رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فهد المضاحكة 4 يونيو، 2024 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة – كيفية استجلاب البركة

 

  • أول الأمور التي تستجلب بها البركة هي الاهتمام بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا وتطبيقا

لازلنا إخواني في الحديث الذي بدأناه قبل ثلاثة أسابيع تقريبا، وهو مايتعلق بالبركة في حياة المسلم، وذكرنا أهمية البركة وفضلها وماجاء فيها من كلام الله -عز وجل- ومن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم -، وذكرنا بأن البركة هي من الله -سبحانه وتعالى- وذكرنا بعض القواعد التي من خلالها يستطيع الإنسان أن ينظم وقته، وأن يوظف هذا الوقت فيما ينفعه في أمر الدين والدنيا، وذكرنا بعض أثار السلف في حرصهم على الوقت، وكيف كانوا يستثمرونه ولا يضيعون مثل هذه الأوقات، وذكرنا بأن الوقت لأهمية ولعظمه فإن الله -عز وجل- أقسم به في القرآن كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أهميته في السنة، واليوم نتكلم معكم إخواني في كيفية استجلاب البركة.

الاهتمام بكتاب الله -عز وجل

          إن الأمور التي تستجلب بها هذه البركة هي الاهتمام بكتاب الله -عز وجل-، يقول الله -تعالى-: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}، ويقول الشنقيطي -رحمه الله- من اهتم بالقرآن تلاوة وتدبرا وتطبيقا، تدركه البركة والخير والنفع في أمر الدين والدنيا والآخرة، وهذا مشاهد وأثبتت الدراسات أن من يهتم بالقرآن الكريم ويحفظ القرآن الكريم فإن الله -عز وجل- يبارك له في وقته وفي عمره وفي عمله. بعض الناس يخاف عندما يُحفظ أولاده القرآن بأن يضيع وقتهم في الحفظ والمراجعة، لكن هناك دراسة جميلة جدا أثبتت علميا بأن أكثر الطلاب تفوقا في الفصول الدراسية على جميع المراحل، بل الأوائل على الفصول الدراسية هم حفظة القرآن وطلاب الحلقات، وهذا يبين أن البركة حلت في كتاب الله -عز وجل-؛ ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنه، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولامٌ حرف وميمٌ حرف».

شفاعة القرآن

          والقرآن الكريم كما تعلمون يأتي شفيعا يوم القيامة لأصحابه، بل هناك سورةٌ من القرآن تحاج عن صاحبها في القبر تسمى المانعة والمنجية من عذاب القبر وهي سورة الملك، والقرآن يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة يحاج لك عند الله -عز وجل-، يقول منعته النوم، كان يصلي ويقرأ القرآن في الليل. والقرآن الكريم -كما جاء في بعض الأثار- أخذه بركة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سورة البقرة-: «اقرأوا البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة»، والبيت الذي يُقرأ فيه سورة البقرة تفر منه الشياطين، ولاشك أن هذا كله من بركة القرآن الكريم التي أحلها الله -عز وجل- في كتابه وبه تستجلب البركة.

تقوى الله -عز وجل

           كما أن البركة تستجلب بتقوى الله -عز وجل- قال -تعالى-:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}. يقول الإمام الرازي: «لو أنهم أطاعوا الله -عز وجل- واتبعوا دينه لفتح الله -عز وجل- عليهم أبواب الخيرات من بركات السماء بالمطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار وكثرة المواشي والأنعام وحصول الأمن والسلامة، فلو أن أهل القرى اتبعوا القرآن الكريم واتبعوا تعاليم الله -عز وجل- وتعاليم رسوله -  صلى الله عليه وسلم -، فإنه تحل عليهم البركة في الأموال والخيرات وفي الأوقات، وحلت في البلاد يغشاها الأمن والسلام والرخاء، وجاء في الحديث: «لحدٌ يقام في الأرض خيرٌ من أن يُمطر الناس أربعين»، يعني لو أن الناس اتبعوا القرآن الكريم واتبعوا شرع الله -عز وجل-، وطبقوا ولو حدا واحدا مثل حد الجلد أو حد السرقة، فإنه خيرٌ لهم من أن يمطروا أربعين، وهذا لاشك من بركات القرآن الكريم واتباع تعاليم الله -عز وجل- وشرعه.

الدعاء

         كما تستجلب البركة بالدعاء، فتدعو الله -عز وجل-، وهذا من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم -؛ حيث كان يدعو بالبركة لأصحابه وزوجاته - صلى الله عليه وسلم -، كما كان يدعو بالثمار، ويدعو لمن أطعمه الطعام، وهذا حتى تدركه البركة، يقول أنس - رضي الله عنه -: «جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق، ويحملون التراب على مناكبهم، ويقولون نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد مابقينا أبدا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة»، فدعا لهم - صلى الله عليه وسلم - بالبركة والنبي -صلى الله عليه وسلم - إذا دعا بالبركة لإنسان أدركته البركة له ولذريته إلى يوم القيامة، قال أنس - رضي الله عنه -  قالت أمي: يارسول الله، هذا ابني خادمٌ لك، ادع الله له، فقال -صلى الله عليه وسلم -: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» يقول أنس - رضي الله عنه - فوالله، إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون بالمائة، يعني أنه رأى من ولده وولد ولده مائة وهو حي، وهذا من بركة دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم -، قال القرطبي:»كان النبي -صلى الله عليه وسلم - إذا دعا في الشيء أجابه الله -عز وجل- فيه.

من نعيم الدنيا معرفة الرب وانشراح الصدر

          المؤمن الحق في هذه الحياة الدنيا يتمتع بأنواع النعيم الظاهرة والباطنة، ومن أهم ما يتمتع به المؤمن معرفة الرب -جل وعلا-، وانشراح صدره بالإيمان به -سبحانه-، معرفةُ الله معرفةَ إقرار، وتصديق وإيمان، وانقطاع إليه، وأنس به، وطمأنينة بذكره، قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفة الله -عز وجل-، وقيل لبعضهم: ألا تستوحش وحدك؟! فقال: كيف أستوحش، وهو -سبحانه- يقول: «أنا جليس من ذكرني». وأما انشراح الصدر، يقول الله -تعالى-: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (125)}، ويقول -جل وعلا-: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22)} (الزمر:22)، وانشراح الصدر هو اتساعه وانفساحه؛ بسبب استنارته بنور الإيمان، وحياته بضوء اليقين، فتطمئن بذلك النفس، وتحب الخير، ويطاوعه البدن على فعله، متلذذًا به، غير مستثقل، ولا متكاسل، ولا متوان. أما من أضله الله، فهو ضيق الصدر، يحس بالحرج والعنت، قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات، فلا يصل إليه خير، ولا ينشرح لفعل بر. فهل يستوي من كان منشرح الصدر، قرير العين، يعرف بدايته ونهايته، مرتاح النفس، هادئ البال، إن أعطي شكر، وإن مُنِع صبر، مع من كان قاسي القلب، ضيق الصدر، لا يعرف إلا دنياه، ولا يبصر إلا نعيم بدنه، إن أُعطِي بطَرَ وكفَرَ، وإن مُنِع سخِط وضجِر؟ {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الملك:22). وبهذا الانشراح يحيا المؤمن حياة طيبة، يشكر ربه فيها عند السراء والنعماء، ويصبر عند البأساء والضراء، ويعمل الخير يرجو ثواب الله، كما قال -تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97)} (النحل:97).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك