رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد عبدالوهاب الحداد 27 أكتوبر، 2017 0 تعليق

لا للتقاعد المبكر … نعم للإصلاح الإداري- مكانة العمل وأهميته في الشريعة الإسلامية

حُب العمل والإنتاجية وجودة الخدمات والمنتجات طريق أي أمة للتطور وللبناء الاقتصادي المنتج؛ فكلما زادت إنتاجية الموظف زادت أمته بالرقي والتطور؛ فأخلاق الحضارة والتنمية والبناء الاقتصادي الفعال تقتضي أن يحب أبناؤنا العمل وإنتاجيته، وأن يتصفوا بالأمانة والصدق والشفافية في أداء أعمالهم. ولقد حث الإسلام على العمل وأعطاه أهمية كبرى يقول الله -عز وجل-: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}، وقال -عزوجل-: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} وقال -جل وعلا-: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله}، وهناك العديد من الآيات التي تحث على العمل وطلب الرزق، وأما أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم  في الحث على العمل وزيادة الإنتاجية وإتقان العمل فهي كثيرة، ونسوق إليكم بعضاً من هذه الأحاديث: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم : «ما زال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم» البخاري.

      إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم بشر الأنصارية في نخل لها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : «من غرس هذا مسلم أم كافر؟»، فقالت: بل مسلم، فقال: «لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة». رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم : «اليد العليا خير من اليد السفلى».البخاري ومسلم، وعنه صلى الله عليه وسلم : «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه».  البخاري، وعنه صلى الله عليه وسلم في مجال الجودة: «إن الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن»، وعنه صلى الله عليه وسلم : «الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين»، وعنه صلى الله عليه وسلم : «العامل بالحق علي الصدقة ، كالغازي في سبيل الله حتي يرجع إلى بيته»، وعنه صلى الله عليه وسلم : «خير الناس انفعهم للناس».

الإسلام حبّب العمل إلى المسلم

     والقصد أن الإسلام حبّب العمل إلى المسلم وحبّب إليه إتقانه، وإذا أخلص في عمله فهو كأنه مجاهد في سبيل الله، وكم نحن بحاجة إلى بناء هذا المفهوم في أولادنا والعاملين في أجهزتنا الحكومية! سألت والدي -رحمه الله- لماذا قبل عصر النفط  في الكويت لم تكن هناك دواوين كثيرة لديكم كما لدينا الآن؛ فقال من لم يعمل في ذلك الوقت لا يستطيع أن يعيش؛ فالدواوين كانت محدودة جدا وتغلق بعد صلاة العشاء؛ فالمجتمع جميعه منتج آنذاك؛ ولذلك لم تكن هناك عمالة مستوردة؛ فالعامل الكويتي كان منتجا وذا أمانة، ويعمل في جميع مجالات الاقتصاد القطاع الزراعي والقطاع الحرفي والصناعات الخفيفة بما فيها إنتاج السفن الخشبية، وعمال البناء ، وتربية الخيل والماشية، والتجارة، والبحر.

فهم الرفاهية خطأ

      لقد تم فهم الرفاهية خطأ بأن استلم الراتب دون عطاء وإنتاجية في عصر ما بعد النفط، وفي الحقيقة أن ثقافة العمل والإنتاجية والجودة والإتقان تدهورت في العالم العربي كافة؛ ففي دراسة لاتحاد تنمية الموارد البشرية في مصر وصلت الدراسة إلى أن إنتاجية العامل العربي تتراوح ما بين18-25 دقيقة في اليوم، بينما في اليابان تصل معدل الإنتاجية اليومية ما بين 8-10 ساعات هذا دون حساب الساعات الإضافية، وفي بريطانيا 8 ساعات يوميا، وفي أمريكا 7 ساعات يوميا، وهكذا في ألمانيا 7 ساعات يوميا؛ ولهذا تملك هذه الدول اقتصادات متقدمة ومتطورة تهيمن على الاقتصاد العالمي أجمع؛ فهي تعتمد على قوى بشرية متطورة، وذات إنتاجية عالية وقيم عمل تؤدي إلى الجودة والإتقان والإبداع .

تخفيض سن التقاعد

      بعد هذه المقدمة المختصرة نرجع إلى الاقتراح الذي تقدم به الأعضاء المحترمون في مجلس الأمة في تخفيض سن التقاعد، وهدفهم في ذلك نبيل جدا، وهو خروج أكبر عدد ممكن من سوق العمل ليحل محلهم خريجون جدد من القوى الوطنية، ولإتاحة الفرصة للآخرين للتطور وأخذ فرصتهم بالقيادة والإشراف، لكن هذه الأهداف النبيلة يمكن تحقيقها من خلال وسائل أخرى تطور الجهاز الإداري، ويمنع استنزاف ميزانية التأمينات الاجتماعية من خلال الآتي:

إصلاح الجهاز التنفيذي للدولة

      يجب إصلاح الجهاز التنفيذي للدولة من  خلال إعادة تشريع قانون الخدمة المدنية الذي لا يمت للإدارة الحديثة بصلة، وتم وضعه من قانونيين دون الرجوع إلى مستشاري الإدارة؛ فخرجت لنا نصوص هزيلة مرقعه لا يوجد فيها أي من أمور الإدارة الحديثة، مثل تعيين القيادات؛ حيث لا ينص على أي ضوابط بتعيينهم وتقييمهم، وغيرها من الأنظمة الإدارية الحديثة، هذا القانون الذي وضع عام 1979، أي منذ 38 عاما أصبح خارج نطاق التطبيق وأدى بالجهاز الإداري الحكومي  إلى الترهل والتضخم دون تحقيق أهداف التنمية، ويمكن أن نشير إلى تأخر الكويت عن شقيقاتها الخليجيات بقطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة والجودة كافة، وأيضا تعثر خطة التنمية التي أصبح لها أكثر من 15 عاماً وتسير ببطء شديد، وأيضا تضخم الجهاز الوظيفي الحكومي بعمالة زائدة وتعيين أغلبها دون خطط قوية عاملة وعلى غير رغبتها وتخصصها واستمرار الحكومة بالتعيين من غير حاجة؛ بسبب فشلها في تطوير الإدارة العامة وتحقيق التنمية بمشاريع تتيح الوظائف لشباب الكويت والقوى الوطنية في جميع أنحاء الاقتصاد، مثل فشل تطبيق قانون المشاريع الصغيرة وتطوير (مدينة الحرير) ووقوف العقار منذ 1979 عن إنشاء مدن استثمارية جديدة وغيرها من المشاريع التي لا حصر لها .

المكون الحقيقي للتوظيف

      القطاع الخاص هو المكون الحقيقي لتوظيف العمالة في اقتصاد أي دولة، ولكن مع الأسف في الكويت الهرم مقلوب؛ فأغلب العمالة الوطنية تعمل في القطاع الحكومي وقليل منها من تعمل في القطاع الخاص؛ فتبلغ أعداد العمالة الوافدة في القطاع الخاص مليون ونصف عامل، وأما العمالة الوطنية فتبلغ 70 ألفاً فقط أي بنسبة 5% من مجموع العمالة في القطاع الخاص وفي الحقيقة أن فشل الحكومة في تنظيم العمالة في القطاع الخاص وخضوعها لنفوذ التجار الذين لا يرغبون بالعمالة الوطنية؛ بسبب ارتفاع أسعارها جعل الكلفة عالية جدا على الاقتصاد الكويتي أهمها أنها جعلت العمالة الوطنية أغلبها في القطاع الحكومي وبتضخم كبير لا حدود له، ولأول مرة منذ عقود يعاني المواطن الكويتي من إيجاد وظيفة وعليه الانتظار في طابور البطالة لوظيفة لا تعكس اختصاصه وطموحه الكبير في تطوير نفسه وزيادة إيراداته المالية، كما أن الكلفة كانت كبيرة علي الخدمات العامة في الكويت من العمالة الوافدة؛ مما خفض جودتها وأخيرا بلغت تحويلات الوافدين 7 مليار دينار سنويا حسب ما نشرت الصحف المحلية؛ فالقطاع الخاص يحمل مئات الآلاف الوظائف التي يمكن أن تشغلها العمالة الوطنية، مثل المهن الإدارية، ومهن البيع والتسويق التي تبلغ عددها أكثر من 600 ألف وظيفة.

وسائل أخرى لتوظيف الكويتيين

      باختصار هناك وسائل أخرى لإيجاد وظائف للكويتيين ولإتاحة المجال لهم لزيادة دخلهم، ولكن هذه المقالة لا تسع لطرحها جميعها، وإن شاء الله في مقالات قادمة، ورسالتي إلى إخواني أعضاء مجلس الأمة المحترمين بأن تقليل سن التقاعد كلفته عالية جدا ولن يحل المشكلة، بل سيؤجلها وستستمر بالمستقبل أيضا  إن لم نصلح أنظمتنا الإدارية والاقتصادية، والإصلاح  الإداري والاقتصادي كلفته لا تذكر، ولكن نتائجه كبيرة على الجهاز الحكومي وتطويره وتحقيق أهدافه وأهداف التنمية وإيجاد فرص لا محدودة من الوظائف للعمالة الوطنية.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك