رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فهد الجنفاوي 31 مارس، 2024 0 تعليق

قواعد نبوية (16) خيركم من تعلم القرآن وعلمه

 

  • لَا يَنْحَصِرُ فَضْلُ القُرْآنِ عَلَى الإِنْسَانِ فَقَطْ بِاِعْتِبَارِهِ قَارِئًا أَوْ مُسْتَمِعًا بَلْ يَتَعَدَّى هَذَا الفَضْلُ لِيَصِلَ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ وَلِذَلِكَ حَثَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الإِكْثَارِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي البُيُوتِ
   

من القواعد النبوية العظيمة التي تمثل قواعد يسعد بها الإنسان في دنياه وأخراه، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ»، وهي قاعدة نبوية عظيمة تدلنا على من هم خير الناس، من هم أفضل الناس، هل هم أصحاب الأموال أم أصحاب الجاه، أم أصحاب المناصب، أم أصحاب الجمال، أم أصحاب القصور والدور؟ من هم؟ إنهم الذين الذين يتعلمون كتاب الله -تعالى-، يقرؤونه، يرتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ولم يكتفوا بالقراءة فقط، بل إنهم أيضا يسعون لتعليم القرآن، ويبذلون له وقتهم ويسعون ويجتهدون في تدبره وقراءته وتعلمه.

    القرآن الكريم سهل يسير؛ لأن بعض الناس يظن أن القرآن صعب، وأجزاء القرآن أو كلمات القرآن فيها صعوبة وأجزاءه طويلة، بل والله إنه سهل يسير على من يسره الله، قال ربنا -جل وعلا-: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (القمر:22)، أسهل شيء يتعلمه الإنسان كتاب الله -تعالى-، وهذا ما بيّنه ربنا -جل وعلا- فقال -سبحانه-: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.

هل من مقبل على كتاب الله -تعالى؟

      هل من عامل؟ هل من مقبل على كتاب الله -تعالى- فيتعلمه ويعلمه؟ ونحن نشاهد اليوم في الواقع العملي في حياتنا أطفالا صغارا لم يبلغوا الحلم يحفظون القرآن كاملا، ويستحيل أن تجد أحدًا يحفظ كتابا من بدايته إلى نهايته، مثل ما يحفظ كتاب الله -تعالى- بحركاته وسكناته، وبأحكام التجويد، وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن الله -تعالى- يسر لنا حفظ القرآن وقراءته وتلاوته. القرآن يكون صاحبا للإنسان في الدنيا، ويكون صاحبا له حتى في الفردوس الأعلى، أو حتى لما يدخل الجنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «يقالُ لصاحِبِ القرآنِ اقرَأ وارقَ ورتِّل كما كُنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها»، فمنزلتك في الجنة ترتفع كلما قرأت. القرآن بركة، القرآن رحمة، القرآن خيره كثير، القرآن مبارك، القرآن راحة وطمأنينة، {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، فمن أراد السعادة فعليه بالقرآن، من أراد الراحة والطمأنينة والفرح وانشراح الصدور فعليه بالقرآن.

أعظم الأسباب راحة وطمأنينة

     اليوم -مع الأسف- بعض الناس إذا أراد أن يرتاح، أو أن يطمئن، أو عنده مشكلة معينة، يلجأ إلى كثير من الأسباب، وينسى أعظم هذه الأسباب راحة وطمأنينة، وانشراحا في الصدور، كلام الله -تعالى-، تغشاك السكينة، تنزل عليك ملائكة الرحمة، تستمع إلى قراءتك. ثبت في الحديث الصحيح عن أسيد بن حضير، أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ بيْنَما هو لَيْلَةً يَقْرَأُ في مِرْبَدِهِ؛ إذْ جَالَتْ فَرَسُهُ، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، قالَ أُسَيْدٌ: فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، فَقُمْتُ إلَيْهَا، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ في الجَوِّ حتَّى ما أَرَاهَا، قالَ: فَغَدَوْتُ علَى رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بيْنَما أَنَا البَارِحَةَ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ أَقْرَأُ في مِرْبَدِي؛ إذْ جَالَتْ فَرَسِي، فَقالَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-: اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ قالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقالَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ قالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقالَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ قالَ: فَانْصَرَفْتُ، وَكانَ يَحْيَى قَرِيبًا منها، خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ، فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ في الجَوِّ حتَّى ما أَرَاهَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: تِلكَ المَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، ولو قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ ما تَسْتَتِرُ منهمْ. ولَا يَنْحَصِرُ فَضْلُ القُرْآنِ عَلَى الإِنْسَانِ فَقَطْ بِاِعْتِبَارِهِ قَارِئًا أَوْ مُسْتَمِعًا، بَلْ يَتَعَدَّى هَذَا الفَضْلُ لِيَصِلَ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ، وَلِذَلِكَ حَثَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - عَلَى الإِكْثَارِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي البُيُوتِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقرَةِ»، فالقرآن إذا قرئ في البيت، يبارك الله في أهله وفي جنبات هذا البيت، وهذا من أدلة أن القرآن كتاب مبارك، لذلك علينا أن نقبل على كتاب ربنا، خاصة في هذه الأيام المباركة، الأيام العظيمة، أيام رمضان؛ فإن الله -تعالى- يحب القرآن، ويحب كلامه، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم - يدارس جبريل القرآن في كل عام مرة، إلا في العام الذي توفي فيه دارسه القرآن مرتين.  

الهدف من المداومة على قراءة القرآن؟

         إن الهدف من المداومة على قراءة القرآن هو الوصول إلى فهمه وتدبر آياته والعمل بما فيها من أوامر واجتناب ما فيها من نواه؛ حتى نكون من المهتدين إلى طريق الحق، وقد دلنا الله على صفات من هداهم إليه -تعالى-، فقال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 18). والله -سبحانه- ما أنزل كتابه إلا ليتدبَّره قارئوه، ويفقهه تالُوهُ، قال -تعالى-: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29). والقراءة مع التفهم والتدبر تُحْدِثُ تأثراً في نفس القارئ وخشوعاً في القلب، وخوفاً من الله -عزَّ وجل-، وطمعاً في رحمته، وشوقاً إلى لقائه، وهذه نتيجة التفهم والتدبر حين القراءة والتلاوة. فلقد أنزل الله -سبحانه- القرآن الكريم ليقدم للبشرية جمعاء أحكم الأحكام التشريعية، وأروع الحقائق العلمية، وأوضح الآيات الكونية. ليحققوا في ضوئها دراسات لا مثيل لها، وليبنوا منها ثروة ضخمة من العلم لا تزال، وستبقى المادة الأولى والوحيدة لقيام حضارة عالمية لا مثيل لها، تنعم في ظلها وظلالها البشرية بمستوياتها ومختلف أشكالها وأجناسها، بحياة أفضل وعيش أرغد؛ ولذلك كان فهمه وتطبيقه من الضروريات اللازمة. وقد أمر الله رسوله بتلاوة القرآن في أول نزول القرآن، في قوله -تعالى- لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} (المزمل: 4)، وكل أمر للرسول - صلى الله عليه وسلم- هو أمرٌ لجميع المؤمنين إلى قيام الساعة ما لم يكن أمراً خاصا بالرسول. فتلاوة القرآن وقراءته عبادة يؤجر المسلم عليها مثل سائر العبادات، بل إن أجره يتضاعف أكثر بتلاوته مع التدبر؛ ولذلك حثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تلاوته ودلنا على عظيم أجره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ: {الم} حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك