رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: إياد محمد الشامي 28 يوليو، 2010 0 تعليق

التعصب للأحزاب والطوائف.. سلبياته.. أسبابه.. سبل علاجه كما يراها المحدث محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-

 

 

لم يستخدم الشيخ الألباني لفظ التحزب وإنما استخدم لفظ (التكتل) بديلاً عنه؛ حيث يعني بالتكتل خلاف ما يعنيه غيره، إلا أنه أوضح أن هذا اللفظ (التكتل) يعني عند غيره لفظ (التحزب).

وقال الشيخ: إن الهدف الوحيد من هذا التكتل هو تجميع المسلمين كلهم على الكتاب والسنة، واستدل بقوله تعالى: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153)، وقول النبي[: «يد الله مع الجماعة» (رواه النسائي و ابن حبان غيرهما، وذكره الألباني في صحيح الجامع برقم 5934) (الألباني د.ت ، 1/594)، وكما قال النبي[: «فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية»، (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 1067 ) ( التبريزي : 1405 هـ، 1/ 235 ) .

ويقصد الشيخ بالتكتل قوله: «نحن نريد بالتكتل أن يتعاون المسلمون على فهم الكتاب والسنة وعلى تطبيقه في حدود استطاعتهم، ونريد من هذه الكلمة ما يراد من كلمة الحزبية في العصر الحاضر». (الألباني: سلسلة الهدى والنور).

 

سلبيات التعصب

يذكر الشيخ الألباني العديد من سلبيات التحزب، ويحث المسلمين على تجنب هذه السلبيات قائلاً: "إن الإسلام يحارب هذا التفرق الذي ينافي التكتل، ولكن التكتل ينافي التحزب أيضاً؛ لأن التحزب يعني التعصب لطائفة من الطوائف الإسلامية ضد الطوائف الأخرى، ولو كانوا على الحق فيما هم سائرون فيه" (الألباني: سلسلة الهدى والنور). ونذكر جملة من هذه السلبيات :

1- معاداة من لا ينتمي للحزب :

يبين الشيخ الألباني أن من آثار سلبيات التعصب للطوائف والأحزاب أنهم يعادون؛ من لم يكن في تكتلهم وفي منهجهم ولو كان أخاً مسلماً صالحاً، فهم يعادونه لأنه لم ينضم لهذا التكتل الخاص أو التحزب الخاص . (الألباني : سلسلة الهدى والنور).

2- الهيمنة الفكرية وعدم إعطاء الحرية لأفراد الحزب :

قال الشيخ الألباني : «قد وصل بهم أن حزباً منهم يفرض على كل فرد من أفراد الحزب أن يتبنوا أي رأي يتبناه الحزب مهما كان هذا الرأي لا قيمة له من الناحية الإسلامية، وإذا لم يقتنع ذلك الفرد برأي من آراء الحزب فُصل ولم يعتبر من هذا الحزب الذي يقولون إنه حزب إسلامي، ومعناه أنهم يعودون إلى ما يشبه اليهود والنصارى في اتباعهم لأحبارهم ورهبانهم في تحريمهم وتحليلهم؛ فقد قال الله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}» (التوبة: 31). (الألباني: سلسلة الهدى والنور).

 

سبب التعصب

يرى الشيخ الألباني أن هناك سبباً رئيساً أدى إلى ظهور التعصب للأحزاب والجماعات والطوائف يتمثل في عدم تبني الكتاب والسنة و نهج السلف الصالح نظاماً و منهاجاً عملياً. وقد أوضح الشيخ هذا الأصل في حديثه عن الأحزاب الموجودة اليوم أو الجماعات القائمة على الأرض الإسلامية، فقد تعددت مناهجها واختلفت نظمها اختلافاً كبيراً.

بين الشيخ - رحمه الله - أن "لفظة الأحزاب ليس على منهج الإسلام حيث قال ربنا عز وجل: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم : 32-33).

وقال في آية أخرى: إن حزباً واحداً هو الذي يكون الحزب الناجح والحزب الفالح، وهو قوله تبارك وتعالى: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153)، فالأحزاب كثيرة والسبل عديدة، والآيتان تلتقيان في ذم التعدد الحزبي و التعدد الطرقي . ويبين ربنا عز وجل في كل منهما بصراحة أن الطريقة الموصلة إلى الله عز وجل إنما هي طريق واحدة، ولقد زاد النبي[ كغالب عادته مع كثير من آيات ربه، فزاد بياناً هاتين الآيتين بمثل قوله: وقد كان جالساً بين أصحابه جلسته الدالة على تواضعه ، كان جالساً على الأرض فخط عليها خطاً مستقيماً، وخط حول هذا الخط المستقيم خطوطاً قصيرة ثم قرأ: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153)، ثم قال وهو يمر أصبعه الشريفة على الخط المستقيم: «هذا صراط الله، وهذه طرق على رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه». أما الحديث الآخر وهو قوله[: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة» وفي رواية أخرى: «ما أنا عليه وأصحابي». (الترمذي: د. ت، 5 / 26) فهذا الحديث يؤكد أن النجاة لا تكون بالتفرق والتحزب إلى أحزاب وشيع وطرق شتى، وإنما بالانتماء إلى طريق واحدة وبسلوك طريق واحدة، ألا وهي طريق محمد[.

لا يبقى بعد ذلك إلا حزب واحد أثنى عليه الله عز وجل في القرآن {فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (المائدة: 56). والذي يرغب أن يكون في هذا الحزب الذي كتب له الفلاح في الدنيا و الآخرة فلا يمكن أن يحقق ذلك في نفسه إلا إذا عرف علامة هذا الحزب ونظامه ومنهجه". (الألباني : سلسلة الهدى والنور).

ويبين الشيخ سمات هذا الحزب فيقول : إذا كان الطريق الموصل إلى تحقيق هذا الحزب واحداً فلا بد كذلك أن يكون المنهج واحداً؛ فإذا تعددت المناهج لتلك الجماعات أو الطوائف والأحزاب ، فلا شك أن التعدد لهذه المناهج فرع لتعدد الأحزاب و الجماعات.

وبين الشيخ - رحمه الله - أن قوله النبي[: «ما أنا عليه وأصحابي» في وصفه للفرقة الناجية في غاية الأهمية، وأن سبيل هذه الفرقة الناجية ليس ما كان عليه النبي[ فحسب بل فضلا عن ذلك ما كان عليه أصحابه رضي الله عنهم. (الألباني: سلسلة الهدى والنور)؛ فلذا على جميع التكتلات الإسلامية الموجودة أن تقتدي بالصحابة .

 

سبل علاج التعصب

وجد الباحث مجموعة من آراء الشيخ حول علاج هذا التعصب للأحزاب والجماعات والطوائف، وكانت هذه الآراء على النحو التالي :

1- أن يقوم على هذا التكتل مجموعة من العلماء :

يقول الشيخ ناصر الدين - رحمه الله-: مشكلة أي تكتل في العالم الإسلامي هي فقدهم للعلماء الكثيرين، فلا يكفي و احد أو اثنان أو ثلاثة أو خمسة أو عشرة ، وإنما يجب أن يكون هناك العشرات من العلماء وذوي الاختصاصات المختلفة. فالتكتل الإسلامي يحتاج إلى أناس قد أوتوا حظاً من العلوم الضرورية. فهو (التكتل) يحتاج إلى أفراد مختلفين من الاختصاصات كافة. ينبغي ألا نتصور أن من كان خطيباً مفوهاً أن يكون عالماً بالكتاب والسنة ، كما لا ينبغي أن نتصور العكس تماماً، أن من كان عالماً بالكتاب والسنة أن يكون خطيباً مفوهاً، أو أن يكون قد جمع العلوم كلها، أن يتوفر في شخص واحد كل المتطلبات التي تتطلبها الدعوة، فهناك أفراد قليلون جداً جداًَ يعدون على الأصابع ، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية . فهذا النقص الموجود في مجموع الأفراد إنما يكون بتكتل هؤلاء الأفراد وتطعيم كل علم بالآخر مما قام في مجموعة من الأفراد. (الألباني: سلسلة الهدى والنور 1/320).

2- أن يكون هذا التكتل قائماً على الكتاب والسنة :

فيرى الشيخ الألباني أنه بعد تجمّع هؤلاء العلماء من كافة الاختصاصات فإن أول أمر يجب عليهم أن يهتموا به عند إقامة أي تكتل هو " أن يكون هذا التكتل قائماً على الكتاب والسنة .

فقال - رحمه الله -: علينا أن نسعى لإيجاد هؤلاء الأشخاص، ثم أن يتكتلوا على عقيدة وعلى كلمة سواء وأن يسعوا في تطبيق هذا المنهج. (الألباني: سلسلة الهدى والنور، 1/320).

3- أن يعطي هذا التكتل الحرية العلمية للأفراد :

قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني- رحمه الله -: ينبغي على أي تكتل إسلامي صحيح أن يعطي للأفراد حريتهم العلمية؛ فلا مانع أن يكون في ذلك التكتل الإسلامي شخصان أحدهما يخالف الآخر؛ لأننا نعتقد (أن كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف)، فقد كان في السلف الأول نوع من الاختلاف في بعض المسائل الشرعية. فما كان ذلك بالذي يلزم الحاكم المسلم بأن يفرض رأيه على كل مسلم يتبناه ولو كان مخالفاً لرأي الفرد. (الألباني: سلسلة الهدى والنور، 1/320 ).

4- أن يفهم أفراد هذا التكتل الإسلام فهماً صحيحاً و يربّوا عليه :

بين الشيخ الألباني أهمية أن يولي هذا التكتل اهتماماً كبيراً بأن يعمل على تكتيل جماعة من المسلمين يفهمون الإسلام فهماً صحيحاً في كل فروعه وأصوله، ويربوا أنفسهم على ذلك كما فعل النبي[ في أول بعثته. (الألباني: سلسلة الهدى والنور، 1/322).

5- الاهتمام الأكبر بالنوع لا بالعدد :

أكد الشيخ الألباني على أن يهتم هذا التكتل بالأفراد، وقد عاب الشيخ - رحمه الله - على بعض الأحزاب والتكتلات التي تجمع بين السني والبدعي، وبين السلفي والخلفي، بل قد يكون في بعضهم من هو ليس من أهل السنة والجماعة. (الألباني : سلسلة الهدى والنور  1/791 – 792)؛ لذا فعلى القائمين على التكتلات الإسلامية أن يهتموا بأن يكون أفراد هذا التكتل من أهل السنة والجماعة أصحاب المنهج السلفي؛ حيث قال رسول الله[ في بيان الفرقة الناجية: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». (الترمذي: د . ت ، 5 / 26). 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك