الضابط الرابع – الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – من وقف شيئًا مضارّةً بوارثه كان وقفه باطلاً
باب الوقف من الأبواب المهمة التي من الأهميّة تقرير ضوابطه؛ ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم كلّ ذلك على هيئة ضوابط خاصّة بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله-، واليوم مع الضابط الأول وهو من وقف شيئًا مضارّةً بوارثه كان وقفه باطلاً.
وواضحٌ أنّ هذا البطلان ابتداءً دينيٌّ لا قضائيٌّ؛ لأنّ النّيّة أمرٌ باطنٌ لا يطّلع عليه أحدٌ، وإن كانت قد تبدو له قرائن تتمثّل النّيّة فيها، كما يقع في طلاق الفارّ مثلاً، وهو الذي يطلّق زوجته في مرض موته لحرمانها من حقّها في الإرث؛ فإنّ الرّاجح أنّها تورّث، ويُعامَل بنقيض قصده الفاسد.
قال العلّامة الشوكاني -رحمه الله-: «من وقف شيئًا مضارّةً لوارثه كان وقفه باطلاً».
وعلّق عليه بقوله: «لأنّ ذلك ممّا لم يأذن به الله -سبحانه-، بل لم يأذن إلا بما كان صدقةً جاريةً ينتفع بها صاحبها؛ لا بما كان إثمًا جاريًا وعقابًا مستمرًّا، وقد نهى -سبحانه وتعالى- عن الضّرار...».
وذيّل عليه العلّامة صدّيق حسن خان، فقال: «والحاصل أنّ الأوقاف التي يُراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومخالفة فرائض الله -عز وجل- فهي باطلةٌ من أصلها، لا تنعقد بحالٍ».
لكن القضاء ببطلان هذا الوقف ممكنٌ ،إذا اطمأنّ القاضي بالقرائن لظهور قصد الواقف من خلال النّظر والتدقيق في طبيعة تصرُّفه، وقد أشار ابن القيّم إلى ما يدلّ أنّ التحرّي قبل تصحيح هذا النّوع من الأوقاف من واجبات القضاء؛ فقال: «وقد استقرّت سنّة اللَّه في خلقه شرعًا وقدرًا على معاقبة العبد بنقيض قصده، كما حَرَم القاتلَ الميراثَ، وورَّث المطلّقة في مرض الموت، وكذلك الفارُّ من الزكاة لا يسقطها عنه فِرَاره، ولا يُعَان على قصده الباطل وكذلك عامّة الحِيَل، إنما يُساعدُ فيها المتحيّل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع».
وقد قدّم العلّامة المقّري المالكي ضابطًا حسنًا تُعرف به الصورة التي يجب أن يُنظر فيها إلى القصد بدقّة، وبناء الحكم على مقتضى ذلك النّظر؛ فقال: «إذا كانت صورةُ الجواز مما يكثر القصد بها إلى الممنوع، عدت اتفاقاً، وإنْ ندَرَت؛ بحيث لا يخطر إلا بالإخطار لم تعتبر».
ولا حاجة لإيراد تطبيقات لهذا الضابط؛ لأنّه يدور على فكرة مركزيّةٍ واحدةٍ، هي من قطعيّات الشريعة، وهي أنّ لكلّ امرئٍ ما نوى.
لاتوجد تعليقات