رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: عبدالحق التركماني 8 يونيو، 2016 0 تعليق

آثار الصيام على المريض

من أجلِّ العبادات وأعظمها: الصيام، ومنزلته في الإسلام بعد الصلاة؛ ففيه التذلل والخضوع بمحبَّةٍ وإخلاصٍ لله سبحانه؛ بحبس النفس عن الطعام والشراب والشهوات، والتقيُّد بما شرعه -سبحانه- من وقت الصيام وصفته وأحكامه، ومراقبته وتقواه في السرِّ والعلن، لهذا كان من واجباته: حفظ اللسان والجوارح عن كل قبيح، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزُّور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (أخرجه البخاري).

الغاية من الصيام

     وقد بيَّن الله -تعالى- الغاية التي من أجلها فرض الصوم علينا وعلى الأمم من قبلنا فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، وهذا نصٌّ صريح لا يقبل تأويلاً ولا تحريفًا في أنَّ مقصد الصيام وغايته: (التقوى)، لا غير، وكلام علماء الإسلام في تفسير التقوى في هذا الموضع لا يخرج عن أحد معنيين لا ثالث لهما:

- أولهما: أن المقصود اتِّقاء محظورات الصوم نفسها، قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «يعني به: لتتَّقوا أكل الطعام وشرب الشراب وجماع النساء فيه. يقول: فرضتُ عليكم الصوم والكفَّ عما تكونون بترك الكف عنه مفطرين، لتتقوا ما يُفطركم في وقت صومكم».

- ثانيهما: أنَّه لبيان الغاية وهي تقوى الله عزَّ وجلَّ، قال البغويُّ -رحمه الله-: «لأنَّ الصَّومَ وَصْلَةٌ إلى التَّقْوَى؛ لِمَا فيه منْ قَهْرِ النَّفْسِ وكَسْرِها، وترك الشهوات». وبمثل هذا قال ابن الجوزي، وغيره.

      وهذا المعنى الثاني أظهر وأقوى، وهو متضمِّن للمعنى الأول وزيادة، واختاره ابن كثير -رحمه الله- فقال: «لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان؛ ولهذا ثبت في (الصحيحين): «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

إقامة العبودية

     والمقصود ألا معنى للصوم ولا غاية منه سوى إقامة العبودية لله -عزَّ وجلَّ- باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وهذا العمل إذا اقترن بالصدق والإخلاص والاحتساب زاد صاحبَه إيمانًا ومراقبة لربِّه وتعظيمًا لشرعه، فيتَّقي الله -عزَّ وجلَّ- حقَّ التقوى ـ وهو أعلى درجات العبودية لله عزَّ وجلَّ ـ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران: 102)، قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود] في تفسير: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، قال: (أن يطاع فلا يُعصَى، ويُذكر فلا يُنسَى، ويشكر فلا يُكفر) صحيح. أخرجه ابن جرير الطبري. فليس للصيام غاية ولا مقصِد ولا هدفٌ سوى التعبُّد لله -تعالى- والتَّرقي في مدارج العبوديَّة حتَّى يبلغ العبدُ درجاتها العُلا، وهي: التَّقوى.

لم يشرع الصيام لتعذيب النفس

     فإذا تبيَّن هذا: فمن نافلة القول أنَّ الصيام لم يُشرع لتعذيب النفسِ ولا إيذائها، كما أنَّه لم يُشرع لأنَّ فيه فوائد صحيَّة ونفسيَّة واجتماعيَّة. ومن ادَّعى أنه شُرعَ لأحد هذه الأمور أو سواها من المقاصد الدنيوية المادية، فقد أعظم الفرية على الله عزَّ وجلَّ، وخالف صريح القرآن، وحرَّف دينه، وخرج عن سبيل المؤمنين.

     ولا شكَّ أن الصَّوم المعتدل له فوائد صحيَّة ونفسيَّة واجتماعية كثيرة، ثابتةٌ بالتجربة والمشاهدة، إلا أنَّها ليست غاية الصوم ولا مقصده، ولكنَّها من ثماره ونتائجه وآثاره، وهي ممكنة لا واجبة، فقد تتحقَّق وقد تتخلَّف، وقد يصوم شخص فتتحسَّنُ صحته، ويتخلَّص من كثير من الأمراض والأوجاع، وقد يصوم آخر فيصاب بأمراض مهلكة. لهذا رخَّص الله -تعالى- للمريض بالإفطار، ونصَّ على ذلك في كتابه حتَّى لا يكون لأحد من الفريقين سبيل إلى تحريف الدين ومقاصده: فريق المتنطعين الذين يرون غاية الصيام في تعذيب الجسد وإيذائه. وفريق المستخفِّين الذين يرون الصيام وسيلة لتحقيق المصلحة للمجتمع الإنساني من خلال تدريبه وتربيته على الصبر والفضائل.

فطر المريض

     قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: 184).، قال ابن قدامة -رحمه الله- في (المغني): «أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة، والأصل فيه هذه الآية. والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه. قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى! وحكي عن بعض السلف أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من وجع الإصبع والضرس؛ لعموم الآية فيه، ولأن المسافر يباح له الفطر وإن لم يحتج إليه، فكذلك المريض. ولنا أنه شاهد للشهر، لا يؤذيه الصوم، فلزمه، كالصحيح».

     ثم قال ابن قدامة رحمه الله: «والمرض لا ضابط له؛ فإن الأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه الصومُ، ومنها ما لا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس، وجرح في الإصبع، والدمل، والقرحة اليسيرة، والجرب، وأشباه ذلك، فلم يصلح المرض ضابطًا، وأمكن اعتبار الحكمة، وهو ما يخاف منه: الضررُ، فوجب اعتباره.

     فإذا ثبت هذا، فإن تحمَّل المريضُ وصام مع هذا، فقد فعل مكروهًا؛ لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله -تعالى،- وقبول رخصته، ويصح صومه ويُجزئه؛ لأنه أخذ عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحمَّله أجزأه» وقال: والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي يخاف زيادته في إباحة الفطر.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك