الحفاظ على الأسرة من أهم مقاصد الدين
يُعنى الإسلامُ عنايةً عظمى ببناءِ الأسرةِ وصونِها من أي سهام توجه إليها، ذلكم أن الأسرة قاعدة المجتمع، ومدرسة الأجيال، وسبيلٌ للعفة، وصونٌ للشهوة، وبناء الأسرة في الإسلام متين القواعد، عميق الجذور، لا ينبغي أن نفرط فيه أو نهمل العناية به بأي طريقة من الطرائق؛ لذلك تُعنى هذه الصفحة بشؤون الأسرة المسلمة.
إن الأسرة بُنيان المجتمع، والحفاظ عليها من أهمِّ مقاصد الدِّين الحنيف، وقد بيَّن الله -تعالى- الأحكامَ الشرعيَّة التي تسير عليها حال استقرارها وحال اضطرابها؛ فشرع الله -تعالى- من طرائق الإصلاح بين الزوجين قبل الإقدام على الطلاق، ما يَكفل حِفظَ الأسرة من الانفكاك، وحمايتها من غوائله، وقدَّم الصُّلحَ على الفراق، فقال -عز وجل-: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء: 128)، وقال -سبحانه-: {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء: 129).
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
فقوله -تعالى-: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء: 128) لفظ عام مطلَق، يَقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف خيرٌ على الإطلاق، ويندرج تحت هذا العموم أن الصُّلح بين الزوجين خيرٌ من الفرقة، أو خير من النشوز والإعراض، ولقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يَسعى للإصلاح، وكثيرًا ما جاءه الأزواج والزوجات يَشكون ويشتكين، فيتدخَّل -عليه الصلاة والسلام- بالحِكمة الطيبة، وكان يذكِّر النساء بمكانة الزوج، كما جاء عن الحصين بن محصن، أنَّ عمَّةً له أتَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في حاجة، ففرغت من حاجتها، فقال لها النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: «أذاتُ زوج أنتِ؟»، قالت: نَعم، قال: «كيف أنتِ له؟»، قالت: ما آلوه، إلَّا ما عجزت عنه، قال: «فانظري أين أنتِ منه؛ فإنما هو جنَّتك ونارك».
الميثاق الغليظ
وقد وصَف الله -تعالى- عَقد النِّكاح بالميثاق الغليظ، فقال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 21)، وسمَّاه عُقدة، فقال: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه} (البقرة: 235)، ومقتضى وصفه بالميثاق الغليظ أنَّه يلزم منه الإلزام والاستدامة، والنصح والوفاء، وترك الكذب والظلم والخديعة؛ ولذا فالأصل في النِّكاح الاستدامة والسَّكَن والاستقرار، وعلى هذا فيجب على الزوجين أن يقاوما كلَّ ما يهدِّد ذلك، ورغَّب الشارِع في الإبقاء على عُقدة النِّكاح، وأمر الزوج بالمعاشرة بالمعروف، ولو مع كراهته لزوجه، قال -تعالى-: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء: 19)، والآية تأخذ الأبصار إلى النظر في المآلات، إلى الخير الكثير الذي يَنضوي تحت العيب الحاضر المشاهد، وتأخذ بالبصائر إلى استِذكار الحسنات، حين تقع العين على السيئات والعيوب، حتى يكون النَّظر بإنصاف واتِّزان وموازنة بين حسنات الزوجة وسيئاتها.
الإهانة والانتقاد المستمر تدمير للعلاقات الأسرية
الأسرة هي المصدر الرئيس للدعم والتحفيز؛ لذا فمن الممكن للكلمات السلبية أن تدمر أساس العلاقات الأسرية، فبعض أعضاء العائلة يقولون أشياءً وأموراً ويوجهون انتقادات يظنون أنها قد لا تؤذي أحدا وقد لا تضر بمشاعر الآخرين، ولكن الواقع على عكس ذلك تمامًا، فمن الممكن أن تحطم كلمة واحدة روابط وثيقة امتدت لأعوام وأعوام.
الطلاق وأثره على الأسرة
الآثار السلبية للطلاق على الزوج
تشير بعض الدراسات إلى أنّ الرجل هو أكثر تأثراً بالطلاق مقارنةً بالمرأة على المدى القصير بعد الطلاق، ولا سيما في أمور الرفاهية الحياتية وما يتعلق بالتدابير الذاتية؛ حيث إنّ كل اعتماده كان على زوجته في هذه الأمور قبل وقوع الطلاق، أما على المدى المتوسط والطويل فتتشابه نوعاً ما الآثار المترتبة على الطلاق للرجل مع الآثار الواقعة على المرأة من آثار نفسية وجسدية وصعوبة اندماج في المجتمع والعائلة من جديد، سيعاني الرجل غالباً من ضعف تواصله مع أطفاله إذا ما كانت حضانتهم في يد الأم، مما يشعره بأنّه أصبح بعيداً عنهم ولم يعد جزءاً مهماً في حياتهم ولم يعد بإمكانه مشاركتهم حياتهم والأحداث المهمة فيها، وسيكون عليه انتظار موعد محدد لمقابلتهم، أما على الجانب الوظيفي المادي فإنه يظهر واضحاً عدم قدرة الرجل على الاستقرار بوظيفة ما، وقد يصل الأمر لفقدانه لوظيفته وتعطله عن العمل، وهي بالتأكيد آثار لما تعرّض له من ضغوطات نفسية واجتماعية في فترة الطلاق.
آثار الطلاق على الزوجة
تواجه المرأة بعد الطلاق العديد من الآثار السلبية من حزن قد يصل لدرجة الاكتئاب، فضلا عن مشاعر الخوف والذنب والقلق تجاه أطفالها؛ نتيجة تفتيت الأسرة، أما عن الجانب الاقتصادي فيعد المؤثر الأكبر على حياة الزوجة وأولادها بعد الطلاق؛ إذ يتحملون الأعباء الاقتصادية المرتبطة بتأمين المسكن ودفع الفواتير والنفقات المنزلية المختلفة.
آثار الطلاق على الأبناء
سيعاني الأطفال العديد من الآثار السلبية على حياتهم وصحتهم النفسية، وتقسم هذه الآثار لآثار قصيرة الأجل تظهر على المستوى القريب بعد الطلاق من القلق والعصبية والتقلبات المزاجية والميل للعزلة وشعور خيبة الأمل نتيجة تفتت الأسرة، وأما الآثار طويلة الأجل فستظهر على سلوكهم الاجتماعي مع الآخرين وفشلهم ببناء علاقات سليمة مع الآخرين، وتعرضهم للاكتئاب.
من تراجم النساء
الصابرة (أم الشهيد) نسيبة بنت كعب
هي أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الأنصارية -رضي الله عنها-، كانت من أوائل أهل يثرب دخولاً في الإسلام، فقد كانت واحدة من إحدى امرأتين انضمتا إلى سبعين رجلاً من الأنصار لمبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيعة العقبة الثانية.
صفاتها
عُرِفت بأنها الصحابية المجاهدة الصابرة الحريصة على ابتغاء الثواب والأجر، أتت أم عمارة -رضي الله عنها- النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماّ، فقالت: ما أرى شيئا إلّا للرجال، وما أرى النساء يُذكَرنَ بشيء؟ فنزلت الآية {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ.....}حتى قوله -تعالى- {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}.
صور من جهادها
شاركت أم عمارة -رضي الله عنها- في غزوة أحد وحنين واليمامة والحديبية وخيبر، ففي غزوة أحد شاركت مع زوجها وابنيها؛ لتسقي الجرحى وتطببهم، ولما دارت الدائرة على المسلمين حملت سيفها ودافعت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هي وزوجها وابناها، وأبلت بلاءً حسنًا، وقد دعا لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكونوا رفقاءه في الجنة. وفي سنة 6 هـ كانت أم عمارة -رضي الله عنها- ممن بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عمن بايعه يومها: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة».
شَهِدَت أم عمارة بعدئذ صلح الحديبية، وحضرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عُمرة القضاء في العام التالي، وبعد فتح مكة، خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة حنين، ووقع المسلمون في بداية المعركة في كمين نصبته هوازن، ففر معظم جيش المسلمين، حينئذ وقفت -رضي الله عنها- وفي يدها سيف تصيح في الأنصار أيّة عادة هذه؟! ما لكم وللفرار، ووقفت تقاتل مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فعاد المسلمون إلى القتال بعدما رأوا ثبات النبي في المعركة.
الصابرة أم الشهيد
احتلّت -رضي الله عنها- مكاناً عالياً في مقام الصبر، حين اختُبِرت في فجيعة فقدان الولد، لمَّا أُسِر على يد مسيلمة الكذاب، وأذاقه ألوان العذاب حتى قطّعه إرباً إرباً، فأقسمت نسيبة لتنتقمنّ منه، وفي يوم اليمامة استأذنت أم عمارة الخروج مع من خَرَج لقتال مسيلمة؛ فأذن لها أبو بكر - رضي الله عنه - بعد أن أوصى خال بن الوليد - رضي الله عنه - بها، وكان عمرها آنذاك قد زاد عن الستين، ولكن لم تضعف عزيمتها، وقد جُرِحت أحد عشر جرحاً ما بين طعنة برمح وضربة بسيف، وقطعت يدها، لكنها لم تكترث لما أصابها، فلما رأت ابنها عبدالله قَتَل مسيلمة الكذّاب سجدت لله شكرا أن خلصهم من مسيلمة وكفره وكذبه.
وفاتها
تشير الدلائل إلى أنّ وفاة أم عمارة -رضي الله عنها- كانت في مطلع خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في السنة الثالثة عشر للهجرة، بعد أن عاشت حياة معطاءة حافلة بالتضحيات؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
لاتوجد تعليقات