رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 22 يوليو، 2010 0 تعليق

القدس عاصمة الثقافــة.. وأكاذيــب يهــــــــــود-الحلقة السابعة-

عندما تحولت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام: انطلقت أبواق السفهاء من اليهود والمشركين والمنافقين؛ فقد عزَّ على اليهود أن يتحوَّل المسلمون عن قبلتهم، وأن يفقدوا حجتهم التي يرتكنون إليها في تشكيك المسلمين في دينهم، فبدؤوا يلقون بذور الفتنة والشك في صفوف المسلمين.

 

قال اليهود: لقد ترك محمد قبلة الأنبياء قبله.

وقال مشركو العرب: توجَّه إلى قبلتنا، ويوشك أن ينقلب بكليته إلى ديننا.

وقال المنافقون: إن كانت القبلة التي توجه إليها أولاً هي الحق؛ فقد ترك الحق، وإن كانت القبلة التي توجه إليها ثانيًا هي الحق؛ فقد كان على الباطل قبل ذلك!!

 

وما زالت أبواق اليهود وأتباعهم تنشر الأكاذيب والشبهات؛ زاعمين أن تحويل القبلة أنهى مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين!! وسنخصص هذه الحلقة للرد على ذلك الزعم القديم المتجدد، وما أشبه اليوم بالبارحة! فهذه الشبه التي يطلقها اليهود وأعوانهم أرادوا منها التشكيك والتوهين والتسخيف، ولكن أنى لهم هذا وحقائقنا وثوابتنا وعقيدتنا في المسجد الأقصى راسخة ومحفوظة بحفظ الله تعالى لكتابه وسنته وتعاليم دينه:

يزعمون:

أن تحويل القبلة أنهى مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين!!

ونقول:

كتاباتهم في هذا الزعم:

كتب: «ياسين دانيال» مؤسس جامعة الدفاع اليهودي: «إن تخلي النبي عنها بوصفها قبلة أولى يعد إهمالاً لها وعدم أهميتها في الإسلام!! وإن القرآن لم يعرها أي نوع من الأهمية ولاسيما أنه لم يذكرها باسمها ولو مرة واحدة!! والقدس لا تذكر على الإطلاق في صلوات المسلمين»!!

فاليهود فرحوا بدايةً باستقبال النبي[ لقبلتهم ورأوا في ذلك مدخلا للحديث عنه[؛ حيث يزعمون أنه قلدهم في القبلة وسار على نهجهم، مع أنه[ ينفذ ما أمره به ربه عز وجل، وحيث أوح إليه باستقبال القبلة فقد نفذ ذلك بفرح وسرور، ولكن اليهود ظنوا أن ذلك لهوىً في نفسه فحاولوا خداعه، فقالوا: يا محمد! ما ولَّاك عن قبلتك التي كنت عليها؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها، نتبعك ونصدقك، وإنما يريدون بذلك فتنته عن دينه.

وقد سمَّاهم الله: (سفهاء)، وأنزل فيهم قرآنـًا، بل أنزله قبل أن يقولوا، وهذا من الإعجاز: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (البقرة : 142).

وأخبر الله - تبارك وتعالى: أنه سيعترض السفهاء من الناس على تغيير القبلة وتحويلها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال المسجد الحرام، وقد وصف من وقع منهم هذا القولُ بالسفه؛ لأنهم اعترضوا على حكم الله وشرعه.

وكان في قوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} ما يغني عن رد قولهم وعدم المبالاة به، ولكنه سبحانه مع هذا لم يترك هذه الشبهة حتى أزالها وكشفها؛ لكيلا يقع في قلوب المؤمنين شيء من الاعتراض، فقال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أي: قل يا محمد مجيبا لهم: لله المشرق والمغرب، وكل الجهات مُلكٌ لله.

فأخبرنا الله - تبارك وتعالى - بذلك؛ لكي تبقى رؤوسنا مرفوعةً، وعرفنا بمن يشككون في معتقداتنا حتى لا نهون في مجالس الصراع، وحتى لا نذل في حربنا معهم، وقد أُخبرنا بهذه الحادثة، لنعرف اليهود على حقيقتهم.

أمر الله أن يستقبل المسلمون الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.

وجاء في تفسير ابن كثير : «ولما وقع هذا حصل لبعض الناس - من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود - ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: {مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثمَّ وجه الله، و {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} (البقرة: 177) أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره.

وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد -صلوات الله وسلامه عليه  -وأمتِه عناية عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم، خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض؛ إذ هي بناء إبراهيم الخليل، عليه السلام، ولهذا قال: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

روى الإمام أحمد في مسنده (6/134-135)، عن علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عُمَر  بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله[ يعني في أهل الكتاب: «إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين».

وتحويل القبلة كان امتحان المؤمن الصادق واختباره، فالمؤمن الصادق يقبل حكم الله جل وعلا، بخلاف غيره، وقد نبّه الله على ذلك بقوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} (البقرة: 143) .

وهذه الأمة هي خير الأمم؛ كما قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} (آل عمران:110)، وقال تعالى في ثنايا آيات القبلة: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} (البقرة: 143). والوسط: العدول الخيار. فالله عز وجل اختار لهذه الأمة الخير في كل شيء والأفضل في كلّ حكم وأمر، ومن ذلك القبلة فاختار لهم قبلة إبراهيم، عليه السلام.

 

لا للهزيمة النفسية

وما أشبه اليوم بالبارحة! فهذه الشبه التي يطلقها اليهود وأعوانهم أرادوا منها التشكيك والتوهين والتسخيف، ولكن أنى لهم هذا؟! وهم يعلمون الحق ويكتمونه، وهم يعلمون أنهم سَيُعْزَلُون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية؛ لِـمَا ارتكبوا من الجرائم التي لم يبق معها مجال لبقائهم على هذا المنصب، فانتقلت القيادة الروحية من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات.

والإسراء بالنبي[ إلى المسجد الأقصى – قبل تحويل القبلة – له دلالة على مكانته؛ فقد شاء الله الحكيم سبحانه: أن يكون الإسراء برسول الله محمد[ من المسجد الحرام في مكة، إلى المسجد الأقصى في القدس، وأن يريه في المسجد الأقصى ما يريه من آياته، وأن يكون معراجه من المسجد الأقصى إلى السموات العلا، وأن يريه ما يريه من آياته.

فمعجزة الإسراء برسول الإسلام[ أكدت مكانة المسجد الأقصى في الشرع الإسلامي، وقد وثقت هذه الرحلة العجيبة توثيقاً خالداً في الآية الأولى من سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء:1).

وحادثة الإسراء: شاهدة على أن القدس للمسلمين، ومكانتها ثابتة في قلوبهم، وفيها إعلان وراثة الرسول محمد[ -خاتم الأنبياء- لمقدسات الرسل قبله، ووراثة الدين الإسلامي لما سبقه من الأديان.

وبعد وفاة رسول الله[، واستقرار الخلافة للصديق أبي بكر - رضي الله عنه -خليفة رسول الله[، حرص الصديق - رضي الله عنه - بعد الانتهاء من حرب الردة أن تكون ديار المسجد الأقصى من أول البلاد فتحاً، فوجّه لها أربعة جيوش، وأمر خالد بن الوليد - وكان بالعراق ولم تفتح بعد- أن يلحق بالجيوش المتجهة إلى بلاد الشام.

وقد عقد ابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» باباً تحت عنوان: «ذكر اهتمام أبي بكر الصديق بفتح الشام، وحرصه عليه».

وتم فتح القدس أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سنة (15 هـ)؛ حيث كان من آخر المعاقل التي تحصن فيها الروم، وحرصوا على بقائها في أيديهم؛ لمِا لها من القداسة في النفوس، وجاء عمر إلى القدس بنفسه؛ بناءً على رغبة أهل القدس المحاصرين ليكتب لهم الشروط العمرية، ويتسلم مفاتيح القدس.

فكان وما زال مجيء الفاروق عمر - رضي الله عنه - لتسليم القدس وبيت المقدس، له دلالة على منزلة المسجد الأقصى وبيت المقدس في نفوس المسلمين.

قال العلامة السعدي: وكان صرف المسلمين إلى الكعبة مما حصلت فيه فتنة كبيرة أشاعها أهل الكتاب، والمنافقون، والمشركون وأكثروا فيها من الكلام والشبه؛ فلهذا بسطها الله تعالى وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من التأكيدات التي تضمنتها هذه الآيات، منها: الأمر بها ثلاث مرات مع كفاية المرة الواحدة، ومنها أن المعهود أن الأمر إما أن يكون للرسول[ فتدخل فيه الأمة، أو للأمة عمومًا وهذه الآية أمر فيها الرسول[ بالخصوص في قوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} والأمة عموما في قوله: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ}.

ومنها: أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة التي أوردها أهل العناد، وأبطلها شبهة شبهة.

ومنها: أنه قطع الأطماع من اتباع رسوله[ قبلة أهل الكتاب.

ومنها: قوله: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ}، فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع هذا قال: {وَإِنَّهُ}.

ومنها: أنه أخبر وهو العالم بالخفيات أن أهل الكتاب متقرر عندهم صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم.

 

الخلاصة: تحويل القبلة لم يلغ مكانة المسجد الأقصى، بل بقيت مكانته عظيمة في قلوب المسلمين وفي الشرع الإسلامي. والمسجد الأقصى والمسجد الحرام بينهما رابط لايتزعزع؛ فهما مهبطا وحي الله على أنبيائه، والتفريط في أي واحد منهما تفريطٌ في الآخر. 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك