رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان.القاهرة/مصطفى الشرقاوي 26 أغسطس، 2010 0 تعليق

مقتل أكثر من 1800 والفيضانات تشرد ما يقرب من 20 مليون باكستاني- باكستان تواجه أكبر كارثة إنسانية في تاريخها

 


مقتل أكثر من 1800 مواطن وتشريد عشرين مليون شخص أكثر من نصفهم شيوخ ونساء وأطفال، وتهدم مئات الآلاف من البيوت وتجريف الطرق والكباري والجسور وتدمير المحاصيل الزراعية ومخزون باكستان من القمح والمواد الغذائية، وإخفاق الدولة الباكستانية في القيام بدورها في إنقاذ المصابين وإغاثة الملهوفين وتركها الساحة خاوية لمئات من المنظمات التنصيرية التي تعيث في باكستان فسادًا منذ عدة سنوات دون أدنى رقابة، ونجاح منظمات الإغاثة الإسلامية الباكستانية في ملء بعض الفراغ الذي تركته الحكومة، هذا ملخص لكارثة باكستان لعله ضروري لوصف المأساة التي  يعيشها شعب هذا البلد المسلم الذي تعرض لكارثة فيضانات وأمطار موسمية غير مسبوقة لم تشهدها البلاد منذ استقلالها وانفصالها عن الهند منذ 1949.

فالكارثة التي حلت بشعب باكستان المسلم هي الأقسى من نوعها التي تضرب بلدًا على خريطة العالم، بل إنها تفوقت على المد البحري «تسونامي» الذي ضرب عديدًا من دول جنوب شرق آسيا منذ عدة أعوام، فالفيضانات التي غمرت ربع المساحة الإجمالية لباكستان، ووقفت وراء أسوأ كارثة طبيعية في تاريخ هذا البلد لم تتوقف أثارها على البلاد وحدها بل امتدت أثارها إلى مناطق في الهند وباكستان تتمتع بأغلبية مسلمة أيضًا وهو الأمر الذي دعا أحد الوزراء الباكستانيين، في إقليم السند إلى التأكيد على أن هذه الكارثة أعادت البلاد إلى أكثر من 50 عامًا للوراء ولاسيما ولايات خيبر وبلوشستان والسند وغيرها.

 أوبئة وكوارث

وتحولت هذه الولايات إلى مستنقع للأمراض والأوبئة مثل الكوليرا والتيفود والملاريا وبأعداد كبيرة دعت إلى إعلان بعض المناطق مناطق كوارث، وبدأت الدولة بمعدلات بطيئة في إمداد هذه المناطق بالعون الطبي وإن كانت جمعيات خيرية إسلامية مثل «عسكر طيبة» و«جماعة الدعوة الإسلامية» و«طالبان باكستان» قد سارعت بالانتقال لهذه المناطق وتقديم خدمات إغاثية ومعونات بشكل كان مثار ترحيب من ضحايا الكارثة رغم وجود خلافات بين الحكومة وهذه الجماعات.

غير أن ما عمق الكارثة وجعل تداعياتها تطول ما يقرب من 20 مليونًا الفشل الذريع لتعاطي الحكومة الباكستانية مع الكارثة وما أظهرته من عجز حكومي فيما يتعلق بإيواء المشردين وتقديم العون للضحايا لدرجة أن جماعات إغاثة اسلامية محلية سبقت الحكومة في تقديم الطعام والملابس والأغطية لمواطنين بأكثر من 6 أيام مما كشف فشل الدولة الباكستانية في القيام بأبسط واجباتها تجاه مواطنيها، بل أن الدولة اكتفت في الأيام الأولى للكارثة بمناشدة دول العالم تقديم إعانات عاجلة لمواطنيها ومناطقها المنكوبة فقط دون أن تمتلك إستراتيجية واضحة لمواجهة مثل هذه الكوارث أو احتواء خسائرها.

وفاقم من الكارثة ترك الرئيس الباكستاني المنتمي للطائفة الإسماعيلية الشيعية بلاده، وهي تواجه أكبر كارثة إنسانية في تاريخ البلاد وقيامه بجولة أوروبية ضمت بريطانيا وفرنسا رغم توجيه نداءات له من قبل أعضاء في حزبه وعلى رأسهم رئيس الوزراء سيد رضا جيلاني لإلغاء هذه الزيارة، ولاسيما أنها جاءت بعد أيام من توجيه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون انتقادات لاذعة لسجل بلاده  في الحرب على الإرهاب، وهو ما قدم ذريعة لإلغاء الزيارة غير أن زرداري تجاهل كل هذه النداءات لدرجة أن المراقبين أكدوا أن إصراره على القيام بزيارة بريطانيا قد جاء لحضور حفل تخرج نجله بيلاوال الزعيم المشارك لحزب الشعب في إحدى جامعاتها وليس تفنيد اتهامات كاميرون لباكستان، وهو ما جعل أغلب المسؤولين الباكستانيين يعزفون عن استقبال الرئيس في المطار بعد عودته من جولته الأوروبية المهمة!

 مظاهر إيجابية

إذا كانت الفيضانات التي ضربت البلاد قد جعلت الصورة قاتمة فإن الأمر لم يخل من صور إيجابية تمثلت في الأداء الممتاز للجماعات الإغاثية الإسلامية في التعامل مع الكارثة التي حلت بالبلاد، فقد لعبت هذه المنظمات دورًا إيجابيًا غير متوقع في إغاثة المتضررين من الكارثة ومدت يد العون لما يقرب من 15 مليون باكستاني، حيث قامت جماعات إسلامية متنوعة مثل «جماعة الدعوة» و«جماعة علماء الإسلام» ومؤسسة «فلاح الإنسانيات» و«عسكر طيبة» والجمعيات التابعة للحزب الإسلامي بتقديم خدمات إنسانية وإغاثية وصحية للمواطنين لدرجة أن جماعة طالبان باكستان أكدت قدرتها على تقديم 20 مليون جنيه استراليني دعمًا للمتضررين من الكارثة.

بل إن اللافت كان ترحيب المواطنين بتلقي هذه الخدمات التي تراوحت بين تقديم الغذاء والملابس والأدوية والخيم وأواني الطهي وخمسة آلاف روبية (44 يورو) نقدًا لكل أسرة، وهي المساعدات التي زادت من الانتقادات الموجهة إلى الحكومة وبعدم فاعلية دورها منذ بداية هذه الأزمة وبعدم التعويل على إمكانية نجاحها ولا حلفائها الغربيين في دعم المواطنين في مناطق الكوارث.

 اعتراضات دولية

غير أن قيام الجمعيات الخيرية الإسلامية بالدور الأكبر في إغاثة الضحايا لم يرق كثيرًا لحلفاء باكستان الغربيين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حذرت إدارة أوباما على لسان  أنطوني غوردسمان مستشار الرئيس لشؤون  أفغانستان وباكستان من إمكانية أن يجعل الدور النشط للجمعيات الخيرية الإسلامية في إغاثة ضحايا الكارثة  «باكستان أكثر عرضة للتطرف» حيث تستغل هذه المنظمات ـ حسب الزعم الأمريكي ـ الأمر لاستعادة أرضيتها وضم أنصار جدد وهو ما حرصت هذه الجمعيات على نفيه مؤكدة اقتصار الأمر على إغاثة أشقائهم المتضررين من الكارثة فقط. 

ودخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة حيث اعتبر مبعوثها  الخاص لدى باكستان جان موريس ريبير في حديث لصحيفة «لو موند» الفرنسية أن على الأمم المتحدة مساعدة الحكومة الباكستانية في مواجهة الفيضانات للحيلولة دون زيادة نفوذ المتطرفين الذين يريدون استغلال «أسوأ كارثة طبيعية» تشهدها البلاد لتنفيذ مآربهم الخاصة، متابعا: «نأمل جميعًا ألا يستغل المتطرفون هذه الظروف لكسب نقاط»، مضيفًا: «يمكن دائمًا استغلال بؤس الشعوب من قبل أشخاص لهم أطماع سياسية أو عسكرية».

وإذا كانت المنظمات الخيرية الإسلامية الباكستانية قد لعبت دورًا مهمًا في احتواء الكارثة فإن دور هذه المنظمات ليس كافيًا وحدها لإنقاذ المتضررين من الكارثة من غول ضخم رسخ جذوره في الأراضي الباكستانية طوال السنوات الأخيرة  المتمثل في مئات من المنظمات التنصيرية الغربية التي تحاول استغلال معاناة البلاد من كارثة تلو الأخرى لتنفيذ أجندتها لتنصير مسلمي البلاد تحت ستار العمل الإغاثي والإنساني، وهي الأنشطة التي لم تواجه معارضة ذات قيمة من قبل الحكومة الباكستانية طوال السنوات الماضية رغم تحذير جماعات إسلامية وأحزاب من مخاطر الغزو التنصيري للبلاد.

 زحف تنصيري

وتتواجد في باكستان مئات من المنظمات التنصيرية بمختلف ألوان طيفها، فهذه كاثوليكية وتلك بروتستانتية والثالثة إنجيلية وغيرها، حيث تتواجد هذه المنظمات ومكاتبها في المناطق المتضررة  في السند وخيبر وبلوشستان مدعومة بقاعدة بيانات من مراكز دراسات كنسية عن المناطق الأولى بالرعاية والمحتاجة بشدة للدعم في غياب أي وجود لجمعيات إغاثية اسلامية لتحقيق أهدافها ومآربها، وتتقدم ذلك منظمة عملية التعبئة وزمالة الإيمان ولجنة لوزان للتنصير العالمي ومركز شباب اليافعين والكنيسة المشيخية الأمريكية ومنظمة كاريتاس وأوكسفام المتخصصة في تنصير الأطفال وجمعية الآباء البيض الكاثوليك واللجنة السويدية للإغاثة ومنظمة العون الكنسي ومؤسستا  تيم الأمريكية وزلاك الهولندية.

ويسيطر على عمل هذه  المنظمات في باكستان الطابع السري حيث لا تجرؤ على المجاهرة بعملها التنصيري هذا في الظروف العادية، أما في الكوارث وكما في الفيضان الأخير فيتسم عملها بالجراءة والمخاطر حيث تقدم خدماتها مثل الأغذية والملابس والأغطية ومعها كتيبات وشرائط وملصقات وبروشورات مترجمة للغة الأردية للتغلغل في أوساط مسلمي باكستان خصوصًا في ولاياتي البنجاب والسند والمناطق النائية بها لضمان الترحيب بها لدرجة أنها تقدم هدايا ذهبية على هيئة صليب لإغراء الأطفال والشباب للتعاطي الإيجابي مع أنشطتها في ظل ما يتردد عن نجاح ما يقرب من 300 منظمة تنصيرية في إفساد عقائد آلاف الباكستانيين وإغراء عدة آلاف للارتداد عن الإسلام بحسب تصريحات لرجل الدين الباكستاني البارز مولانا فضل الرحمن.

 وجود إسلامي ضئيل

وإذا كان هذا العدد الكبير من المنظمات التنصيرية يعمل في الساحة الباكستانية فمن المؤسف أن 12 منظمة خيرية إسلامية محلية فقط هي التي تواجه هذا الكم الكبير، وهو رقم لا يمكن الرهان عليه في ظل تعدد الكوارث التي تمر بها البلاد من زلازل وفيضانات وغيرها حيث يجب أن تتنبه الدولة الباكستانية لهذا الخطر ومعها المنظمات الخيرية الإسلامية التي يجب عليها أن تحتفظ بمكاتب دائمة في الأراضي الباكستانية لتكون على أهبة الاستعداد وبشكل مبكر لمواجهة الكوارث المحاصرة للشعب الباكستاني المسلم.

وما من شك أن القيود التي وضعت على منظمات العمل الخيري الإسلامي خلال الأعوام الأخيرة قد حدت من حرية الحركة التي كانت تتمتع بها منظمات مثل المجلس العالمي للدعوة والإغاثة ومجلس الوقف الإسلامي والمؤسسة الخيرية الإسلامية العالمية وعديد من المنظمات شبه الرسمية مثل رابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي وجمعية إحياء التراث الإسلامي مما أفسح المجال للمنظمات التنصيرية حرية العمل في تنصير الشعب المسلم في باكستان.

ولكن نقول: رب ضارة نافعة، ففي الوقت الذي تأخرت المؤسسات الخيرية الإسلامية العالمية في الوصول إلى الساحة الباكستانية بفعل القيود المفروضة عليها وحاجتها للحصول على موافقات مسبقة، فأن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي، خصوصًا أن الكثير من الدول العربية قد تعاطت بشكل إيجابي مع مناشدة الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو لدعم الشعب الباكستاني، حيث خصصت المملكة العربية السعودية جسرًا جويًا لإيصال المساعدات لمنكوبي الفيضانات بتعليمات كريمة من العاهل السعودي، وكذلك قدمت كل من مصر وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول العالم الإسلامي مساعدات عاجلة،  كما تعد الجمعية الشرعية في مصر واتحاد الأطباء العرب قوافل إغاثة لدعم الشعب الباكستاني.

توطين العمل الخيري

من جانبه، يرى الدكتور محمد مختار المهدي الرئيس العام للجمعية الشرعية لاتحاد العاملين بالكتاب والسنة أن الدعم الإسلامي سواء الرسمي لباكستان أو من قبل الجمعيات الخيرية الإسلامية يعد مرضيًا حتى الآن إلا أنه غير كاف ويحتاج إلى مضاعفته مشيدًا في الوقت نفسه بانتفاضة الدول الإسلامية مثل السعودية والأشقاء في الخليج ومصر لنجدة إخوانهم الباكستانيين، مشيرًا إلى أن القيود التي عاناها العمل الخيري الإسلامي طوال السنوات الأخيرة هي التي وقفت وراء تأخر الدعم الإسلامي غير الرسمي لباكستان حتى الآن.

وعبر د. المهدي عن اعتقاده  بأن تنسيق العمل الإغاثي الإسلامي ووجود مراكز بحثية ملحقة بمكاتب المؤسسات الإغاثية كفيلان بتسهيل وتسريع عمل المؤسسات الإغاثية الإسلامية، مشيرًا إلى أن مشاركة المؤسسات الإغاثية الإسلامية المحلية في باكستان قد ساهم حتى في الحد من آثار الكارثة، ولم تترك جهات مشبوهة تنفرد بمنكوبي الفيضانات في باكستان.

ولفت الرئيس العام للجمعية الشرعية إلى ضرورة توطين العمل الإغاثي الإسلامي مع ضرورة دعم المؤسسات الخيرية لنظيرتها داخل البلدان الإسلامية؛ حتى نستطيع تلافي التعقيدات التي تقف حائلاً دون وصول المؤسسات الخيرية الإسلامية في موعدها، وحتى نفرغ الاتهامات الغربية لمؤسسات العمل الإسلامي من مضمونها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك