رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: عبدالوهاب السنين 10 يوليو، 2018 0 تعليق

رسائل تربوية (2) الحكمة والفهم من سمات الأنبياء

      قضية التربية والأخلاق والسلوك من القضايا التي اعتنى بها الدين الإسلامي أيما اعتناء؛ فالإنسان ما هو إلا سلوك، وأخلاق، ولقد ترك لنا ديننا الحنيف ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إرثاً خُلُقيّاً متكاملاً، كان وما يزال منهجاً حياتياً واضحاً يحفلُ بالصّور التي فيها مصلحة الفرد والمجتمع معاً، وقد سهّل لنا الإسلام الطريق لسلوك هذا المنهج الواضح، وجعل هذا المنهج صالحاً لكلِّ زمانٍ ومكان، والدليلُ على ذلك كون الإسلام خاتم الأديان، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، قال الله -تعالى-: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة:3). كما جاء هذا المنهج واضحاً بسيطاً بعيداً عن اللبس والغموض والتعقيد، خالياً من الرِّيَبِ والشكوك «الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّن» (البخاري: 52)، مسلم: 4051) وما علينا سوى إعمالِ عقولنا لسلوك الطريق الصحيح: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد:10)، ورسالتنا اليوم عن: الحكمة والفهم.

والحكمة كما هو معلوم عند كثير من الناس هي: «وضع الشيء في محله»، وجاءت كذلك بمعنى: (الفهم)؛ ولهذا يقول الرب -عزوجل- في سليمان: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}(الأنبياء79).

والحكمة تكون أحيانًا بمعنى: (الفقه)، يعني هناك فرق بين العالم والفقيه؛ ولهذا يقول الرب -عزوجل-: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}(البقرة269).

      وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، والحكمة هي: (الفقه)؛ فالخير في (الفقه والفهم)، قد يكون إنسان عنده شيء من العلم، لكن لا يملك الفقه، وبالتالي لا يملك الفهم، وهذا لا يُسمَّى: (حكيما)، إلا إذا كان فاهمًا، فاهمًا ما يقرأ، وفاهمًا كذلك ما يقول.

الحكمة تعني العدل

     والحكمة أحيانًا تأتي بمعنى: العدل؛ ولذلك يُقال في الحكمة: إن الإنسان إذا وضع الشيء في غير محله فهو ظالم، هذا المعنى الآخر المُعاكس الذي يُعاكس وضع الشيء في محله؛ فنقول: حين تضع الشيء في غير محله أنت ظالم، قد تكون ظالما لنفسك، وقد تكون ظالما لغيرك، وعلى أي حال نقول: نحن نحتاج إلى الحكمة في كل شيء.

العلماء هم الحكماء

      من الأمور التي ينبغي أن نعرفها في الحكمة، أن العلماء هم الحكماء، والذي ينتفي عنه العلم تنتفي عنه الحكمة، والمراد هنا حين نتكلم عن الحكمة والعلم، نتناول موضوعا مهما جدًا، يعني أن يأتي الإنسان بفتوى وهو لا يدري، أو لا يعرف، أو لا يستطيع أن يضع هذه الفتوى في محلها، هذه من الأمور المهمة حين نتكلم عن الحكمة؛ لأن الحكمة كما عرفناها وكما اتفقنا وضع الشيء في محله.

كيف نكون حكماء؟

هناك أمور تساعد على الحكمة، ومن هذه الأمور:

الفهم الصحيح

- أولًا: الزم الفهم الصحيح؛ فبعض الناس قد يكون عنده فهم، لكنه يبتعد عن الفهم الصحيح، وهذا يتنافى مع الحكمة؛ لأنه خرج عن إدراك الصواب.

الواجبات الشرعية

      كذلك من الحكمة، عد التقصير في الواجبات الشرعية؛ فالواجب الشرعي أتى من الحكيم -سبحانه- وحين تُقصر في هذا الواجب الشرعي لا شك أنك خالفت الحكمة؛ لأنك خرجت عن أمر الحكيم؛ إذن نقول: الحكيم أو من أراد أن يتصف بصفة الحكيم، عليه أن يلتزم ويُراعي الأمور الشرعية، بل أقول: يحرص عليها، بل أبعد من ذلك أقول يسأل عنها حتى لا يخرج عن الحكمة.

مآلات الأمور.

     كذلك إذا أردت أن تصبح حكيمًا: عليك أن تنظر إلى ما تؤول إليه الأمور، وهذه كلمة والله غاية في الأهمية؛ فهناك أناس لا ينظرون أبعد من تحت أقدامهم، وهذا لا شك يخالف الحكمة؛ فالذي لا ينظر إلى مآلات الأمور، لا ينظر إلى المسافات البعيدة، لا ينظر إلى عاقبة ما تؤول إليه الأمور، لا شك أنه ليس بحكيم.

عدم التعجل في الحكم

     كذلك من صفات الحكيم: أنه لا يتعجل في إصدار الأحكام قبل التغليب، يعني: تغليب الأمور؛ فالذي يريد أن يكون حكيمًا، لا يجب أن يتعجل؛ فالإنسان مخلوق من عجل، هذا أمر معروف ومعلوم، لكن العجلة في أمور الخير تُسمَّى: التعجيل، وأما العجلة في أمور الدنيا لا شك أنها أمرٌ يُخالف الحكمة ويُخالف الفقه؛ فعلى الإنسان أن يتأنى دائمًا.

التجربة والدراية

     كذلك من الأمور التي تساعد على الحكمة: (التجربة والدراية)؛ فالإنسان تمر عليه حوادث كثيرة جدًا، يجب أن يستفيد منها، وهذا الذي لا يستفيد من الحوادث ولا يستفيد من التجارب، ولا يستفيد مما مر عليه من الأمور التي ربما تندرج تحت التجربة، نقول: لا شك أن هذا لا يُعد حكيمًا، النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بصراحة ووضوح في قوله: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ»؛ فبعض الناس يكرر الخطأ مئة مرة ولا يستفيد من التجربة؛ فهل هذا حكيم؟ هذا ليس حكيمًا، الحكيم هو: هذا الذي يستفيد من تجاربه، ويقف حيث انتهى إليه الآخرون وينظر فيما قدموه، وهذه القضية، غاية في الأهمية؛ لأنك ربما تكرر الأخطاء نفسها، وربما تجد صعوبة في فهم الأشياء التي مرت على غيرك وقد قام على حلها وتجاوزها إلخ.

معرفة قدر النفس

     كذلك من الأشياء التي تساعد وتعين على الحكمة: أن تعرف قدر نفسك وتعرف قدر الآخرين، يعني: الذي يُنزل الناس منازلها هذا لاشك أنه حكيم، الذي لا يعرف قدر نفسه، هذا لاشك بعيد عن الحكمة؛ فعدم معرفة أقدار الناس ومكانتهم يتنافى مع الحكمة؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى سعد بن معاذ هذا الصحابي هذا الرجل الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : «قد اهتز له عرش الرحمن»، ونزلت الملائكة حين مات -رضي الله عنه وأرضاه- لتصلي عليه، هذا الصحابي، قال النبي[ لأصحابه: «قوموا لسيدكم»؛ مما يدل على احترام أهل الشرف وأهل المقامات وتقديرهم، يكفينا قول الرب -عز وجل-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(المجادلة: 11).

 

 من صفات الداعية العلم والفقه بما يدعو إليه

 

      إن من أعظم ضروريات الدعوة إلى الله -تعالى- أن يكون الداعية عالمًا بعامة، مدركًا لما يدعو إليه ، فقيهًا فيه بخاصة، قال -تعالى-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف: 108)، والبصيرة أخص من العلم العام، وفيها معنى زائد عليه؛ فهي تعني: البينة والإدراك، والوضوح، والفهم، واليقين، ومن البصيرة أن يدرك الداعية عوقب الأمور ، وألا يغفل عن النتائج في أقواله وتصرفاته.

     قال ابن تيمية: «فلابد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبًا في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعًا، ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه».

      فالفقه قبل الأمر، ليعرف المعروف وينكر المنكر، وهذا شرط من شروط الدعوة إلى الله، وواجب من واجبات الداعية أن يكون الداعية مدركاً لما يدعو إليه، متحلياً بالفطنة، متسلحاً باليقين، ثابت الخطوة، واضح الرؤية في دعوته، ومدعويه؛ وفيمن حوله من أصدقاء وأعداء ، وما يقع من أحداث، فكل هذه المعاني تتضمنها (البصيرة)؛ فهذا الشرط الذي ألزم الله به الدعاة في دعوتهم؛ ولهذا فلا يجوز للمسلم أن يدعو إلى الله، إلا بعد أن يحمل قدراً من العلم يكفيه في دعوته، وفهماً ووضوحاً ينير له طريقه.

     فالعلم يسدد له مسيرته، والفهم يوضح له رؤيته؛ فمن لم يحمل العلم في دعوته انحرف، ومن لم يكن على بصيرة تعثر، وفضلاً عن هذا؛ فإن للداعية بغير بصيرة إثماً عند الله لمخالفة أمر الله؛ ولأن فاقد البصيرة (العلم والفهم) لا يُضل نفسه فحسب، بل يُضل معها غيرها ممن يدعوهم، {وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّبِعُ كُلّ شَيْطَانٍ مّرِيدٍ} (الحج: 3)؛ فلربما جعل الأمر نهيًا، والنهي أمرًا، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك