رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فهد الجنفاوي 9 أكتوبر، 2023 0 تعليق

قواعد نبوية (2) أفلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟

  • من أركان الشكر أن تعترف بقلبك وتستيقن أن الذي أعطاك هذه النعمة وتفضل عليك بها هو الله جل وعلا ليست بجدك ولا باجتهادك ولا بحرصك ولا بذكائك
  • الشكر نعمة عظيمة يوفق الله عز وجل من يشاء من عباده إليها ومن وُفق إلى تلك النعمة فهو ذو حظ عظيم
  • من شُكْر الله على نعمه التحدث بها ظاهرًا وذلك بالحمد والشكر لله تبارك وتعالى عليها والثناء عليه عز وجل
 

قاعدتنا اليوم قاعدة عظيمة جدا، يحتاجها كل مسلم ومسلمة، وهي سببٌ للتوفيق والهداية والزيادة من الخير والأموال والأرزاق، وهي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»، قالها النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أشفقت عليه أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنها وأرضاها- قالت له: يا رسول الله، وكان يصلي قيام الليل حتى تورمت قدماه، وفي رواية حتى تفطرت قدماه، تقول له: يا رسول الله تفعل ذلك والله -تعالى- أعطاك الأمر الذي أردت، وهو مغفرة الذنوب والتجاوز عن السيئات وأعطاك الله المقام المحمود، تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال لها: أفلا أكون عبدا شكورا؟

         إذا كان الله -تعالى- قد غفر لي -هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الله قد غفر له أفلا تكون هذه العبادة وقيام الليل، والاجتهاد في طاعة الله وفي عبادته شكرا لله على ما أنعم عليه من نِعَم كثيرة؟ نِعَم لا تعد ولا تحصى، يقول ربنا -جل وعلا-: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. كل النِعم التي أعطاها الله لنا، نِعم في الأبدان، ونِعم في الطعام، ونِعم في الشراب، ونِعم في الأمن والأمان، وقبل ذلك كله نعمة الإسلام والتوحيد والإيمان بالله -جل وعلا-، هذه كلها نِعم تحتاج إلى شكر، {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، ونحتاج أن نذكرها فنشكرها، وأن ننسبها لله -جل وعلا-؛ لأنه هو صاحبها ومسديها، {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}.

حقيقة شكر الله -تعالى

شكر الله -تعالى- يقوم على ثلاثة أركان رئيسية:
  • الركن الأول: الاعتراف القلبي
أن تعترف بقلبك وتستيقن أن الذي أعطاك هذه النعمة هو الله -جل وعلا-، وأن الذي تفضل عليك بهذه النعمة هو الله -جل وعلا-، ليست بجدك، ولا باجتهادك، ولا بحرصك، ولا بذكائك، إنما هي فضل وإحسان وكرم من رب العزة والجلال، اعترف من داخل قلبك؛ لأن بعض الناس يظن أن بعض النعم أو الخير الموجود عنده إنما هو بجده واجتهاده وكسبه، نقول: نعم، الإنسان هو سبب، لكن الله -تعالى- هو مسبب السبب إن شاء أمضى هذا السبب، وإن شاء منع وتوقف ذلك السبب، فلا يستطيع الإنسان أن يجمع مالا ولا يتحصل على دراسة ولا شهادة ولا على منصب، ولا على ولد ولا على بيت ولا غير ذلك إلا بتوفيق الله -تعالى- له.

واقع الحياة العملية

        ونشاهد اليوم في واقع الحياة العملية أن بعض الناس مجتهد، وعنده رأس مال، ويحاول أن يتاجر هنا أو هناك وعنده من الخير، لكن الله -تعالى- ما يسر له سبل الرزق، وكذلك بعض الناس يجتهد في دراسته وأعماله ووظيفته وهكذا، الله -تعالى- مسبب الأسباب، الله هو الذي يسر لك، الله هو الذي أعانك، الله هو الذي تفضل عليك بهذه النعمة، حتى أبسط الأمور وهي الطعام والشراب، الله -تعالى- هو الذي تفضل بها عليك؛ لذلك جاء في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن العبد إذا أكل أو شرب فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة»، مع أنك أنت الذي جئت بالطعام وصنعت الطعام، لكن ليس بحولك وقوتك، إنما بتوفيق وتيسير من العزيز الحكيم، تذكر هذا الأمر، الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، دائما نتذكر هذه العبادة الجليلة، أن نشكر الله في كل أحوالنا، في السراء وفي الضراء أن تقول: الحمد لله. قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض»، تخيلوا من عظمتها وفضلها ومن مكانتها عند الله أنها تملأ ما بين السماء والأرض.
  • الركن الثاني: أن تشكر الله بلسانك
تقول: الحمد لله، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها عليّ، في قديم أو حديث، أو سر أو علانية أو خاصة أو عامة، الحمد لله رب العالمين، وهكذا دائما لسانك يلهج بالحمد والثناء والتمجيد لله -تعالى-، إذا كان حالك كذلك فأبشر بالفضل والزيادة والإحسان والكرم والخير من الله -تعالى-؛ لأنك نسبت الفضل والنعمة لصاحبها ومسديها وهو الله -تبارك وتعالى-، عندما تقول: الحمد لله، الله يرضى عنك، يقول النبي -[-: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها»، الله يرضى عنك؛ بسبب أنك قلت: الحمد لله، اعتراف من قلبك أن صاحب النعمة هو الله، صاحب الفضل هو الله الذي أعطاني هذا الماء، والذي يسر لي شربه هو الله -جل وعلا. قال أحد الملوك لأحد العلماء: عظني، قال: هذا الماء الذي أمامك، لو منعت منه وأوشكت على الهلاك إلا أن تشرب هذا الماء، بكم تشتريه؟ قال: أشتريه بنصف ملكي، فقال له: فلو منعت من خروج هذا الماء من جسدك، كم تدفع من المال؟ قال: أدفع نصف ملكي الآخر؛ لأن حبس الماء في الجسد وعدم خروجه أذى على الإنسان. قال ذلك العالم: لا خير في ملك يذهب بشربة وبولة. إذًا صاحب النعمة هو الله، الذي يسر لنا الشراب هو الله، والذي يسر لنا الطعام هو الله -تبارك وتعالى.
  • الركن الثالث: شكر الله بالجوارح والأعضاء
عندما تصلي وتصوم وتزكي، هذا نوع من أنواع شكر الله -تعالى-، دائما نتذكر هذه الوصية العظيمة والقاعدة الجليلة من قواعد النبي - صلى الله عليه وسلم - (أفلا أكون عبدا شكورا؟). يقول الشيخ ابن باز -رحمه الله-: وهناك نوع ثالث وهو الشكر بالعمل، بعمل الجوارح والقلب، ومن عمل الجوارح أداء الفرائض والمحافظة عليها كالصلاة والصيام والزكاة وحج بيت الله الحرام والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، كما قال -تعالى-: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ...} الآية. وهذا الركن الثالث ربما أخفق فيه الكثيرون، فقد يوجد الركنان الأولان لكن قد يتخلف الثالث؛ بحيث تصرف تلك النعمة في المعصية، وفي تلك الحال لم يتم الشكر، وقد تكون تلك النعمة وبالا على صاحبها، فمن أنعم الله عليه بنعمة السمع والبصر، ثم بعد ذلك شكر الله عليهما بلسانه، واعترف بذلك بقلبه، لكنه يقلب سمعه وبصره في المعاصي، فيسمع الحرام ويبصر الحرام، فلا شك أن الشكر لم يتم، فمن إتمام الشكر صيانة سمعه وبصره عن الحرام، ولكن إذا رأى حرامًا أو سمع حراما فسريعًا ما يرجع ويستغفر، والله -عزوجل- غفور رحيم لمن رجع وأناب إليه، وهكذا سائر النعم طبق عليها ما سمعت من أركان الشكر الثلاثة، فاللهج بالحمد لله -تبارك وتعالى- هو الركن الأول، وأيضا الاعتراف بها باطنا هو الركن الثاني، وأيضا صرفها في طاعة الله -تعالى- هو الركن الثالث.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك