رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فهد المضاحكة 6 مايو، 2024 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة – البركة سِرُّ من أسرار الله – عز وجل-

  • البركة هي سر الله عزوجل يهبها لمن شاء من عباده وهي لا تُكتسب ولا تُشترى ولكن الله سبحانه وتعالى يهبها للإنسان سواء في علمه في وقته في ماله في جهده
  • استطاع النبي صلى الله عليه وسلم  خلال عقدين من الزمان تغيير وجه الأرض وكتب تاريخًا جديدًا وعهدًا جديدًا أقام دولة وربى رجالا ما زالت أثارهم باقية منذ 1400 عام
 

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقومُ الساعةُ حتى يتقاربَ الزمانُ، فتكونُ السنةُ كالشهرِ، والشهرُ كالجمعةِ، وتكونُ الجمعةُ كاليومِ، ويكونُ اليومُ كالساعةِ، وتكونُ الساعةُ كالضَّرَمَةِ بالنارِ»، الضرمة كأنها حرقة سعفة، هذا الحديث النبويٍ الشريف تتجلى فيه ظاهرة جليلة تلفت الأنظار وتُعير الاهتمام وتأخذ بمجامع القلوب وتستثير النفوس وتحرك عقول أولوا الألباب.

       هذا الحديث يخبرنا بأن الزمان قد تغير، وأن الأيام اختلفت عما سبق، سواء كان عاما أم شهرًا أم يوما أم ساعة أم دقيقة، فالعام السابق غير هذا العام، والعام قبل عشر سنوات غير هذه السنة، والحقيقة أن هناك سرا من أسرار الله -عز وجل- في ذلك، وقبل أن نبين عنوان الموضوع، دعونا نأتي بنماذج وأمثلة.

النبي - صلى الله عليه وسلم - وتغيير وجه الأرض

        النبي - صلى الله عليه وسلم - خلال عقدين من الزمان استطاع تغيير وجه الأرض، وكتب تاريخًا جديدًا وعهدًا جديدًا منذ بعثته - صلى الله عليه وسلم -، معالم جديدة وأثار حميدة لاتزال أخبارها وصداها ليس فقط إلى هذا الزمان بل إلى أن تقوم الساعة، فهي فقط ثلاثة وعشرون سنة قضاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما بُعث بالأربعين حتى صار عمره - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وستين سنة.

أقام - صلى الله عليه وسلم - دولة وربى رجالا

        أقام - صلى الله عليه وسلم - دولة وربى رجالا، واستمرت هذه الدولة من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة إلى سنة 1919 مع سقوط الخلافة العثمانية لم تر الدنيا مثل دولة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا (خلافة) حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاثين سنة قضاها كبار الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضوان الله عليهم- استمروا بالخلافة ثلاثين سنة فقط ماذا أقاموا فيها؟ ما الإنجازات؟ ما الأعمال؟ ما المهام التي قاموا بها؟ إنها أعمال عجيبة وعظيمة تُدرس في الجامعات ويدرسها الساسة ويدرسها الاقتصاديون ويدرسها الاجتماعيون في تلك الثلاثين سنة.

خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه 

       فأبو بكر الصديق حكم فقط سنتين وثلاثة أشهر، ماذا قدم فيهم وماذا عمل؟ جمع القرآن بعدما أشار عليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما استحر القتل في حروب المرتدين وبدأ يموت الكثير من الصحابة الحفاظ، فأشار عليه بجمع القرآن فسمع نصيحة عمر -رضي الله عنهما- ثم جمع القرآن -الجمع الأول- وحارب المرتدين في الجزيرة وفي اليمن، وجيش الجيوش وفتح الأمصار ونظم عهد الدولة بتعيين الأمراء والولاة في الدول، عين لمكة ولاة وللمدينة ولاة ولليمن ولاة، فتح البلدان، تبرع بماله كله في غزوة مؤته، -رضي الله عنه وأرضاه.

خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه 

        وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- حكم عشر سنوات وستة أشهر، ومات وعمره 61 سنة، فماذا عمل؟ وماذا قدم؟ جمع القرآن الجمع الثاني، ووسع الحرمين الشريفين مكة والمدينة، وأبعد المقام عن الكعبة حتى يوسع للمسلمين، وأقام السجون، واعتمد التاريخ الهجري، واتسعت في عهده الدولة وكسر شوكة الروم والفرس في خلال عشر سنوات.

نماذج مضيئة

        وهذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه  وأرضاه- كذلك، وهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه  وأرضاه- كذلك، نماذج مضيئة كلها، غير باقي كبار الصحابة مثلا زيد بن ثابت أسلم وعمره عشر سنوات، علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن حتى وصل عمره اثنتي عشرة سنة، تعلم لغة اليهود خلال خمسة عشر يوما، وأصبح مترجما للنبي - صلى الله عليه وسلم - للوفود وعمره أربع عشرة سنة، وعينه النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد كتاب الوحي وعمره ست عشرة سنة، وأصبح فقيها عالما متخصصا في الفرائض وعمره تسع عشرة سنة، كلفه عثمان بن عفان بجمع القرآن حتى قال: «لو كلفني بحمل الجبال لكان أهون» وجمع القرآن من العظام والجلود ومن كبار الصحابة -رضوان الله عليهم- حتى كان هذا المصحف الذي بين أيدينا وعمره إحدى وعشرون سنة، فقط تسع أو عشر سنوات، إخواني، ما السبب؟ هذا سر الله في كونه وهو البركة.

فليسأل كل منا نفسه

        إخواني، كل واحد منا يسأل نفسه أيًا كان عمره: أربعين، خمسين، ستين أين البركة التي أحلها الله -عزوجل- في عمري في زوجتي في أولادي، في مالي في علمي في وقتي في دعوتي، البركة هي سر الله -عزوجل-، فهو كل مانسب إلى الله فهو بركة، بيت الله، رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كلام الله، الأقصى المبارك، العبد المؤمن لما يلتزم يسمى عبدٌلله -سبحانه وتعالى- فهو مبارك كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لزوال السموات والأرض أهون عند الله من إراقة دم عبد مسلم» فإنه مبارك يحبه الله ويرضاه.

أهمية البركة

        فالبركة إذا حلت في الصحة حفظها الله وبارك فيها، والبركة إذا حلت في الوقت توسع هذا الوقت وزاد، والبركة إذا حلت في المال نمَّاه الله وكثَّره، والبركة إذا حلت في العيال رزقه الله -عزوجل- برهم، والبركة إذا حلت في العلم نفع الله به صاحب العلم ونفع به السامع، والبركة إذا حلت في العمل مد الله أثره وعظَّم أجره ونفع به، والبركة إذا حلت في البلاد حفظها الله عزوجل من الشرور والأعداء، والبركة إذا حلت بالأسرة نفع الله بها وكانت قرة عين لأهل البيت وللمجتمع، والبركة إذا حلت بالزوجة قامت بالحقوق وبالواجبات وربت الأولاد وأقامت الرجال ومن ثم تقام دولة هذه المرأة، وهكذا كل شيء.

البركة سِرُّ الله -عزوجل

        يقول الله -عزوجل-: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} ويقول الله -عزوجل- {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}، ويقول الله -عزوجل-: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فظاهرة البركة هي سر الله -عزوجل- يهبها لمن شاء من عباده، لا تُكتسب ولا تُشترى، ولكن الله -سبحانه وتعالى- يهبها في الإنسان، في علمه، في وقته، في ماله، في جهده ومن ثم فالإنسان ينبغي أن يحرص كل الحرص أن يكون مستقيما لله -عزوجل- يجتهد في طاعة الله -عزوجل- ويتبع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - كي يُحل الله -عزوجل- بركته في هذا الإنسان، فتكون أعمالك كلها لله -عزوجل- طعامك، شرابك، عملك، تفكيرك يكون ذلك كله لله -عزوجل- ومن ثم تكون عبدا لله وتكون عبدًا مباركًا كما قال الله -عزوجل في حق عيسى عليه السلام-: {وجعلني مباركًا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا}.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك