رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. علي الزهراني 31 أغسطس، 2020 0 تعليق

معالم التأديب التربوي في الحلقات القرآنية – وظائف الحلقات القرآنية


تعد الحلقات القرآنية إحدى البيئات التربوية الفعالة في المجتمع، وتاريخها مرتبط بتاريخ التأديب والتعليم في الإسلام؛ حيث تعد الحلقات القرآنية من أقدم مؤسسات تعليم الأطفال في الإسلام وتأديبهم؛ حيث برزت مكانة هذه البيئات التعليمية عبر تاريخ الإسلام، وكانت لها وظائف متعددة، تتمثل في تعليم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم وأصول العقيدة والعبادات والتأديب على الأخلاق الإسلامية والشمائل والفضائل الحسنة، ولم يكن دورهما مقتصرا على حفظ القرآن الكريم فقط كما هو حال الحلقات المعاصرة، وعليه فالباحث يرى إعادة النظر في وظائف الحلقات القرآنية المعاصرة؛ حيث يؤكد ضرورة قيام الحلقات بالوظائف الآتية:

1- الوظيفة الدينية التعبدية

     يجب أن يدرك القائمون على الحلقات القرآنية من المشرفين والمعلمين والآباء والتلاميذ أن الانضمام إلى هذه الحلقات أمر تعبدي، وأن الحلقات القرآنية تنطلق من هذه المهمة، أي أنها مكان للعبادة باعتبار أن الغاية الأساسية من خلق الإنسان هي عبادة الله -عز وجل- قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وعليه فالمقصود بالوظيفة التعبدية للحلقات القرآنية هي قراءة القرآن الكريم وحفظه، فضلا عن أن الحلقة تكون في الغالب في المسجد الذي خصص للعبادة، كما جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما هي (أي المساجد) لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة»، وعليه فقد كانت خير وسيلة لتلاوة القرآن وحفظه والمداومة على الاجتماع في الحلقات القرآنية المسجدية؛ حيث يجتمع التلاميذ باستمرا في بيوت الله لتلاوة القرآن وحفظه ومدارسته؛ فيحصل لهم بهذا الاجتماع نزول السكينة، وغشيان الرحمة، وحضور الملائكة، والذكر الرباني في الملأ الأعلى، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلاّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وإذا كان الحديث فيه إشارة إلى فضل المسجد ومكانته فإن حلق تلاوة القرآن الكريم صورة من صور الوظائف التعبدية لهذه البيئات التربوية.

2- الوظيفة التربوية

     عندما جعلنا الوظيفة التعبدية للحلقات القرآنية هي الوظيفة الأولى، فلا يعني أنها تقتصر على هذه الوظيفة فحسب؛ لأن هذا الفهم يفقد الحلقات القرآنية رسالتها الشمولية ووظيفتها التربوية، ولو كان الأمر كذلك لما أصبحت الحلقات القرآنية إحدى المحاضن التربوية الأساسية في أنحاء المعمورة، وهذا يعني أن للحلقات القرآنية وظيفة أخرى هي الوظيفة التربوية التي تجعل طالب الحلقة القرآنية شخصية متميزة منتجة؛ نظراً لعناية الحلقة بمقومات شخصية التلميذ المتمثلة في الجانب الإيماني والعقلي والجسمي.

جوانب شخصية الطالب

     إن عناية الحلقات القرآنية بجوانب شخصية الطالب سوف يحقق الوظيفة التربوية لهذه الحلقات لاسيما وأن القرآن الكريم اشتمل على التوجيه الشامل لهذه الجوانب، ويستطيع المعلم الإشارة إلى هذه الجوانب وتربية التلاميذ على أخلاق القرآن، وتأكيد أهمية الإيمان وغرس العقيدة في قلوب التلاميذ من خلال الآيات القرآنية التي أكدت العقيدة الإسلامية، وقضايا الإيمان بالله -عز وجل- وأركانه كما جاءت مفصلة في السور المكية خصوصا، التي يبدأ التلميذ بحفظها ودراستها، وهذا يثمر تنمية الجانب الإيماني لدى المتعلم في الحلقة القرآنية، حتى يكون لدى طلاب الحلقات القناعة الكاملة بأن الإيمان بالله -عز وجل- أساس السعادة في الدارين؛ فأكثر الناس سعادة المؤمنون، وأكثر الناس شقاءً الخارجون عن الإيمان في الحياة الدنيا، وبهذا سوف يتحقق قول الطالب وعمله واعتقاده مع مقتضيات الإيمان الصحيح.

تنمية الجانب الروحي

     إن عناية الحلقات القرآنية بتنمية الجانب الروحي للطلبة سوف يدفع بهم إلى الرقي والبعد عن المعاصي، ومن ثم وقايتهم من الانحراف والشبهات المختلفة، كما أن التربية الروحية تحمي طلاب الحلقات من الأمراض والعلل النفسية مثل: القلق والاكتئاب والخوف والضجر والإحباط.

3- الوظيفة الأخلاقية

     إن الأخلاق مفرد خلق، والخلق هو الدين والطبع والسجية، وقد عبر عنها ابن حجر في الفتح بقوله: «الأخلاق أوصاف الإنسان التي يتعامل بها مع غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمود منها مثل: العفو والحلم والجود والصبر، وتحمل الأذى والرحمة والشفقة والتواد ولين الجانب ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك».

مجموعة القيم العليا

     وبهذا تكون التربية الخلقية في الحلقات القرآنية هي مجموعة القيم العليا والصفات الفاضلة التي يغرسها المعلم في نفوس طلابه من خلال الممارسة اللفظية أو السلوكية، وينعكس أثرها على الجوارح سلوكاً حسنا ًمحمودا، وهذا يعني تعويد طلاب الحلقات على الأخلاق الفاضلة، والشيم الحميدة حتى تصير له ملكات راسخة، وصفات ثابتة، يسعد بها في الدنيا والآخرة.

سلوكيات طلاب الحلقات

     إن مانلاحظه اليوم على سلوكيات طلاب الحلقات، ومانسمعه من ألفاظهم، ونراه في تعاملهم من مخالفات؛ جاء نتيجة إهمال التربية الخلقية، مع أن الأصل في طلاب الحلقات أن يكون خلقهم القرآن، ولو تأملنا ما يوجد في دورات المياه من كلام بذيء ساقط لاتضح لنا خطر التفريط في الوظيفة الأخلاقية.

     إن تنمية الجانب الأخلاقي تحتاج إلى تعليم وتبصير، وخير من يسهم في تحقيق ذلك بعد الأسرة الحلقات القرآنية، وقد حث الإمام فخر الدين الرازي على الجمع بين التعليم والتزكية في قوله -تعالى-: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}؛ حيث قال -رحمه الله-: «اعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين، هما: أن يعرف الحق لذاته، والثاني: أن يعرف الخير لأجل العمل به؛ فإن أخل بشىء من هذين الأمرين لم يكن طاهرا من الرذائل، ولم يكن زكياً عنها» ومانشاهده اليوم لدى كثير من طلاب الحلقات القرآنية يؤكد هذه الحقيقة.

4- الوظيفة الاجتماعية

     ولما كان الإنسان إجتماعيا بطبعه، وبحاجة إلى إشباع الجوع الاجتماعي لديه، -سواء كان صغيراً كان أم كبيراً- كان ذلك أمراً ضرورياً في بناء شخصيته، وجاء اجتماع التلاميذ في الحلقات القرآنية محققاً لهذه الوظيفة من خلال قيام المعلم بالتوجيه وبناء العلاقات بينهم؛ سواء علاقتهم بالمعلمين أم بإمام المسجد أم بالمصلين أم بالآباء أم علاقتهم ببعضهم، حتى يتحقق الوصف النبوي: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد»، وقد أكد القدماء أهمية هذا الجانب؛ حيث قالوا: «إن الإنسان محتاج إلى صديق عند حسن الحال، وعند سوء الحال؛ فعند سوء الحال يحتاج إلى معونة الأصدقاء، وعند حسن الحال يحتاج إلى المؤانسة وإلى من يحسن إليه».

     وفي ظني أن إكساب التلميذ في الحلقات القرآنية الآداب الاجتماعية مثل: آداب التحية والسلام، والتعامل مع الآخرين، واللباس، وآداب الدخول والخروج، وآداب المسجد، وآداب الحديث وغيرها من الآداب الاجتماعية أمر ذو بال، ولا ينبغي إهماله بحال من الأحوال، بحجة الخوف من التسييس التربوي.

 

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك