رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 25 أكتوبر، 2010 0 تعليق

الحذر من الكتاب الضار!


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، وبعد:

فالكتاب خير جليس، وأفضل أنيس، وهومعلم بار، وصديق صادق، حتى قال القائل:

أنا من بدل بالكتب الصحابا                   لم أجد لي وافيا إلا الكتابا

لكن ذلك يكون للكتب النافعة، الهادية للخير، والمحببة فيه، والناهية عن الشر بأنواعه، وليس لكل كتاب!

 

فتنتقى الكتب كما ينتقى الأصحاب، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}.

فيجب على المسلم التقي النقي أن يحافظ على عقيدته وإيمانه، ويحرص على سلامة منهجه وفطرته وعقله، ويهرب بدينه وقلبه من الشبهات والفتن؛ فإن القلوبَ ضعيفةٌ والشبهَ خطَّافة كما قال السلف .

والشبه التي يثيرها أهل البدع والضلالات، قد تخطف قلب المسلم، وهي في الحقيقة شبه واهية وضعيفة.

ومن ذلك: تجنب الكتب الضارة بالعقيدة والأخلاق، وتجنب النظر في كتب البدع والضلالات أو كتب الشرك والخرافة، أو كتب الأديان الأخرى المحرفة، أو كتب الإلحاد والنفاق، أو الكتب التي تدعو إلى الفساد الخلقي، والعلاقات الآثمة؛ فإن ذلك لا يجوز إلا لمتأهِّل في العلم الشرعي، يعرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، يريد بقراءته لها الرد على أهلها، وبيان فسادها، والتحذير منها .

أما أن يقرأ فيها من لم يدرس العقيدة الصحيحة، والمنهاج النبوي الصحيح، فغالبا ما يناله من هذه القراءة شر، كأن تشككه في دينه وعقيدته، أو تورثه الحيرة، أو تصده عن الحق البين، وقد وقع ذلك لكثير من الناس قديما وحديثا، وحتى لبعض طلبة العلم، وربما انتهى ببعضهم الأمر إلى الكفر والإلحاد والعياذ بالله!

 وقد يقول القائل: إن قلبه أقوى من الشبهات المعروضة، إلا أنه يفاجأ –  مع كثرة قراءته لها –  بأن قلبه قد تشرَّب من الشبهات ما لم يخطر له على بال! وأن نفسه بدأت تميل إلى قول فلان وفلان!

ولذلك اتفقت كلمة السلف الصالحين، وعلماء المسلمين، على تحريم النظر والمطالعة في هذه الكتب، حتى ألف الإمام ابن قدامة المقدسي رسالة بعنوان: «تحريم النظر في كتب الكلام» .

والسيوطي ألف كتابه: (صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام » .

ومن الأصول المقررة أيضا في مذهب السلف: التحذير من أهل البدع ومن كتبهم وأقوالهم، بل من مجالستهم والخلطة بهم، وقد وردت عنهم الأقوال الكثيرة المشتهرة، بذمهم وهجرهم، وتحذير الأمة منهم، والنهي عن مجالستهم ومصاحبتهم ومجادلتهم، ونحو ذلك، ومنها:

ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: «أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله[، والاقتداء بهم، وترك البدع فكل بدعة هي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء وترك المراء والجدال».

وكان الإمام الحسن البصري رحمه الله يقول: «لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم» .

وقال الإمام ابن المبارك رحمة الله: «.. وإياك أن تجالس صاحب بدعة» .

وقال أبو قلابة: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا في الدين بعض ما لبس عليهم» .

ولخص الإمام الصابوني مذهب السلف في ذلك فقال: «ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم ولا يصحبونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرّت بالقلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرّت..» .

ولكن هناك أسس وضوابط لا بد من مراعاتها تتعلق بأهل البدع، ويمكن تلخيصها فيما يأتي:

1- أن البدع مراتب مختلفة، منها ما يوصل صاحبها إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها البدعة الحقيقية، ومنها الإضافية، ومنها البدع الظاهرة البينة، ومنها الدقيقة الخفية؛ فالموقف يختلف بحسب مرتبة البدعة.

2- أن أهل السنة يفرقون بين الداعية للبدعة وغير الداعية، وبين المعلن لها والمستتر .

3- ومن جهة كون صاحبها مجتهداً أو مقلداً.

4- ومن جهة كونه مصراً عليها أو غير مصر، كأن تكون فلتة لسان، أو زلة عالم، ثم لم يعاودها .

5- أيضا يفرق في الهجر لأهلها، وإظهار العداوة لهم، بين الأماكن التي كثرت فيها البدع وقويت، فصارت لهم القوة والدولة والتدريس والإمامة، وبين الأماكن التي يغلب عليها السنة وأهلها .

فإذا كانت الغلبة والظهور لأهل السنة، شرع هجر المبتدع، وإن كانت القوة والكثرة للمبتدعة - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فلا يشرع الهجر؛ إذ لا المبتدع ولا غيره من أهل المعاصي يرتدع بالهجر، ولا يحصل المقصود الشرعي به؛ لذا لا يشرع الهجر في هذه الحالة، بل يسلك مسلك التأليف، والدعوة والجدال بالحسنى، والصفح والإعراض، خشية زيادة الشر .

ويجب أن نعلم أن مسألة هجر المبتدع تندرج تحت قاعدة (الولاء والبراء)؛ ولذلك فالمبتدع إذا كانت بدعته غير مكفّرة لا يعادى من كل وجه كالكافر، وإنما يعادى ويبغض على حسب ما معه من بدعة، ويحب ويوالى على حسب ما معه من إيمان .

6- إذا دعت الضرورة أو الحاجة لمناظرتهم ومجادلتهم، كأن يخشى فتنة العامة بهم، أو يطمع في رد الشبهات التي يثيرونها، ممن يقدر على ردها، وبيان فسادها؛ فإنه تشرع المناظرة في هذه الحالة .

ولنا رسالة صغيرة في هذا الباب باسم: (الكلم المجموع في الهجر المشروع).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك