رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فهد الجنفاوي 30 أكتوبر، 2023 0 تعليق

قواعد نبوية (4) إصلاح ذات البين خلق من أخلاق الإسـلام

  • إنَّ عبادة الإصلاح بين الناس مِن أجلِّ العبادات وأعظمِها لذا اهتمَّ بها القرآن الكريم وجاء الأمر بالصُّلْح بين المتخاصمين في مواضع شتَّى من آياته
  • إنَّ دينَنا الإسلامي علَّمنا التعامل بالحسنى مع الناس قولاً وسلوكًا فالشَّيطان لا يزال بالإنسان حتى يُوقعه في العداوة البغيضة التي تقطع الصلات وتُفسِد المودَّات
 

من أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن قواعده العظيمة وأحاديثه النبوية الكريمة قوله- صلى الله عليه وسلم -: «أَلَا أَدُلُّكُم على أَفْضَلَ من درجةِ الصلاةِ والصيامِ والصدقةِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ؛ فإنَّ فسادَ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ، لا أقولُ: إنها تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكن تَحْلِقُ الدِّينَ».

         علّمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - خلقا من أخلاق الإسلام، وعملا من أعمال هذه الشريعة العظيمة، وهذا العمل قد رتّب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - منزلة عظيمة ودرجة رفيعة، إنه أعظم من درجة الصلاة والصيام، مع أن الصلاة لها مكانة عظيمة، ولا يخفى على مسلم مكانة الصلاة والصيام، لكن هناك درجة أعظم وأفضل ولا سيما من نوافل الصلاة ونوافل الصيام، وهي درجة إصلاح ذات البين.

هذا ما نحتاجه اليوم

         هذا ما نحتاجه اليوم، أن يكون هناك أناس يسعون في الإصلاح، إصلاح بين الأخوين، بين الزميلين، بين الجارين، بين الأقارب، مع الأسف بعض الناس يسعون للإفساد، قال الله -تعالى- {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، أمر من الله -تعالى- بالإصلاح، لكن -مع الأسف- بعض الناس يفسدون علاقات الناس، يأتي إلى هذا الشخص ويقول: إن فلانا يقول كذا وكذا، ثم يأتي الطرف الآخر وأيضا يتكلم فيه وينقل كلاما بالنميمة بين الآخرين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة نمام».

مِن أجلِّ العبادات وأعظمِها

          إنَّ عبادة الإصلاح بين الناس مِن أجلِّ العبادات وأعظمِها؛ لذا اهتمَّ بها القرآن الكريم، وجاءت الأوامر بالصُّلْح بين المتخاصمين في مواضع شتَّى، قال الله -تعالى-: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 114)، بل إنَّ العلماء عدوها من الفرائض التي أمَرَ اللهُ بها المؤمنين؛ حيث قال -سبحانه-: {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (الأنفال: 1).

التعامل بالحسنى مع الناس

      إنَّ دينَنا الإسلامي علَّمنا التعامل بالحسنى مع الناس قولاً وسلوكًا، قال الله -تعالى-: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} (الإسراء: 53)؛ فالشَّيطان لا يزال بالإنسان حتى يُوقعه في هذه العداوة البغيضة التي تقطع الصلات، وتُفسِد المودَّات، قال رسول الله -[- قال: «إنَّ الشيطان يئس أن يَعبُده المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»، والتحريش هو: التَّحْريض بالشَّرِّ بين الناس حتى يَختصموا ويَقتَتِلوا، والمؤمن الصادق يتعامل مع الناس من مُنطلَق قول ربنا -سبحانه وتعالى-: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34)، ولأجْل أنَّ هذا التعامل صعب على النفوس الضعيفة والمُندفِعة والمتهورة؛ قال الله -تعالى- في الآية التي تليها: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت: 35).

عبادة يحبها الله

        لذلك علينا أن نتخلق بهذا الخلق، وأن نتعبد لله بهذه العبادة، نعم، إصلاح ذات البين عبادة يحبها الله، بعض الناس يحاول أن يتنصل أو يبتعد عن هذه المسؤولية وعن هذه العبادة! يقول: ليس لي علاقة باثنين متخاصمين، نقول: لا، لك علاقة فالله -تعالى- أمرنا فقال -سبحانه-: {فأصلحوا بينهما}، هذا الكتاب العظيم القرآن الكريم إنما نقرؤه لأجل أن نعمل بما فيه، ليس فقط لأجل أن نقرأه وأن نمر على الآيات دون أن تكون واقعا عمليا في حياتنا.

سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم 

        النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وفي سيرته له أمثلة عظيمة في الصلح بين المختلفين، والمتنازعين، والمتخاصمين، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هناك خلافا بين الأوس والخزرج، فكل واحد منهم ينادي صاحبه بقبيلته يقول: يا للأوس والآخر يقول: يا للخزرج، وارتفعت أصواتهم حتى نُقل ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فماذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم ؟ ما انتظر حتى يلبس رداءه، بل جر النبي - صلى الله عليه وسلم - رداءه يلبسه وهو في الطريق في إشارة للاستعجال في إصلاح ذات البين، حتى لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - رداءه وهو يمشي في الطريق، ثم جاءهم فنصحهم ووعظهم وذكرهم بالله -تعالى- وقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة».

مثيرو الدعوات الطائفية أو القبلية

        مع الأسف -اليوم- بعض الناس يثيرون هذه الدعوات وتلك النعرات الطائفية أو القبلية أو الفئوية أو غيرها من الدعوات التي تؤدي إلى الاختلاف والقطيعة، وكل واحد يحاول أن يرجع إلى قبيلته أو عائلته أو طائفته حتى يتفرق الناس، هذه الفرقة وهذا النزاع لا خير فيه، قال الله -تعالى-: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، قوة البلد، وقوة الجماعة، وقوة الناس، وقوة أي دولة من الدول بتكاتفها واجتماعها، قال الله -عزوجل-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.

الإصلاح بين الزوجين

         ومن الإصلاح، الإصلاح بين الزوجين وهذا أعظم أنواع الإصلاح، والله -عزوجل- قال عن الإصلاح بين الزوجين: {أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}، الصلح بين الزوجين فيه خير للزوج وفيه خير للزوجة وفيه خير للأولاد، فإذا تردد أحد الزوجين في الرجوع للآخر فليتذكر دائما قول الله -تعالى-: {أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}، ما أجمل أن يتنازل الإنسان ويتواضع ويعفو، ويسمح ويتسامح، ويتسامى فوق الجراح لأجل أن يطبق هذه الآية الكريمة! بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن وأخبر أنه أجاز الكذب لمن أراد أن يصلح بين الاثنين، عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الكذَّابُ الذي يُصْلِحُ بينَ النَّاسِ فيقولُ خَيرًا، أو يَنْمِي خَيرًا، قالتْ: ولم أسمَعْهُ يُرَخِّصُ في شيءٍ ممَّا يقولُ النَّاسُ مِنَ الكَذِبِ إلَّا في ثلاثٍ: الإصلاحِ بينَ النَّاسِ، وحديثِ الرَّجُلِ امرأتَهُ، وحديثِ المرأةِ زَوْجَها»، ينمي خيرا أي يصلح بين الاثنين، ومع الأسف بعض الناس -اليوم- أصبحوا وسائل إفساد وليسوا وسائل إصلاح.

خلق كريم وعبادة عظيمة

         إننا أمام قاعدة عظيمة وخلق كريم، وعمل جليل، وعبادة من العبادات التي أمر الله -تعالى- بها، عبادة نحتاجها اليوم أن تكون واقعا عمليا في حياتنا، إصلاح ذات البين، التي يَنبغي أن يُمارسها أفراد المجتمع كلما وجدوا أنفسهم في دائرة خلاف أو شِقاق، قد تجرُّهم إلى طريق كله بَغضاء وشحناء، لا يوجد فيه رابح وفائز ومُنتصِر، فالكلُّ في نهايته خاسِر، والخسارة لا يُشترط أن تكون في المادة فحسب، بل إنَّ خسارة الأصحاب والخلان، لهي أعظم الخسارة، كيف لا؟ وهي تهدم المجتمع هدمًا، وتورث العداوة والبغضاء بين أفراده وفئاته.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك