رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 24 يوليو، 2010 0 تعليق

القدس عاصمة الثقافــة.. وأكاذيــب يهــــــــــود”الحلقة الثامنة”

 

 

نسج الباحثون اليهود وأعوانهم من المستشرقين الكثير من الأساطير حول الهيكل المزعوم الذي سطروا حوله الكثير من الأكاذيب ، واتخذوا منها المسوّغات للكثير من الإجراءات والممارسات الممهدة لهدم المسجد الأقصى؛ ليعيدوا أمجادهم المزعومة في بناء ما أسموه " هيكل سليمان"!!

أساطير خطتها أيدي أحبار وحاخامات اليهود، ثم نسبتها إلى نبي الله سليمان - عليه السلام- تعمل على إشاعتها المؤسسات العاملة من أجل إقامة الهيكل لتضفي عليها المنطلقات العقائدية!! ومنها ما نُشر مؤخراً وهو الكتاب المصور الذي يحمل اسماً عبرياً يعني: "القدس أولا" تحت شعار "تطوير السياحة في القدس" بالتعاون بين "سلطة تطوير القدس" و"بلدية القدس"، وتحوي صفحاته معالم المخطط القادم بالصور والوثائق والرسومات الهندسية المفصلة لما ستكون عليه البلدة القديمة والمسجد الأقصى بعد إقامة المنشآت الجديدة المزمع تشييدها داخل أسواره، وأسوار البلدة القديمة وما جاورها!!

وأخطر هذه المخططات المفصلة في الكتاب: إقامة الهيكل المزعوم بين قبة الصخرة والمصلى الجامع في صدر المسجد الأقصى!! والهدف من توزيع هذا الكتاب وأمثاله إيصال رسالة صريحة للزائرين من اليهود وغيرهم من السائحين بأن تاريخ تلك الأرض هو تاريخ اليهود فقط!! فهي - بتزييفهم وتزويرهم -  مدينة داود وسليمان والعرب احتلوها وبنوا مقدساتهم على أنقاض كُنُسهم ومقابرهم ومنازلهم!!

وفي الحلقة الثامنة من سلسلة الرد على أكاذيب اليهود المتعلقة بالقدس والمسجد الأقصى سنرد على هذه الأقوال وأمثالها:

يزعمون: أن المسلمين بنوا المسجد الأقصى مكان الهيكل الذي بناه الملك سليمان!!

ونقول: زعم المستشرقون والباحثون اليهود ومنهم "دانيال ياسين" الذي كتب: "إن الأمويين هم الذين أعادوا تفسير القرآن!! لإيجاد متسع للقدس عندما بنوا مسجداً فوق الهيكل، وأسموه: المسجد الأقصى، وأعطوه دوراً بارزاً في حياة الرسول محمد[ بأثر رجعي"!!

ونرد على هذا القول وأمثاله: بأن بقعة المسجد الأقصى لها قداسة على مر العصور، منذ آدم، ومن جاء بعده من الأنبياء والأولياء والعباد، وأساس البناء الأول ثابت في هذه البقعة المباركة، وكل من تتابع على إعمار هذه البقعة أو بنائها أو إصلاحها أو تطويرها إنما يفعل ذلك على الأساس القديم.

وقداسة هذه البقعة "المسجد الأقصى" لم تكن لنبي من الأنبياء، ولا لأمة من الأمم،  فقد اختارها الله واصطفاها لتكون مسجداً للمسلمين الموحدين في كل زمان إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها؛ قال تعالى عن إبراهيم ولوط: {ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} (الأنبياء: 71).

وتلك البركة كانت فيها قبل إبراهيم، وكانت تلك الأرض وهذا المسجد مسرى النبي [ .

وقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ..} (الإسراء: 1)،  يدل على أن البركة موجودة، وأن الله -تعالى- أسرى بعبده إليه؛ تذكيراً الناس ببركته وقدسيته.

وقد وصفت الآية الأولى من سورة الإسراء البيت الحرام بالمسجد الحرام، ووصفت كذلك بيت المقدس بالمسجد الأقصى، وقد كان المسجد الحرام يعجّ بالأصنام، وكان الأقصى محتلاً من قِبَل الروم؛ وفي هذا إخبار رباني للمستقبل بأنّ البيت الحرام سيحرّر من الأصنام ويعود مسجداً للموحّدين من جديد كما كان زمن نبي الله إبراهيم - عليه السلام - وأن المسجد الأقصى سيحرّره المسلمون وسيعود مسجداً كما كان زمن الأنبياء والمرسلين.. وهذا ما تحقق في فتح المسلمين للمسجد الأقصى زمن خلافة الفاروق عمر، رضي الله عنه وأرضاه.

وقال تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} (المائدة: 21)، وهو خطاب موسى لقومه، وفيه دليل على أن القدس وفلسطين مقدسة منذ القِدم، قبل أن يحل بها قوم موسى؛ لأن وجود المسجد الأقصى في القدس وفلسطين كان قبل حلول بني إسرائيل في فلسطين، وقبل أنبياء بني إسرائيل الذين يزعم اليهود وراثتهم.

وفي الأخبار اليهودية المصنوعة يذكرون الهيكل، ويذكرون المذبح، وفي المصادر الإسلامية المسندة جاء اسم: «المسجد الأقصى»، وجاء اسم: «بيت المقدس»، وجاء اسم: «المحراب».

وليس في الأخبار الإسلامية الصحيحة ما ينص على أن ما بناه سليمان كان هيكلاً؛ لأن كلمة «هيكل» مروية عن كتب أهل الكتاب، ونحن لا نثق بما تقوله هذه الكتب، ولا نركن إليها عند تحقيق تاريخنا الإسلامي، وما جاء مصطلح «الهيكل الأول والهيكل الثاني» إلا من ألفاظ ومصطلحات توراتية.

وما أمر الله ببناء المسجد الأقصى إلا لعبادته في هذه البقعة المباركة، وبقعة المسجد الأقصى كانت موجودة ومعروفة؛ ولذلك سكن اليبوسيون بجوارها، ولم يسكنوا فيها؛ لأنها محل للعبادة.

روى البخاري ومسلم أن أبا ذر - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام"، قال: قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة".

وما قام به سليمان - عليه السلام - في بيت المقدس، ليس بناءً لهيكل، وإنما هو تجديد للمسجد الأقصى المبارك الذي هو ثاني مسجد وضع في الأرض؛ كما ثبت في الحديث الصحيح.

روى النسائي وابن ماجه وغيرهما بالسند الصحيح إلى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي[ قال: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه؛ إلا رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، فقال النبي[: «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة».

وقال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (4/138 ) -بعد ذكر آية البقرة، وهي قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة: 127)، وذكر حديث عبد الله بن عمر المتقدم-: «.. لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان ابتدءا وضعهما بل كان تجديداً لما أَسَّسَ غيرهما».

وذكر أكثر المفسرين أن إبراهيم - عليه السلام- قد جدد بناء المسجد الأقصى وأقامه ليكون مسجداً للأمة المسلمة من أبنائه وذريته المؤمنين برسالته ودعوته واستمرت إمامة المسجد الأقصى وبيت المقدس في يد الصالحين من ذرية إبراهيم، عليه السلام.

ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية ج1ص184»: أنه في عهد يعقوب بن إسحق - عليهما السلام- أعيد بناء المسجد بعد أن هرم بناء إبراهيم، عليه السلام، وذكر شهاب الدين المقدسي في «مثير الغرام ص134»: وكان هذا البناء تجديدا.

والمصدر الوحيد لأخبار الهيكل: «أسفار بني إسرائيل»، وهذه تقوم على الأحلام والذكريات! فليست منسوبة إلى نبي، ولم يكتبها من كتبها في وقت الأحداث التي ترويها، فجاء أكثرها من نسج الخيال.

فهل يُعقل أن المكان الذي أسري بالنبي[ إليه هو الهيكل، أو مكان الهيكل؟!... لا؛ بل أسري به إلى المسجد الأقصى البقعة المباركة.

ولم يستطع أحد من الباحثين اليهود تحديد مكان الهيكل بصورة لا تقبل الشك حتى يومنا هذا، ولهم آراء ونظريات عدة بشأن مكان الهيكل، منهم من يقول: تحت المسجد الأقصى المبارك، وأن المسجد الأقصى قد بُني على أنقاض الهيكل.

وبعضهم يرى أن الهيكل يقع فوق الصخرة، وأنها - أي: الصخرة- حجر الأساس لانتشار الكون.

وآخرون يرون أن مكان الهيكل يقع بين مصلى « المسجد الأقصى »، وبين مسجد " قبة الصخرة " في داخل أسوار المسجد الأقصى.

ويرى يهود السامرة : أن الهيكل موجود على جبل جرزيم قرب نابلس.

وبعضهم يقول: إنه في بيت إيل شمال القدس وجنوب رام الله في لوزة أبو لوز.

فلماذا لا يعرف اليهود بالتحديد مكان مقدساتهم؟! ويختلفون ولا يتفقون في ذلك؟ ولماذا يتشبث اليهود بمدينة بيت المقدس، مع العلم أنه لا توجد علامات أو إشارات أو إثباتات تشير إلى أماكن المقدسات اليهودية فيها؟!

ولماذا لا يتشبث اليهود بمدينة الخليل بدلاً من مدينة القدس مع العلم أنها حسب رأيهم مدينة الآباء والأجداد؟ فعند اليهود: أن داود وسليمان كانا ملكين، وإبراهيم كان نبياً.. فكيف تقدس مدينة الملوك ولا تقدس بالدرجة نفسها مدينة الآباء والأجداد والأنبياء؟! فلا شك أن الهيكل أسطورة يهودية، فمن الناحية العلمية الموضوعية، فإن التاريخ لا يثبت وجود هذا الهيكل، بل يعده من الأساطير والخرافات المؤسسة للعقيدة اليهودية.

والمسلمون على مر العصور، لم يعتدوا على أية أبنية أو آثار يهودية، سواء بالهدم أم عن طريق المصادرة، كما أنهم لم يشيدوا المسجد الأقصى فوق هيكل سليمان، بل جاء في موقعه الحالي على أساس قدسية هذه البقعة المباركة بنص القرآن الكريم والحديث الشريف، فهذا الموقع مرتبط ارتباطا وثيقا بالعقيدة الإسلامية.

وأثبت علماء الآثار من اليهود والأوروبيين والأمريكان الذين نقّبوا واشتغلوا بالحفريات والأنفاق تحت المسجد الأقصى ، أنه لا يوجد أثر واحد لهيكل سليمان لا تحت المسجد الأقصى ولا تحت قبة الصخرة، وشاركهم في هذا الرأي كثير من الباحثين اليهود والغربيين؛ مما دفع بعضهم إلى أن يقول: إن الهيكل قصة خرافية ليس لها وجود، ومن أشهر هؤلاء العلماء اليهود "إسرائيل فلنتشتاين" من جامعة تل أبيب، ونشرت آراؤه منذ فترة قريبة، وغيره كثير.

 

فالمسجد الأقصى: قبل سليمان وموسى وإبراهيم، وجدد بناءه أنبياء الله -تعالى-:  إبراهيم وإسحق ويعقوب وسليمان عليهم السلام، ولم يكن في يوم من الأيام معبداً لليهود، ولكنه مسجد لكل أمة مسلمة صَدَّقَت بدعوة نبيها.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك