وصايا من ذهب – اختر جليسك
ذكر في مختار الصحاح معنى (الْإِنْسُ): البشر، وَ(الْأَنَسُ): أَيْضًا ضِدُّ الْوَحْشَةِ؛ فهي طبيعة بشرية تتمثل في حاجتنا إلى الأنس ومحاربة الوحشة، ولا يتم ذلك إلا بالاختلاط بالآخرين، ومن هنا كانت حاجتنا إلى اختيار الجليس، والاختيار يكون في ضوابط الشرع حتى يكون عونا لنا على كل شيء، مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، ولن تستطيع يد أن تصفق منفردة.
فالمسلم مطلوب منه أن يحسن اختيار جلسائه
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
لأنه يتأثر بعملهم وأخلاقهم؛ فإن كانوا جلساء سوء، تأثر بهم وبأخلاقهم السيئة، وإن لم يشاركهم؛ فإن وافقهم عليها وقع عليه إثم كبير، وإن كانوا جلساء صالحين تأثر بأخلاقهم الحميدة و أعمالهم الصالحة، وكانوا عوناً له على طاعة الله؛ فيذكرونه بتقوى الله وبالموت، والقبر وظلمته ويوم الحشر و أهواله، والنار وعذابها والجنة و نعيمها.
وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا في اختيار الجليس والتأثر بفكره وسلوكه؛ حيث قال: «إنَّما مثلُ الجليسِ الصَّالحِ والجليسِ السُّوءِ، كحاملِ المِسكِ ونافخِ الكيرِ؛ فحاملُ المسكِ، إمَّا أن يُحذِيَك، وإمَّا أن تَبتاعَ منه، وإمَّا أن تجِدَ منه ريحًا طيِّبةً، ونافخُ الكيرِ، إمَّا أن يحرِقَ ثيابَك، وإمَّا أن تجِدَ ريحًا خبيثةً» رواه مسلم.
فحامل المسك إمَّا أنْ تَشتريَ من مِسكِهِ وعُطُورِهِ، أو تَجِدَ وَتَشَمَّ مِن رِيحِهِ الطَّيِّبَةِ، وكذلك الجليسُ الصَّالحُ إمَّا أنْ تأخذَ منه خيرًا، وتَنتفِعَ به، أو أنْ تَجِدَ من مُجالَستِهِ رَوْحًا وطِيبًا، ونافخ الكير وهو الحداد الذي يصهر الحديد وينفخه؛ فيتطاير الشرر إما أن يُحْرِق بَدَنَكَ، أو ثَوْبَكَ ، أي: يُصيبُ من دِينِكَ، ويَحرِقكَ بنَارِهِ، «أو تَجِدُ منه ريحًا خبيثةً»، أو يَجْلِبُ لك كَرْبًا وضِيقًا، وَتَشَمُّ منه ما يُؤذيكَ.
ففي الحديث إرشاد لاختيار الجليس والحث على القُرْبِ مِنَ الجليسِ الصَّالحِ والبُعْدِ عن جليسِ السُّوءِ، وقد ذكر الله لنا حال متخذ أصحاب الانحراف يوم القيامة وندمه على ذلك، يقول الله -تعالى-: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً}(الفرقان: 27-29، وقال ابن الجوزي: «ما رأيت أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح؛ فإنَّ الطبع يسرق؛ فإن لم يتشبه بهم ولم يسرق منهم فتر عن عمله» صيد الخاطر ص 425.
لذا وجب علينا حسن اختيار الجليس، والصبر مع الصالحين، قال -تعالى-: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}(الكهف: 28). أي اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه، ويسبحونه، ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيا من عباد الله، سواء كانوا فقراء، أم أغنياء، أم أقوياء، أم ضعفاء.
ومجالسة الصالحين والأخيار لها فوائد، و ثمرات منها:
-أن من يجالسهم تشمله بركة مَجالِسِهم، والخيُر والمغفرة الحاصلُ لهم وإن كان مقصراً، «همُ القومُ لا يَشقَى بهم جليسُهُم». رواه مسلم.
-التأثر بهم، «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل». صحيح سنن أبي داود (4833).
-تبصرته بعيوبه لإصلاحها، «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه». صحيح الجامع (6656).
-العزوف عن المعاصي، وحفظ الوقت، وعمارته بما ينفعه
-سبب لمحبة الله -تعالى- للعبد؛ ففي الحديث قالَ اللَّهُ -تعالى-: «وجبَتْ مَحبَّتي للمتحابِّينَ فيَّ، والمتجالسينَ فيَّ». صحيح الجامع الصغير.
لاتوجد تعليقات