خطبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً
إِنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، وَأَمَرَ الْعِبَادَ أَنْ يُوَحِّدُوهُ؛ وَنَهَاهُمْ عَنِ الشِّرْكِ وَطَرِيقِهِ وَحَذَّرَهُمْ أَنْ يَسْلُكُوهُ؛ فَقَالَ -تَعَالَى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56) وَقَالَ -تَعَالَى-: {إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} (المائدة:72). وَمَا مِنْ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا وَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَآثَارِهِ عَلَى العَبِيدِ، قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل:36).
التوحيد
وَالتَّوْحِيدُ: هُوَ إِفْرَادُ اللهِ -تَعَالَى- فِي أُلُوهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَفِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَمَنْ أَفْرَدَ اللهَ بالْعِبَادَةِ وَحَقَّقَ التَّوْحِيدَ، وَلَمْ يُخَالِطْهُ بِالشِّرْكِ وَالتَّنْدِيدِ: دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَوْسَعِ أَبْوَابِهَا، وَبَعُدَ عَنِ النَّارِ وَعَذَابِهَا.
الشِّرْكُ نَوْعَانِ
شِرْكٌ أَكْبَرُ وَشِرْكٌ أَصْغَرُ، فَأَمَّا الشِّرْكُ الأَكْبَرُ فَحَقِيقَتُهُ: أَنْ يُعْبَدَ المَخْلُوقُ كَمَا يُعْبَدُ اللهُ، أَوْ يُعَظَّمَ كَمَا يُعَظَّمُ اللهُ، أَوْ يُصْرَفَ لَهُ نَوْعٌ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ أَوِ الأُلُوهِيَّةِ. فَمَنِ اعْتَقَدَ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا مَعَ اللهِ، أَوْ عَبَدَ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللهِ، أَوْ صَرَفَ عِبَادَةً لِغَيْرِهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، أَوْ تَوَكَّلَ عَلَى غَيْرِ اللهِ، أَوْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالكُبَرَاءَ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ أَوْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، أَوِ اتَّخَذَ نِدًّا يُحِبُّهُ كَحُبِّ اللهِ، أَوْ يَخَافُهُ كَخَوْفِهِ مِنَ اللهِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ شِرْكًا أَكْبَـرَ مُخْرِجًا مِنْ مِلَّةِ الإِسْلَامِ، قَالَ -تَعَالَى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء: 48). وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} (التوبة:31) حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ). وَالشِّرْكُ الأَكْبَرُ يُنَافِي التَّوْحِيدَ وَيُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ.
الشِّرْكُ الأَصْغَرُ
الشرك الأصغر َهُوَ كُلُّ وَسِيلَةٍ يُخْشَى أَنْ تُوصِلَ صَاحِبَهَا إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، وَسَمَّاهَا الشَّرْعُ (شِرْكًا)؛ لأنه يُنْقِصُ التَّوْحِيدَ، وَيُخِلُّ بِهِ؛ كَالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ، وَالرِّيَاءِ، وَإِرَادَةِ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ مَطْمَعًا مِنْ مَطَامِعِ الدُّنْيَا، وَهُوَ شِرْكٌ يُنَافِي كَمَالَ التَّوْحِيدِ، وَيُحْبِطُ العَمَلَ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ.
الشِّرْكَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ
إِنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ وَأَشَدُّهَا خَطَرًا، وَأَشْنَعُ الآثَامِ وَأَكْثَرُهَا ضَرَرًا؛ فَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام:82) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13) (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
وَمَا وَصَفَ اللهُ هَذَا الذَّنْبَ بِالظُّلْمِ الْعَظِيمِ؛ إِلَّا لِمَا فِيهِ مِنَ الْجِنَايَةِ الْعَظِيمَةِ عَلَى حَقِّ اللهِ -جَلَّ فِي عُلَاهُ-، وَصَرْفِ الْعَبْدِلِلْحَقِّ إِلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ وَمَوْلَاهُ؛ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
خَطَرِ الشِّرْكِ وَضَرَرِهِ
مِنْ خَطَرِ الشِّرْكِ وَضَرَرِهِ: أَنَّهُ يُخَلَّدُ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ وَجَحِيمِهَا، وَيُحْرَمُ مِنَ الجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا، قَالَ -تَعَالَى-: {إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} (المائدة:72). وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِـرٍ - رضي الله عنه ).
مُحْبِطٌ لِكُلِّ عَمَلٍ
وَالشِّرْكُ مُحْبِطٌ لِكُلِّ عَمَلٍ؛ فَلَا تَنْفَعُ مَعَهُ حَسَنَةٌ قَطُّ إِذَا مَاتَ العَبْدُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ، وَلِهَذَا خَافَهُ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ، قَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (إبراهيم:35)، قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «وَمَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ بَعْدَ الْخَلِيلِ --عَلَيْهِ السَّلَامُ--»؟! وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الزمر:65)، فَالشِّرْكُ إِهَانَةٌ وَإِذْلَالٌ لِلإِنْسَانِ وَكَرَامَتِهِ، وَانْحِطَاطٌ لِقَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ، فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ ذَنْبٍ! وَمَا أَفْظَعَهُ مِنْ جِنَايَةٍ!
التَّوْحِيدَ أَصِيلٌ
إِنَّ التَّوْحِيدَ أَصِيلٌ فِي بَنِي آدَمَ، وَالشِّرْكَ طَارِئٌ عَلَيْهِمْ؛ إِذْ كَانَ النَّاسُ عَلَى مِلَّةِ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَشَرَةَ قُرُونٍ حَتَّى عَبَدُوا الْأَصْنَامَ، وَأَوَّلُ مَا حَدَثَ الشِّرْكُ فِي الأَرْضِ فِي قَوْمِ نُوحٍ حِينَ غَلَوْا فِي الصَّالِحِينَ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (نوح:23)، رَوَى البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا (أَيِ: اجْعَلُوا لَهُمْ صُوَرًا) وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ».
وَهَكَذَا دَبَّ الشِّرْكُ فِي الخَلْقِ، وَتَنَوَّعَتْ أَسْبَابُهُ: مِنَ الغُلُوِّ فِي المَخْلُوقِينَ، وَالجَهْلِ بِحَقِّ رَبِّ العَالَمِينَ، وَتَنَازُعِ الأَهْوَاءِ وَالْأَدْوَاءِ وَالْمُغْرِيَاتِ، وَغَلَبَةِ الحُظُوظِ وَالمَطَامِعِ وَالشَّهَوَاتِ.
مَظَاهِرُ الشِّرْكِ وَوَسَائِلُه
لَقَدْ تَعَدَّدَتْ مَظَاهِرُ الشِّرْكِ بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-وَوَسَائِلُه، وَتَنَوَّعَتْ صُوَرُ التَّلَبُّسِ بِهِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ؛ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَدْعُو غَيْرَ اللهِ، وَيَلْتَجِئُ إِلَى المَخْلُوقِ فِي الضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ، وَيَسْتَغِيثُ بِمَخْلُوقِينَ مِثْلِهِ أَمْوَاتٍ أَوْ أَحْيَاءٍ، أَوْ سِوَاهُمْ مِنَ المَخْلُوقَاتِ وَالجَمَادَاتِ، فِيمَا لَا يَمْلِكُونَ فِيهِ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ جَلْبًا وَلَا مَنْعًا، وَلَا خَفْضًا وَلَا رَفْعًا، {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ - وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (الأحقاف:5-6). وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْبَحُ لِغَيْرِ اللهِ وَيَنْذُرُ لِغَيْرِهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، فَكَيْفَ ذَلِكَ؟! وَاللَّهُ -تَعَالَى- يَقُولُ: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام:162-163)، وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه ).
السِّحْرُ وَالشَّعْوَذَةُ
وَمِنْ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ وَوَسَائِلِهِ أَيْضًا: السِّحْرُ وَالشَّعْوَذَةُ وَالكَهَانَةُ وَقِرَاءَةُ الفِنْجَانِ وَالكَفِّ وَالأَبْرَاجِ، وَتَعْلِيقُ الحُرُوزِ وَالتَّمَائِمِ، وَلُبْسُ الحَلَقَةِ وَالخَيْطِ وَنَحْوِهَا لِدَفْعِ البَلَاءِ أَوْ رَفْعِهِ، وَالتَّطَيُّرُ وَالتَّنْجِيمُ وَنِسْبَةُ النِّعَمِ إِلَى غَيْرِ اللهِ، وَالتَّبَرُّكُ بِالأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ وَالآثَارِ وَادِّعَاءُ عِلْمِ الْغَيْبِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ -]- عَنِ النَّبِيِّ -[- قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -»، وَكَالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ؛ مِثْلِ الْحَلِفِ بِالشَّرَفِ أَوْ بِالأَمَانَةِ أَوْ بِرَأْسِ فُلَانٍ، وَقَوْلِ: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ» وَ«لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ»، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الحذر من الشرك
وَلَا يَحْسَبَنَّ أَحَدٌ - مَهْمَا عَلَا كَعْبُهُ فِي العِلْمِ وَالتَّدَيُّنِ وَالْفَهْمِ - أَنَّهُ بِمَنْأًى عَنِ الشِّرْكِ وَأَسْبَابِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى التَّوْحِيدِ مِنْ جَمِيعِ أَبْوَابِهِ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا خَافَهُ إِبْرَاهِيمُ --عَلَيْهِ السَّلَامُ--، وَلَمَا حَذَّرَ مِنْهُ الرُّسُلُ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ فَهُوَ خَفِيٌّ، أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ؛ فَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ - رضي الله عنه - قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ).
حِمَايَةَ التَّوْحِيدِ
أَلَا وَإِنَّ حِمَايَةَ التَّوْحِيدِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ لَمِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الدِّينِ وَأَجَلِّهَا؛ وَمِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ وَأَكْمَلِهَا؛ إِذْ عَلَيْهَا مَدَارُ النَّجَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء:88- 89)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي، فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
حَيَاةُ المُسْلِمِينَ
فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَيَاةُ المُسْلِمِينَ كُلُّهَا حَافِلَةً بِبَيَانِ التَّوْحِيدِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ أَهْلِهِ، وقَطْعِ مَادَّتِهِ وَسَدِّ ذَرَائِعِهِ؛ لِأَنَّ خَطَرَهُ هُوَ الخَطَرُ الشَّدِيدُ، وَضَرَرَهُ هُوَ الضَّرَرُ الأَكِيدُ. فَلْنَحْفَظْ حِمَى التَّوْحِيدِ وَوَسَائِلَهُ، وَلْنَـتَجَنَّبِ الشِّرْكَ وَأَسْبَابَهُ وَغَوَائِلَهُ؛ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنه - قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئاً وَإِنْ قُطِّعْتَ وحُرِّقْتَ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ).
لاتوجد تعليقات