رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: زين العابدين كامل 13 فبراير، 2024 0 تعليق

ثبوت الإسراء والمعراج والرد على الشبهات

  • الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدالة على صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى فضله وعلو منزلته عند الله تعالى
  • أجمع العلماء على أن المعجزة الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن وذهب كثير من أهل العلم إلى أن المعجزة الثانية هي الإسراء والمعراج
  • من أثبتوا رحلة الإسراء فقط وأنكروا رحلة المعراج فإنهم ينكرون السنة لخلل في الفهم وانتكاسة في العقل
 

لقد آمن المسلمون عبر القرون المتتالية، بوقوع حادثة الإسراء والمعراج للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم خرج من الناس بعض الأدعياء الذين يشككون في حدوث رحلة الإسراء والمعراج، ويطعنون فيما تواتر وأجمعت الأمة على قبوله؛ ولذا كان لابد من وقفة حول هذه الحادثة العظيمة.

التعريف بالإسراء والمعراج

        الإسراء معناه في اللغة: السير ليلاً، وشرعًا: هو الإسراء بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، على البراق بصحبة جبريل -عليه السلام- من مكة إلى بيت المقدس، والمعراج لغة هو: اسمٌ يُراد به المِصعد والسُّلَم، وشرعًا: هو صعود النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلاً من بيت المقدس إلى السماء بصحبة جبرائيل، حتى وصل إلى سدرة المنتهى.

أدلة ثبوت حادثة الإسراء والمعراج

        لا شك أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة، الدالة على صدق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى فضله وعلو منزلته عند الله -تعالى-، كما أن حادثة الإسراء والمعراج من الدلائل على قدرة الله، وعلى علوه -سبحانه وتعالى- على جميع خلقه، قال الله -تعالى-: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء:1). وقد أجمع العلماء على أن المعجزة الأولى للنبي - صلى الله عليه وسلم -، هي القرآن، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن المعجزة الثانية هي الإسراء والمعراج؛ ولذا فإن التشكيك فيها يُعد تشكيكًا في الرسالة، والإسراء ثابت بصريح القرآن الكريم، وقد تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه عُرج به إلى السماوات العلا، وفتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة إلى سدرة المنتهى، فكلمه ربه -تعالى- وفرض عليه الصلاة.

الأسانيد الصحيحة على وقوع المعراج

        ولقد أثبت المحدثون والعلماء بالأسانيد الصحيحة وقوع المعراج للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبت ذلك في الصحيحين وكتب السنن والمسانيد والمعاجم ودواوين السنة، وقد نُقل ذلك عن جملة من الصحابة يزيد عددهم عن العشرين، قال الشنقيطي -رحمه الله في أضواء البيان-: «فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السماوات السبع». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله في الجواب الصحيح-: «وكذلك صعوده ليلة المعراج إلى ما فوق السماوات، وهذا مما تواترت به الأحاديث»، وقال ابن القيم -رحمه الله-: «إنَّ قصة الإسراء والمعراج متواترة»، وقد أثبتت السنة النبويَّة وقوع رحلة المعراج في أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما، ومن ذلك حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - الطويل الذي رواه عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ -رضي الله عنهمَا.

الإيمان بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم 

        والمسلم يؤمن بصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمرجعية عندنا هي الوحي، المتمثل في القرآن والسنة، وأما من أثبتوا رحلة الإسراء فقط، فهؤلاء ينكرون السنة لخلل في الفهم، وانتكاسة في العقل، فلقد جاءت أحكام كثيرة في القرآن مجملة، كأحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفصل تلك الأحكام إلا السنة النبوية، فالسنة تبين القرآن وتفسره، قال الأوزاعي: «الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب»، وفي الحديث الصحيح «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، وهذت قضية مفصلية، ألا وهي قضية حجية السنة النبوية.

توقيت الإسراء والمعراج

          لقد اختلف أهل العلم في توقيت وقوع الإسراء والمعراج، والسبب في ذلك أنَّ الصحابة وسلف الأمة، لم تربطهم عبادة بحادثة الإسراء والمعراج؛ فلقد تعاملوا معها كما تعاملوا مع بقية المعجزات، وإن كانت هذه معجزة أعظم بلا شك. فاختلفوا في أي سنة أو شهر كانت؟ فقيل: في أوائل البعثة، وقيل قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل قبل الهجرة بسنة، وقيل قبل الهجرة بستة أشهر. واختلفوا في الشهر، فقيل في شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ، وقيل في رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وقيل في رجب، وقيل في رمضان، وقيل في شوال، وقيل في محرم. ومن تتبع أحداث السيرة يحصرها ما بين وفاة خديجة والهجرة؛ حيث ماتت أم المؤمنين خديجة في العام العاشر ولم تفرض الصلاة. والإسراء والمعراج كان بجسده - صلى الله عليه وسلم - وروحه يقظة لا منامًا، مرة واحدة؛ لأن بعضهم قد قال: بروحه فقط، وبعضهم قال: كان ذلك في منامه، وقال بعضهم: وقع ذلك مرات عدة، وما ذكرناه هو الصواب إن شاء الله.

شبهات حول الإسراء والمعراج

وردت شبهات عديدة حول الإسراء والمعراج نذكر أهمها فيما يلي: أولًا: أن قصة المعراج لم ترد في القرآن وهذه شبهة غير موضوعية، وهي تتعلق بقضية حجية السنة؛ حيث ثبت في السنة الصحيحة من طرق صحيحة متعددة، حادثة الإسراء والمعراج، ثم كيف نقول في قوله -تعالى-: {مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى (١٦) مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى} (سورة النجم). فهنا تأتي قصة المعراج مجملة في الآيات السابقة، وما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سياق الآيات عن ليلة المعراج، فإنه رآه حقًّا ببصره وبصيرته؛ ولهذا قال: {ما كذب الفؤاد ما رأى} بل تطابق القلب مع رؤية العين، ويدل السياق على أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، رأى جبريل في صورته الأصلية التي خلقه الله عليها، مرتين، مرة في الأفق الأعلى، تحت السماء الدنيا، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة المعراج برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال: {وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى} أي: رأى محمدٌ جبريل مرة أخرى، وقيل بل رأى ربه بفؤاده، وقوله {لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى} يعني ما رأى ليلة الإسراء والمعراج من السموات والجنة والنار والملائكة والأنبياء وغير ذلك من آيات الله العظيمة. ومع ذلك نقول: حتى وإن كانت آيات سورة النجم مجملة، ولكن جاءت السنة الصحيحة مبينة ومفسرة لهذا المجمل. ثانيًا: العلم الحديث يعارض حدوث المعراج ! ويقولون كيف يصعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى السموات، والأكسجين ينتهي عند مسافة معيَّنة من البعد عن الأرض، فمن يصعد في طبقات الجو العليا، يصاب بضيق في التنفس، والمتخصصون في الإعجاز العلمي للقرآن يقولون: إنَّ هذه النظرية جاء بها القرآن في قوله -تعالى في سورة الأنعام-: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}. نقول: هذه شبهة متهافتة لا تنهَض للاحتجاج؛ لأننا نقول: إن هذه معجزة، والمعجزة مخالفة وخارقة للعادة؛ ولهذا سمِّيت معجزة، فمحاولة قياسها على العادَة هو إنكار للمعجزة، وقد وُجِدت في الكون أحداثٌ خالفت العادَة، كمعجزة ميلاد عيسى -عليه الصلاة والسلام-؛ فقد وُلد من دون أبٍ، كما قال الله -تعالى-: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون} (آل عمران: 47)، وكذلك إحياؤه للموتى وإبراؤه للأكمه - وهو الذي يولد أعمى - والأبرص، وغير ذلك كثير. ثالثًا: أن القرآن ينفي احتمال حدوث المعراج ودليل ذلك على حد زعمهم قوله -تعالى-: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولا} (الإسراء: 93). قالوا: فهذه الآية دليل على استحالة حدوث المعراج - في زعمهم -، ومن ثم فإن ما ذكر في المعراج كان رؤيا مناميَّة ولم يكن رؤية يقظة؛ بدليل قوله -تعالى-: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} (الإسراء: 60). والرد على هذه الشبهة؛ أن الآية تردّ على جملة من طلبات المشركين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلها ليست بمقدوره أن يفعلها، بل هي بيد الله؛ ولذا أمره الله -عز وجل- أن يقول: {سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولا}، والمطالب كما جاءت في الآيات {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93). فليس هناك أدنى علاقة بين سياق الآية ومدلولها، وبين ما استدلوا به.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك