رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 18 مارس، 2024 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة – مشاعر المؤمنين بقدوم رمضان

  • إذا كان شعورك الداخلي بأنك عبدٌ لله عز وجل فاعلم أنك على خير عظيم وأنك من عباد الله المقربين
  • في كل يوم من أيام شهر رمضان ينادي المنادي يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر فعندما تتذكر كل هذا يمتلئ قلبك بالرجاء
 

أسأل الله -عز وجل- أن يجعل شهر رمضان مباركا عليكم وعلى أهليكم وعلى أحبابكم وعلى أمتكم وعلى أوطانكم، والله -سبحانه وتعالى- نسأله أن يمن علينا بالخيرات، وأن يعم ذلك على عباد الله -عز وجل- في مشارق الأرض ومغاربها، بفضل الله -عز وجل- وكرمه ومنته، وحقيقة كلمتي أريد أن أدخل بها إلى أعماق مشاعر المؤمن يوم سمع بأن رمضان قد أقبل، وأن الهلال قد رؤي وثبت دخول الشهر بحمد الله -عز وجل-، ما الأشياء التي خالجت قلبه ونفسه وعقله يوم دخل هذا الشهر؟

الشعور بالعبودية لله -سبحانه وتعالى

         إن أول تلك المشاعر هو الشعور بالعبودية لله -سبحانه وتعالى- وهذه نعمة عظيمة، أن تشعر بأنك عبد لله -عز وجل- {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وقال -تعالى-: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وأنت تجيب «سمعا وطاعة.. سمعا وطاعة يارب»؛ لشعورك الداخلي بأنك عبد لله -عز وجل-، فإذا كان هذا الشعور هو الذي هز كيانك، وارتفعت مقاييسه عندك، فاعلم أنك على خير عظيم، وأنك من عباد الله المقربين، وأنك من أولياء الله الصالحين، نحسبك والله -عز وجل- حسيبك، لماذا؟ لأنه ما دفعك للامتثال إلا شعورك بالعبودية لله -عز وجل-، وهذا دليل على الإيمان وعلى التوحيد لله -عز وجل.

الشعور بالرجاء

       هناك أيضا في داخل أعماق هذا المسلم وهذا المؤمن شعور بالرجاء، عنده علم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كانَت أوَّلُ ليلةٍ من رمَضانَ صُفِّدتِ الشَّياطينُ ومَردةُ الجِنِّ وغلِّقت أبَوابُ النَّارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ وفُتِحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ ونادى منادٍ يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِر وللَّهِ عتقاءُ منَ النَّارِ وذلِك في كلِّ ليلةٍ»، لا تظن أن هذا العتق في آخر رمضان، لا وإنما في كل ليلة، وهذا فضل الله -عز وجل. ففي كل يوم من أيام شهر رمضان ينادي المنادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، فعندما تتذكر كل هذا يمتلئ قلبك بالرجاء، ومع كل عبادة ترجو نيل فضلها وأجرها عندما تصوم تدعو الله يا رب أكون ممن قلت فيهم ولهم : «مَن صَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»، عندما تسمع هذه الأحاديث يمتلئ قلبك بالرجاء، هذا الشعور العجيب الذي يدفعك لأن تُقبل وتُقبل وتعمل وتجتهد، فلا تدع لحظة إلا وتغتنمها؛ رجاء الفوز بالمثوبة والأجر والفضل من رب العالمين، وأبشر -بإذن الله- ستكون ممن ينالهم هذا الحديث: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ» يوم يجازيه رب العالمين عن صيامه الذي لا عدل له ولا مثل له كما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم .

الشعور بالخوف

       ثم أيضا يمتلئ القلب بمشاعر الخوف، فيدخل رمضان وأنت خائف، فعلام الخوف؟ خائف أن الله قد لا يتقبل مني، هل الله -عز وجل- يظلمك حاشاه، ولكن أنت تخاف من أن تظلم نفسك، بأن تكون النية غير خالصه لله -عز وجل-، أو أن يكون العمل ليس فيه متابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أن العمل يدخله شيء من الفخر والكبر والخيلاء، أو يدخله شيء من السمعة والرياء، أو يدخله شيء من الشوائب، أو أنني أعمل بعض الأعمال أو أقول بعض الأقوال التي تخل وتهدم هذا البنيان العظيم في شهر رمضان كما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليسَ لِلَّهِ حاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ»؛ لذا إخواني هذا الخوف يجعلك تحرص على أن تبني حول نفسك سياج أمان، وخطوط دفاع لتدافع عن صيامك، وتدافع عن حسناتك، وترد الشيطان الصغير اليوم؛ فمردة الجن محبوسة، ولترد شياطين الأنس، ولترد مريدي الفتنة بك؛ فتسوي خطوط أمان لخوفك على عبادتك وحرصك على سلامتها من أي شائبة.

شعور بالحب

         من المشاعر أيضًا التي تنتاب المسلم في بداية هذا الشهر هو: شعور بالحب، فما دفعك لهذا التقرب إلا حبك لله -عز وجل-؛ فأنت الآن تبشر نفسك بأنك صائم اليوم وأنوي صيام شهر رمضان ذلك دليل محبتي لله -عز وجل-، {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ماذا يفعلون؟ إنهم يأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه -سبحانه وتعالى- وهو الذي يحبهم -سبحانه وتعالى-؛ فالحب جزء من الإيمان الذي هو شعور بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح والأركان، إذا كيف تعبر عن حبك لله -عز وجل؟ الجواب: بامتثالك، فاليوم ترى صيامك هو دليل على حبك، وهذا في الحقيقة نعمة من نعم الله -سبحانه وتعالى.

شعور الافتقار إلى الله -تعالى

       كذلك تشعر وأنت تدخل في هذه العبادة بافتقارك إلى الله، فتشعر باحتياجك لله -عز وجل-، فالعبد ذليل يحتاج إلى رحمة سيده، وكلما زاد فقرك بين يدي الله -عز وجل-، ازددت رفعةً وشأنا، قال - صلى الله عليه وسلم - «وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» فأعظم من تتواضع له هو الله -سبحانه وتعالى. وأعظم من تخضع له هو الله -سبحانه وتعالى-؛ فالله -سبحانه وتعالى- سيرفعك بإيمانك {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} يرفعهم الله -عز وجل.

اجتماع تلك المشاعر في القلب

         إخواني كل تلك المشاعر إذا اجتمعت في قلب عبد تشعره باللذة والقرب من الرحمن، وتعينه على الصبر على الجوع والعطش وعلى طول النهار، وعلى برده وحره، وعلى قيام ليله، وأنت فرحٌ سعيد والابتسامة تعلو قسمات وجهك لاستحضارك معنى تلك المنزلة من عبودية عنوانها المحبة، وتسير بالخوف والرجاء على درب الافتقار.

استحضار معنى الصيام

        ثم تستحضر معنى الصيام وفضله يوم القيامة، وَمما قِيلَ: إن أعمال ابن آدم قد يجري فيها القصاص بينه وبين المظلومين، فالمظلومون يقتصون منه يوم القيامة بأخذ شيء من أعماله وحسناته، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟»، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ؛ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».

إلا أجر الصيام

        والمقصود إلا أجر الصيام فإنه لا يؤخذ للغرماء يوم القيامة منه شيء، وإنما يدخِره اللهُ -عز وجل- للعامل يجزيه به، ويدل على هذا قوله في إحدى روايات الحديث: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، أي: إن أعمال بني آدم يجري فيها القصاص ويأخذها الغرماء يوم القيامة إذا كان ظلمهم إلا الصيام، فإن الله يحفظه ولا يتسلط عليه الغرماء، ويكون لصاحبه عند الله -عز وجل. قال شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله-: «إذا كان يوم القيامة وكان على الإنسان مظالم للعباد فإنه يؤخذ للعباد من حسنات العبد، إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه شيء؛ لأنه لله -عز وجل- وليس للإنسان، وهذا معنى جيد أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه، ولا يؤخذ منه لمظالم الخلق شيئا». وقال - صلى الله عليه وسلم - إن الله -عز وجل- يقول: «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يضاعَفُ لَهُ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سَبعِمائةِ ضِعفٍ قالَ اللَّهُ سبحانَهُ إلَّا الصَّومَ فإنَّهُ لي وأَنا أجزي بِهِ».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك