الحرب على غزة… وقفات وعبر
تتجدد الحرب على غزة، وتتكرر مشاهد الاعتداءات اليهودية على أهلها، وما زالت صور اعتداءات اليهود السابقة ماثلة أمامنا، فذاكرتنا لم تمسح بعد. ومع الاعتداءات الجديدة على غزة سأقف عشر وقفات أجملها بالآتي:
(1) الخوف والجبن
صور الخوف والهلع الذي أصاب الكثير من اليهود، ولملمتهم بأخف ما يحمل لينتقلوا إلى مناطق ظناً منهم أنها أكثر أمناً من صواريخ مصوبة من غزة الأبية، تلك الصور جعلتني أستحضر قول الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} (البقرة 94-96).
بل إن حالات الهلع والخوف التي أصابت العجائز والشباب والصغار أصابت كذلك الجنود الذين حاولوا أن يحتموا بقطع معدنية صغيرة!! وسؤالنا لهؤلاء اليهود: أين دعواكم الباطلة بقولكم: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة 80)، وقولكم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}؟!
فإن كانت لكم معشر يهود الجنة يقيناً فحنوا واسعوا إليها، ولا سبيل لدخولها إلا الموت، فتمنوا الموت واستعجلوه إن كنتم صادقين.
(2 ) القوة الرمي
لا سبيل لتحرير فلسطين من اليهود المعتدين إلا بإعداد العدة والجهاد، وهذا ما أثبته الدين والواقع وسنن الأمم والشعوب، ففي السابق كانت موازين القوى كلها تماماً للعدو الغاصب، ولكن الآن تغيرت وتبدلت، وأضحوا يألمون كما نألم، فقد اختبر اليهود قدرات المجاهدين في غزة، وأيقنوا أن الأمور تحولت، فالصواريخ التي وصلت إلى قلب العدو، وأفشلت الغطاء الحديدي الذي ادعوه، غيرت المعادلة، وأضحت إمكانات تصنيع السلاح وتطويره في غزة أشبه بمعجزة لا تتصور، وإسقاط الطائرات وتدمير المدرعات تحولت من آمال إلى واقع مشاهد، ومما أدرك الصحابة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، ألا إنَّ القُوة الرَّميُ، ألا إن القُوة الرمي»، فالرماية دين، وامتلاك الأمة وسائلها دين أيضًا، والله تعالى يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (الأنفال:60)، ويحدثنا الإمام الشافعي عن رمايته يقول: «كنت ألزم الرمي، حتى كان الطبيب يقول لي: أخاف أن يصيبك السل من كثرة وقوفك في الحر، وكنت أصيب من العشرة تسعة، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة»، ويروي تلميذه المزني أنه خرج مع الشافعي يومًا فمر بهدف فإذا برجل يرمي بقوس عربية، فوقف عليه الشافعي ينظر، وكان حسن الرمي، فأصاب بأسهم فقال الشافعي: أحسنت، وبَرَّك عليه، ثم قال: أعطه ثلاثة دنانير، واعذرني عنده»؛ لأنه يستحق أكثر من الدنانير الثلاثة، فرمايته تحفظ البلاد والعباد.
(3) الدم الفلسطيني
الدم الفلسطيني يبقى أرخص دم يسفك ليحقق مكاسب سياسية وعسكرية ودعائية انتخابية، وهكذا تُسال الدماء ليرضى الناخب اليهودي الذي تستهويه تلك الممارسات المجرمة ومنظر الدماء الفلسطينية المهدرة.
لا شك أن المشروع اليهودي ماضٍ، والممارسات الوحشية لن تتوقف والصمت الدولي على جرائم الحرب اليهودية يعني تورط هذا المجتمع في هذه الجرائم، مما يفضح حقيقة الموقف الدولي تجاه الصراع العربي الصهيوني، حيث يوفر الشرعية والدعم الكامل لجرائم الاحتلال بكل ألوانها.
على الرغم من كل صيحات التنديد... وتحميلهم عواقب الممارسات، ومع ذلك فاليهود - قادة وشعبا وأحزابا ومؤسسات - سائرون في مخططاتهم واستفزازاتهم، وما زالت الاعتداءات مستمرة، والممارسات مدروسة ومحسوبة النتائج ومفضوحة الأهداف لكل من عرف تاريخ اليهود وافتعالهم للأحداث لينالوا أهدافاً أخرى يرجونها، فالحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع هي أن اليهود يصعّدون ويعملون على استمرار الأحداث في فلسطين، وفي هذا استمرار لوجودهم!!
لقد برهن قادة الكيان اليهودي منذ إنشائه على أنهم إرهابيون عنصريون.. يمجدون العنف ويتلذذون بالعدوان وقهر الفلسطينيين وتدميرهم وإبادتهم، ونقض العهود، ورفض جميع القرارات الدولية، ومعاملة غيرهم معاملة الحيوان!!
( 4 ) اليهود يهود
لا شك أن ادعاء الباطل واستخدام أدواته عملٌ يجيده اليهود، هذا ما أخبرنا به الباري عز وجل، قال تعالى: {وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً}(1)، ووصل بهم التحريف والتزييف إلى أنهم حرفوا كتاب الله التوراة، قال تعالى: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه} (2)، ولم يكتفوا بالتحريف والتأويل وزادوا عليه الكذب والافتراء، قال تعالى: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (3)، وأكملوا مسيرتهم بمحاولتهم خداع أهل الإيمان، قال تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} (4).
وقد لخص ابن قيم الجوزية - رحمه الله - ما وصفهم به الله تعالى في كتابه، من أوصاف لازمتهم بقوله: «فالأمة الغضبية هم (اليهود) أهل الكذب والبهت (5) والغدر والمكر والحيل، قتلة الأنبياء وأكلت السحت –وهو الربا والرشا – أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء، وديدنهم العدواة والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم من الأنبياء حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمَّة... أضيق الخلق صدوراً، وأظلمهم بيوتاً، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجية، تحيتهم لعنة، ولقاؤهم طيرة، شعارهم الغضب، ودثارهم المقت» (6).
فالكذب والخداع من أساليب اليهود المتأصلة في نفوسهم التي لا تنفك عنهم مهما طال الزمان وتعاقبت العصور، فهذه جبلّتهم.
(5) خطاب الخداع
يتكرر الخطاب الإعلامي اليهودي المخادع مع كل تصعيد وحرب جديدة، ويطل علينا عبر الفضائيات العربية قادة اليهود ليبرروا ممارساتهم، وكأنهم الحمل الأليف الذي يضحي من أجل حماية أبنائه من الاعتداءات، ليحولوا الجاني -بخبث وإتقان - إلى ضحية.
وعند بدء حرب اليهود الحالية على غزة، وفي جلسة مع مجموعة من الإخوة، قال أحدهم: إن خطاب قادة اليهود وتسويغاتهم -في وسائل الإعلام العربية والعبرية - للدفاع عن أنفسهم وأطفالهم منطقية!! فأجبته بعد التأكد من قصده، بأن الخطاب الإعلامي اليهودي هو خطاب أعد بإتقان، ويدرب عليه ساستهم وإعلاميوهم باحتراف، وبعد مناقشة سريعة، ولأدلل على ذلك، قلت له سأقول لك باختصار العبارات التي ينطق بها هؤلاء، وأنظر هل أقنعك بها أم لا؟!
- ماذا سنعمل تجاه إطلاق الصواريخ المتعمدة على التجمعات المدنية؟
- من حق إسرائيل الدفاع، ومن حقها العيش بكرامة، وعلينا أولاً وقف الصواريخ على أطفالنا ونسائنا وشيوخنا لنحفظ لهم الأمن والأمان.
- نحن نريد السلام ولكننا نواجه بالصواريخ، لقد انسحبت إسرائيل من غزة آملة في تحقيق السلام وحل الدولتين لكن تم الرد عليها بالصواريخ من الإرهابيين.
- هنالك جرحى مدنيون إسرائيليون يعانون، وكذلك هنالك فلسطينيون قتلوا أو جرحوا يعانون أيضاً. وهنالك أمهات فلسطينيات فقدن أطفالهن...ولا ينبغي أن يدفن الآباء والأمهات أطفالهم.
- ماذا سنفعل تجاه أمطار من الصواريخ على رؤوس المدنيين؟ حقاً إنه لمحزن وأمر مأساوي لا بد من إيقافه، فمن حق كل طفل فلسطيني أو إسرائيلي أن ينعم بحياة بعيدة عن الخوف من هجوم صاروخي.
- لا بد من وضع حد لمعاناة كلا الجانبين، فالآباء الإسرائيليون يتفهمون خوف الآباء الفلسطينيين على أطفالهم ذلك أنهم مروا بالموقف نفسه.
- أقول للفلسطينيين: إنكم تستطيعون وضع حد لإراقة الدماء، أنتم تستطيعون وقف الهجمات الصاروخية إن أردتم ذلك حقاً تستطيعون وضع حد لموجة العنف هذه، وإذا لم تشاءوا فعل ذلك من أجل أطفالنا فليكن من أجل أطفالكم.
- نحن نحب السلام ونعمل لتحقيقه... نريد حياة هانئة للفلسطينيين والإسرائيليين، ونحن نعمل للازدهار الاقتصادي للفلسطينيين، من حق الأطفال أن يتمتعوا بحياة كريمة.
- نقول لغزة: اشتروا الكتب لا القنابل، وأنفقوا على التعليم والحياة الكريمة لا على الجهاد والخوف، أوقفوا الصواريخ وليحل السلام!!
وبعد تلك النشرة التي تحاكي عبارات ساسة اليهود وإعلامييهم، قلت له: هل أيقنت بأن الخطاب الصهيوني خطاب مدروس ومدرب عليه المعنيون أفضل تدريب، وهو خطاب متجدد حسب الحالة والممارسات؟!
فالخطاب الإعلامي عند اليهود ليس هو تلك التحاليل أو النشرات أو التصريحات أو الصورة أو المقطع، إنما هو دراسة عملية منتقاة لألفاظ وعبارات تستخدم لتحول الضحية إلى جان والجاني إلى ضحية. وهكذا تكون الحرب الإعلامية، وهكذا تُغير قناعات المشاهد.. وشعار اليهود الإعلامي: «لنكرر الأكاذيب ولنحولها إلى حقائق»، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون حق العلم أن اليهود الصهاينة جناة مغتصبون محتلون.
ومع ذلك ستبقى الحقيقة ساطعة لأصحاب البصر والبصيرة...فهو احتلال غاصب ظالم مجرم أقام كيانه على حضارة وتاريخ إسلامي، وقد قتل البشر واقتلع الشجر ودنس المقدسات، وما زال يمارس القصف والتدمير ومع ذلك هو زائل لا محالة.
(6) الحرب الإلكترونية
كشفت مواقع إعلامية يهودية، أن الحرب الإلكترونية التي ينفذها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع شخصية، طالت الموقع الشخصي لما يسمى بوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي (يتسحاق أهارونوفيتش) الذي ادعى نشر أقوال بذيئة وتهديدات على صفحته على موقع (فيسبوك) الاجتماعي.
واعترف وزير المالية الإسرائيلي بموجة الهجمات الإلكترونية الأخيرة. مشيراً إلى أن الحكومة تخوض حرباً أخرى على جبهة ثانية، منوهاً بأن الأجهزة المختصة قامت بمنع 44 مليون عملية اختراق للمواقع الإلكترونية الإسرائيلية خلال الأيام الأربعة الماضية.
وفي تطور جديد أعلنت القناة اليهودية الثانية أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) نجحت مساء الثلاثاء 20/11 في اختراق بث قنوات التلفزة الإسرائيلية، وأرسلت من خلالها رسائل تهديد إلى الجيش الإسرائيلي في حال قرر الدخول براً إلى قطاع غزة.
وأوضح موقع القناة الإلكتروني أن العديد من الإسرائيليين لاحظوا أمس في تمام الساعة 22:30 مساء انقطاع بث قناتي التلفزيون الثانية والعاشرة لدقائق عدة، وبث شريط فيديو بعنوان (رسالة إلى سلاح الدبابات الصهيوني). وشُوهد خلال الشريط عناوين باللغتين العبرية والعربية تحذر وتهدد جيش الاحتلال الإسرائيلي من الدخول في عملية برية لقطاع غزة، وصور صاروخ يطلق من قطاع غزة ويدمر دبابة تابعة للجيش الإسرائيلي على الحدود.
ونقل الموقع عن (إيرز طال) أحد كبار الصناعة الإعلامية في (إسرائيل) وصاحب فضائية خاصة، قوله: «إن الحديث يدور عن حادثة خطيرة، وليس مجرد اختراق أو تشويش، وآمل أن تفهم المنظومة الأمنية إلى أي حد هذا الأمر خطير.
وأضاف: «ما تم أمس هو عرض للقوة، ومع القليل من الإبداع والتخطيط يمكن أن يخلق هذا الأمر حالة من الذعر الخطير».
ولا شك أنها جبهة قتال جدية علينا أن نخوضها، فالحرب الإعلامية لا تقل شأناً عن الحرب بالجند والعتاد.
(7) كلمات العزة
رغم المصائب التي حَلَّت بأهل غزة، ونزلت بساحتهم من سفك دمائهم، وهدم بيوتهم، وترويع أبنائهم، إلا أنهم باتوا أصلب عوداً، وأمضى عزيمةً، وأقوى إرادة، يلهج أكثرهم بالإيمان وعبادة الرحمن، نذروا أنفسهم وأموالهم وأولادهم للشهادةِ في سبيل الله.
ومع كثرة وسائل الإعلام والصحفيين ونقلها لآراء أهل غزة، فلم نجد من ينقل عنهم سخطاً أو إحباطاً، ولعل تلك الكلمات التي نسمعها تجدد في الأمة روح الجهاد والبذل والعطاء لله وفي سبيل الله تعالى، تخرج من أناس مرابطين على أرض الطُّهِر والجِهاد، مقام الطائفة المنصورة بإذن الله، لتُظهر البركة في الجهاد عندما تستكين الأمة، وتخذل وتذل من الشرق والغرب.
نحمد الله تعالى أن أنطق في هذه الأمة من يرفع بعضاً من الذل والهوان الذي نعيشه، بعد أن أصبحنا مغلوبين على أمرنا، ولا حيلة لنا في ظل الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين، كلمات تخرج من أفواه عرفت معنى الرباط والجهاد وعزته، في زمن التقاعس والذل والهوان.
(8) ما الجديد الذي سيمارسه هذا العدو؟!
الاحتلال الصهيوني وخلال مسيرة إجرامه جمع بين كل أنواع وأهداف الاحتلال الذي عرفته البشرية على مر العصور احتلال اغتصب الأرض، وشرد الشعب، واقتلع الشجر وقتل البشر وهوّد الحجر!! وشوه التاريخ، وغير المعالم؛ فهو: احتلال عسكري إرهابي إحلالي ديني عنصري تهويدي استيطاني إفسادي تدميري إذلالي تدنيسي ارتكب 34 مجزرة، ففي عام 1948م شرد بالقوة 800 ألف فلسطيني من أصل 925 ألفاً، وأكمل مسيرة العدوان في عام 1967م فتم تشريد 330 ألف فلسطيني. ووصل عدد حالات الاعتقال إلى ثمانمائة وخمسين ألف حالة اعتقال، واستخدامهم لأكثر من 150 أسلوبا لتعذيب الفلسطينيين في السجون، ومازال في سجونه ما يقارب 11 ألف أسير وأسيرة.
ومع ذلك نسمع كلمات العزة في زمن الذلة، ولعل تلك الكلمات تجدد في الأمة روح البذل والعطاء لله وفي سبيل الله من أناس مرابطين على أرض الطُّهِر والجِهاد، مقام الطائفة المنصورة بإذن الله، فهم رغم المصائب التي حَلَّت بهم، ونزلت بساحتهم من سفك دمائهم، وهدم بيوتهم، وترويع أبنائهم، إلا باتوا أصلب عوداً، وأمضى عزيمةً، وأقوى إرادة، يلهج أكثرهم بالإيمان وعبادة الرحمن، نذروا أنفسهم وأموالهم وأولادهم للشهادةِ في سبيل الله.
نعم لقد ابتلي الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية بكيان يهودي أسمى نفسه «دولة إسرائيل»... احتلال لا مثيل له، ومع ذلك فإن مصيبة اليهود وقادته أعظم حينما اختاروا أرضاً لا تصلح لهم.. بها شعب سيستمر في المقاومة لتحرير أرضه من الغرباء؛ لأن هذه الأرض جزء من حياتهم وعقيدتهم.
(9) فليكن جهاداً مع الصبر
وفي ظل هذه الأزمات التي تمر على إخواننا في فلسطين عامة، وغزة على وجه الخصوص، أهم ما نحتاج إليه نحن جميعا في هذا العصر الذي كثرت فيه المصائب وتعددت أوجهها، الصبر؛ لأنه عادة الأنبياء والمتقين، وحلية أولياء الله المخلصين، فالصبر ليس حالة جبن أو يأس أو ذل، بل الصبر حبس النفس عن الوقوع في سخط الله تعالى، وتحمل الأمور بحزم وتدبر, والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب: {أُوْلَـئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً} (الفرقان:75)، وقال تعالى عن أهل الجنة: {سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد:24)، فهو المحك الرئيس لصدق العبد في صبره، واحتسابه مصيبته عند الله، وقال سبحانه مُصَبِّرًا وواعِدًا بالحسنى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون}.
ولنبشر جميعا بنصر الله تعالى إذا حققنا العبودية لله سبحانه، حينها يصبح الحجر والشجر جندا من جنود الله تعالى، ويكون التمكين للمسلمين في الأرض: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فألئك هم الفاسقون}.
وفي الختام، نوصي أنفسنا وإخواننا على أرض فلسطين بما وَصَّى به الله عباده المؤمنين في خاتمة سورة آل عمران؛ حيث قال: {يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}.
ونوصي إخواننا خارجها بنصرة إخواننا المنكوبين بكل ما أوتينا من قوة ودعم وبذل وعطاء، فلا نتوانى في العطاء... يا أمة العطاء.ولنرفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل فليس أقل من الدعاء.... اللهم انصر أهلنا في فلسطين، وثبت أقدامهم، ودمر عدوك وعدوهم.
( 10 ) المستقبل للإسلام والمسلمين في فلسطين
نعم.. المستقبل لنا في فلسطين بمدنها وبساتينها وبحارها وسهولها وجبالها ووديانها... ليس شعاراً نرفعه لنتكئ على الأمل والرجاء... بل هو منهج وعقيدة، نؤمن يقيناً بأن أرض فلسطين ستعود.. ولن يطول الانتظار إن رجعنا وتمسكنا بأسباب عزنا ونصرنا مهما ادلهمت وتكالبت الأعداء، وتداعت الأمم، وتحالف المخذلون، سيبزغ نور الفجر من جديد بإذنه تعالى.
والظلم سيزول كما زال ظلم الجبابرة على مر العصور... ونقول لكم يا من احتللتم أرضنا: إنكم راحلون... ونحن باقون... رغم المآسي والآلام... ورغم الجراح والشتات... ونحن على يقين بأن المستقبل لنا... لعودتنا إلى فلسطين... وعودة فلسطين إلى أمتنا التي دافعت عنها، وروتها بدمائها وفلذات أكبادها.
ونقول لأمتنا: ستزول دولة العدوان أسرع مما تتوقعون، إن تمسكنا بديننا وثوابتنا ووحدنا صفوفنا، فنحن على يقين بأن كيانهم لن يدوم... وظلمهم سيزول، وسيبزغ نور جديد يعيد لأرض المقدسات وأرض المسرى مكانها ومكانتها.
ونقول لآل صهيون ظل الصليبيون محتلين لبيت المقدس واحدا وتسعين عاماً، هتكوا خلالها الحرمات، وقتلوا نحو سبعين ألفاً من المسلمين، وغيروا المعالم وعاثوا فساداً.. وفي النهاية كان مصيرهم الزوال عن أرض المسلمين بقيادة القائد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، فأرض الرسل والرسالات لن تدوم بيد قتلة الرسل والأنبياء.
الهوامش:
1- سورة الأعراف، آية 146.
2- سورة النساء، آيه 46.
3- سورة آل عمران، آية 75.
4- سورة البقرة، آية 9.
5- هو القذف بالباطل والافتراء.
6- من كتاب هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن قيم الجوزية: ص22.
لاتوجد تعليقات