رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: خالدة النصيب 28 يوليو، 2010 0 تعليق

البنيان المرصوص (2)- هكذا فلنكن

 

قال تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} (الصف: 4) قال الفراء ومنذر بن سعيد: المرصوص هو المعقود بالرصاص ويراد به المحكم، وقال المبرد: رصصت البناء: لاءمت بين أجزائه وقاربته حتى يصير كقطعة واحدة، وقيل: المراد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص، قال السعدي -رحمه الله-: وهذا حث لعباده على الجهاد في سبيله وتعليم لهم كيف يصفون، وأنه ينبغي لهم أن يصفوا في الجهاد صفا متراصا متساويا من غير خلل يقع في الصفوف، وتكون صفوفهم على نظام وترتيب به تحصل المساواة بين المجاهدين و التعاضد وإرهاب العدو وتنشيط بعضهم بعضا؛ ولهذا كان النبي[ إذا حضر القتال صف أصحابه ورتبهم في مواقفهم بحيث لا يحصل اتكال بعضهم على بعض، بل تكون كل طائفة منهم مهتمة بمركزها وقائمة بوظيفتها، وبهذه الطريقة تتم الأعمال ويحصل الكمال. انتهى.

فهذا التراص والتساوي من غير خلل، وهذا النظام والترتيب تكون نتيجته عدم الاتكالية على الآخر، واهتمام كل بمركزه ووظيفته حتى يحصل الكمال للمجتمع، وتراص البنيان مطلوب ليس في الجهاد فقط، بل هو مطلوب في المجتمع حتى يتحقق فيه التراحم والتعاطف والتعاضد؛ فعن أبي موسى قال: قال رسول الله[: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» رواه مسلم، وفي رواية للبخاري: «وشبك بين أصابعه». فتعاون المؤمنين فيما بينهم يشد بنيان المجتمع، قال ابن بطال: والمعاونة في أمور الآخرة وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها، وقال النووي: هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه. انتهى. فالمؤمنون بالمجتمع كالجسد الواحد بل هم كرجل واحد؛ فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله[: «المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله» رواه مسلم في كتاب البر باب تراحم المؤمنين. فإن الإنسان منا إذا مرض عضو من أعضائه دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في ذلك؛ فتكون النتيجة السهر والحمى حتى الأجهزة الداخلية كالجهاز الهضمي والجهاز التنفسي وغيره من الأجهزة مترابطة لحكمة ارتضاها الله تعالى في خلقه؛ فلا بد من ظهور أعراض المرض حتى يشكو الإنسان ويأخذ العلاج، وإلا بقي مريضا وانتشر المرض في جسده وربما أدى إلى وفاته، فنسأل الله العافية.

 وفي رواية أخرى: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه مسلم. وفي اللغة: تداعت الحيطان: أي تساقطت أو قربت من التساقط، وهذا حال المجتمع إن كان مفككا لا يوجد فيه تعاون ولا يشفع فيه أحد لأحد؛ فالشفاعة أصل من أصول الأدب في التعامل مع الناس؛ لقوله[: «اشفعوا تؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء» رواه البخاري، قال في «فتح الباري»: في الحديث الحض على الخير بالفعل وبالتسبب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة ضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس ولا التمكن منه ليلج عليه أو يوضح له مراده ليعرف حاله ووجهه، وإلا فقد كان[ لا يحتجب، قال عياض: ولا يستثنى من الوجوه التي تستحب الشفاعة فيها إلا الحدود، وإلا فما لأحد إلا تجوز الشفاعة فيه ولا سيما ممن وقعت منه الهفوة أو كان من أهل الستر والعفاف، قال: وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا يشفع فيهم ليزجروا عن ذلك. انتهى. وهذا من التعاون بين أفراد المجتمع؛ قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا} (النساء: 85) فهناك من الشفاعة ما لم يأذن به المشرع فلا يؤجر عليها؛ فالأجر على الشفاعة ليس على العموم، بل هو مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة وهي الشفاعة الحسنة، وضابطها: ما أذن فيه المشرع، ومن شفع لأحد في الخير كان له نصيب من الأجر، ومن شفع له بالباطل كان له نصيب من الوزر، قال السعدي -رحمه الله-: فمن شفع لغيره وقام معه على أمر من أمور الخير، ومنه الشفاعة للمظلومين لمن ظلمهم ــ كان له نصيب من شفاعته، بحسب سعيه وعمله ونفعه، ولا ينقص من أجر الأصيل والمباشر شيء، ومن عاون غيره على أمر من الشر كان عليه كفل من الإثم بحسب ما قام به وعاون عليه؛ ففي هذا الحث العظيم على التعاون على البر والتقوى، والزجر العظيم عن التعاون على الإثم والعدوان. انتهى.

وفي الشفاعة إحقاق للحق ونفع الناس وإشاعة المحبة بينهم، وبها حياة المجتمع وبقاؤه، والله تعالى يسخر بعض الناس لبعض ليحصل النفع ويقوم التعاون، وهذا من حكمته تعالى، والشفاعة تعد من تفريج الكرب؛ فتفريج الكرب يكون بإزالته بالمال أو الجاه أو المساعدة، ويدخل فيها من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته، ومن ساعد الناس بماله أو جاهه تمثلت فيه صفة الجود التي هي من صفات الله تعالى، ومن بذل نفسه بالشفاعة للناس ربما تعرض للوم والذم من الآخر، وربما أقفلت في وجهه الأبواب، لكن من سعى في حاجة أخيه سعى الله في حاجته وأحبه بسبب نفعه لأخيه، ولا يكون وراء هذه الشفاعة مصلحة شخصية؛ حتى ينال الأجر بتجرده ونيته الصالحة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك