رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 26 يوليو، 2010 0 تعليق

الطريق إلى الموظف المثالي في مؤسساتنا الخيرية (5)

 

التدريب والتطوير

لا شك أنَّ النجاح والتميز هدف أساس تسعى إليه أي مؤسسة سواء كانت ربحية أم غير ربحية، ولا شك أنَّ تحقيق هذا النجاح يتم من خلال منظومة متكاملة من العوامل التي تشترك معًا في تحقيقه، ولعل أكثر هذه العوامل أهمية هو التدريب، فأي معادلة للنجاح تحاول المؤسسة تحقيقها ينقصها هذا العنصر هي معادلة ناقصة إن لم تكن فاشلة على المديين القصير والبعيد.

فالتدريب هو مفتاح النجاح لكافة العمليات الإدارية التي تنفذها المؤسسة، وهو أفضل استثمار يستثمره مسؤولو العمل الخيري في مؤسساتهم.

وتأتي أهمية التدريب كونه أداة ضرورية للتنمية البشرية في بيئة العمل؛ حيث ينظم جهود المؤسسة، ويعمل على تطوير المهارات والخبرات لدى الموظفين كل في مجال عمله، فضلاً عن أنه يعمل على الترشيد المالي للمؤسسة، وكذلك يعين الموظفين على حسن إدارة الوقت وعدم إهدار الجهد.

ورغم الأهمية الكبيرة للتدريب إلا أنَّ مستوى الوعي بهذه الأهمية لدى كثير من مسؤولي كثير من مؤسسات العمل الخيري يتسم بالقصور والتجاهل، ويتضح ذلك جليًا حينما نجد الإهمال الذي يواجهه هذا العنصر في تلك المؤسسات، فالكثير منهم ما زال يعد التدريب مضيعة للوقت، ويعدون الإنفاق على هذا الباب من أنواع الهدر في أموال المسلمين وغيره من القناعات والأفكار السلبية عن التدريب، والحقيقة أن هؤلاء لم يدركوا المنافع الحقيقية للتدريب.

وكان من نتاج هذا الفهم فراغ الهياكل التنظيمية لتلك المؤسسات من إدارات وأقسام خاصة بالتدريب والتنمية البشرية، فضلاً عن عدم وجود خطط تدريبية للارتقاء بمستوى الموظفين فيها.

عدم المبالاة هذه تعد من الأخطاء الفادحة التي تقع فيها مؤسسات العمل الخيري، والتي تنعكس سلبًا على أدائها العام وإدارة العلاقة بينها وبين باقي مؤسسات المجتمع المدني أو بينها وبين العملاء والمتبرعين.

ونحن حين نتكلم عن التدريب بوصفه خطوة على طريق بناء الموظف المثالي فنحن نتكلم عن  خيار استراتيجي لأي جهة تتطلع إلى تلبية حاجات العمل ومواكبة التطورات والتغيرات السريعة التي تحدث على الساحة العالمية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يأخذ التدريب هذا الحيز من الاهتمام من جانب المتخصصين في الإدارة والتنمية البشرية؟ بحيث يولونه هذا الاهتمام ويخصصون له الميزانيات الضخمة؛ حيث وصل حجم ما يتم صرفه على التدريب والتطوير في العالم في العام الواحد أكثر من 800 مليار دولار سنوياً، أكثر من 100 مليار دولار منها في الولايات المتحدة وحدها، بينما يقدر حجم الإنفاق في العالم العربي على التدريب ما يقارب 250 مليار دولار سنوياً.

 وللإجابة عن هذا التساؤل نقول:إن نتائج الدراسات والأبحاث أثبتت أن تدريب الموظفين أدى إلى زيادة مطردة في إنتاجيتهم وأدائهم؛ مما انعكس على مستوى الرضا الوظيفي لديهم عن المؤسسة التي يعملون بها نتيجة للعائد الذي وجدوه من اهتمام المؤسسة بتدريبهم وتطويرهم، ففي إحدى الدراسات لإحدى المؤسسات الأمريكية أدى التدريب إلى زيادة أجور الموظفين بنسبة تصل ما بين 4٪  و11٪. كما بينت تلك الأبحاث أن الشركات حققت أرباحاً تفوق نسبة هذه الزيادة بأكثر من ضعفين، وبينت دراسة أخرى أن زيادة نفقات التدريب بنسبة 10٪ حققت نسبة تحسن في الإنتاجية بنسبة 30٪.

هذه النتائج وغيرها التي حققها التدريب في إنتاجية وكفاءة وتميز تلك المؤسسات أثبتت أهميته وضرورته لأي مؤسسة تبحث عن منهجية للتغيير تصل بها إلى هذا المستوى، كذلك فإن هناك العديد من الثمرات والنتائج التي حققها التدريب جعلت المختصين يؤكدون أهميته السابقة والتي من أهمها:

- التدريب يحقق أهداف المؤسسة ورؤيتها: بالطبع فالأفراد غير المؤهلين والمدربين بعيدون تمامًا عن تبني رؤية ورسالة المؤسسة، وبالتالي بعيدون عن تحقيق أهدافها.

- التدريب يجلب المال: التدريب المرّكز والفعّال يعود بالأرباح ويعوّض ما أنفقته المؤسسة عليه أضعافًا مضاعفة.

- التدريب مساعد للتغيير: المؤسسات بحاجة لأن تحافظ على مكانة عالية واضطلاع مستمر على التطورات الجديدة حتى تحافظ على مكانتها التنافسية والتسويقية، ولا يأتي هذا إلا بالتدريب.

- التدريب يخلق محترفين: التدريب يخلق موظفين محترفين، لديهم القدرة على بذل جهد مضاعف يساعد في تحقيق الأهداف على أكمل وجه.

- التدريب من أهم المحفزات: فشعور الموظف باهتمام المؤسسة ورعايتها له وتنمية قدراته من أهم المحفزات على بناء الولاء المؤسسي والرضا الوظيفي لديه.

- التدريب ينمي عمل الفريق: بالتأكيد فالتدريب يساعد على العمل بأسلوب الفريق والعمل الجماعي؛ حيث تكون طرائق الأفكار مختلفة ولكن طريقة التنفيذ  واحدة.

- التدريب يوحد المفاهيم: ويتم ذلك من خلال ورش العمل والمحاضرات التي يتم فيها وضع قواعد  أساسية لمفاهيم العمل، بل يتجاوز هذا الأمر للاطلاع على تجارب الآخرين وإمكانية الاستفادة منها.

- التدريب يحافظ على الجودة: فالتدريب من أهم أسس تحقيق الجودة الشاملة والتحسن المستمر في جميع قطاعات المؤسسة.

- التدريب يساعد على مواكبة التطورات التكنولوجية والتنظيمية: التطورات التنظيمية الحديثة تدفع المؤسسات إلى تدريب موظفيها ليتمكنوا من مواكبة واستيعاب تلك التطورات.

- التدريب يقلل الحاجة إلى الإشراف:  فالعامل المتدرب الذي يعي ما يتطلبه عمله يستطيع إنجاز ذلك العمل دون الحاجة إلى توجيه أو مراقبة مستمرة من رؤسائه، وبذلك يوفر وقتهم ويجعلهم يتفرغون للقيام بنشاطات أخرى في خدمة المؤسسة.

- التدريب يحسّن خدمات المؤسسة: وكذلك طريقة تقديم تلك الخدمات؛ مما ينعكس على صورة علاقات جيدة بين المؤسسة وعملائها.

-  التدريب يقلل نسبة الأخطاء الإدارية: فقد دلت الإحصائيات على أن نسبة الأخطاء الإدارية بين العمال المدربين تقل بكثير عن غيرهم من غير المدربين، ولا شك أن معالجة تلك الأخطاء تتطلب كثيرا من الوقت والجهد والمال.

- وأخيرًا: التدريب يحقق الاستقرار الوظيفي في المؤسسة، وإكسابها صفة الثبات وحسن السمعة في المجتمع، فالعامل المدرب يقوم بإدارة عمله على أكمل وجه ممكن؛ مما يؤدي إلى زيادة رضا الإدارة عنه؛ فيقل احتمال ترك العمل والانتقال إلى مؤسسة أخرى، كما أنهم يقومون بالدفاع عن مؤسستهم في أوساط المجتمع.

والسؤال الملح الآن: ألا تكفي مثل هذه النتائج أن تدفع المسؤولين في المؤسسات الخيرية لتبني ثقافة التدريب في مؤسساتهم وتغيير القناعات السلبية عن هذا العنصر المهم، ووضع استراتيجية شاملة للتدريب تحقق أهداف المؤسسة ورسالتها بالجودة المطلوبة التي هي أصل في ديننا الحنيف؟! فالإتقان الذي حثنا عليه النبي[ لا يأتي من فراغ وإنّما من خلال التعليم والتدريب.

آلية تنفيذ استراتيجية شاملة للتدريب في المؤسسات الخيرية:

 (1) بداية يجب تحديد الوظائف الرئيسة التي تُعدَّ أساسًا لنجاح المؤسسة؛ إذ إن في كل مستوى من مستويات الهيكل الهرمي للجهة يوجد عدد من الوظائف القيادية والتنفيذية المؤثرة في سياسات المؤسسة، ويتم تحديد أهميتها من خلال صلتها بتحقيق أهداف المؤسسة، وبناء عليه تعطى درجة الأهمية والأولوية في برامج التدريب.

(2) قياس الأداء الفعلي في تلك الوظائف ومقارنته بمستوى الأداء المطلوب، وتحديد الفجوات المهارية المسببة لعدم تطابق الأداء الفعلي مع مستوى الأداء المطلوب.

(3) يتم تحديد البرامج والدورات التدريبية المناسبة بناء على هذا القياس، والتي تسد الفجوات المهارية التي تم تحديدها لتزويد المتدربين بما يرفع مستوى الأداء لديهم والرقي به.

(4) تخصيص الميزانية الخاصة بتكاليف تنفيذ البرامج التدريبية.

(5) تنفيذ الدورات التدريبية لجميع الفئات المستهدفة حسب طبيعة كل برنامج من خلال الخطة الشاملة المقررة.

 (6) وأخيرًا: حتى نضمن جودة العملية التدريبية يتم قياس العائد من التدريب من خلال المعايير المعدة سلفاً؛ حيث تجري عمليات مقارنة بين الأداء الفعلي بعد التدريب والأداء المستهدف المخطط له قبل التدريب ويتم بحث الأسباب وتوضع في الحسبان لتلافيها في الدورات اللاحقة.

هذه باختصار بعض المؤشرات عن آلية وضع تصور استراتيجي للتدريب بالمؤسسة، وإلا فالأمر يحتاج إلى مقالات عدة عن آليات تنفيذ مثل تلك الإستراتيجيات، وبالطبع لابد أن يسبق ذلك وجود قناعة لدى المسؤولين بأهمية التدريب وجعله خيارًا وهدفًا استراتيجيًا لتطوير أداء مؤسساتهم.

 

ولعلنا نستطيع - بعون الله - أن نغير شيئًا من تلك القناعات السلبية، وذلك من خلال التعرف على تجربة عملية رائدة ومتميزة لأحد أفرع جمعية إحياء التراث الإسلامي الذي تبنى ثقافة التدريب وجعلها منهجًا للتغير والتطوير، ونقصد بذلك لجنة الدعوة والإرشاد فرع السالمية التي أصبحت علامة بارزة ومتميزة من علامات جمعية إحياء التراث الإسلامي في الكويت، فإلى أن نلقاهم في حوار ماتع في العدد القادم إن شاء الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك