بقية أنواع الحرف والوظائف، بزعم أن الطب أهم منها.

 

     ثم يقال لهؤلاء المعترضين إنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقوم غيره بجميع أبواب الخير، من علم، وعبادة، ودعوة، وجهاد وغير ذلك، بالغا في كل باب منها غاية الكمال البشري، ويبرع في جميع أصناف العلم بالغا في كل علم منها غايته القصوى، وكل ميسر لما خلق له؛ فمن قام بباب من أبواب الخير العلمي، أو العملي الديني، أو الدنيوي، وسد حاجة الأمة في هذا الباب فحقه أن نشكره، ونشجعه، ونثني عليه، وإن كان هناك نقص في مجالات أخرى لم تجد من يسد حاجة الأمة فيها؛ فالمشغول لا يُشغل؛ فلا نطلب من المشغول بالخير أن يترك ما أحسنه وتخصص فيه وبرع فيه ليسد النقص في مجال لا يحسنه، وإنما يكون ذلك مسؤولية غيره ممن ليس مشغولا بعلم نافع أو عمل صالح ، نسأل الله -تعالى- التوفيق والسداد.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك