الانتخابات الباكستانية هل تخرج القوة النووية من أزماتها المتكررة؟
ملايين الباكستانيين اقترعوا في أول انتخابات تكرس تداول السلطة بعد عقود من انقلابات العسكر
الناخبون عاقبوا حزب الشعب على ارتمائه في أحضان واشنطن، وفشله في حل المشاكل الاقتصادية والأمنية
أغلبية حزب الرابطة تعيد نواز شريف للحكم، ورهان على تعويض البلاد عن عقود من الديكتاتورية والفساد
وقف الانتهاكات الأمريكية للسيادة مع باكستان والأزمة مع القبائل ملفات صعبة تواجه حكم الرابطة
رهان على تصحيح مسار العلاقة مع واشنطن، وضخ الدماء في عروق التحالف مع السعودية، وتحقيق المصالحة مع طالبان
«انتخابات تاريخية» لعل هذا هو الوصف الدقيق للانتخابات التشريعية الباكستانية التي شهدتها البلاد في الحادي عشر من مايو الحالي، فهذه الانتخابات التي أجريت هي الوحيدة طوال تاريخ البلاد، ومنذ تأسيسها عام 1947، إثر انفصالها عن الهند التي ينقل بواسطتها الحكم من حزب سياسي حقق الأغلبية إلى آخر، ولاسيما أن الانقلابات العسكرية قد أدت الدور الأهم في وأد تداول السلطة، عبر صناديق الاقتراع، خلال حقبتي ضياء الحق الذي حكم البلاد منذ نهاية السبعينات إلي عام 1989، وبرفيز مشرف الذي وصل إلى سدة الحكم عام 1999، إثر إطاحته برئيس الوزراء حينذاك نواز شريف، ودشن لحكم عسكري ديكتاتوري، لأكثر من عقد، قبل أن تسقطه انتفاضة للقضاة والمحامين.
تسليم مفاتيح
ومما يزيد من أهمية هذه الانتخابات أنها أنهت خمس سنوات من الجمود، وتصاعد المأزق الأمني، والأزمة الاقتصادية، على يد حكومة حزب الشعب، بقيادة الرئيس آصف علي زرداري الذي ورث زعامته بعد اغتيال رئيسة وزراء البلاد السابقة بنظير بوتو في نهاية عصر مشرف؛ حيث فشلت هذه الحكومة في إيجاد تسوية للمأزق الأمني، والصراع مع حركة طالبان باكستان، أو وضع حد لانتهاك السيادة الباكستانية، علي يد الطائرات الأمريكية، بما خلف خسائر عديدة في أرواح آلاف المدنيين الباكستانيين؛ مما زاد من الاستياء الشعبي علي حكومة زرداري التي سلمت واشنطن - بحسب مراقبين - جميع مفاتيح الدولة الباكستانية، خلال الأعوام الماضية.
ولم يتوقف فشل حكومة زرداري عند هذا الحد؛ حيث أخفقت حكومة الدولة النووية الإسلامية الوحيدة في تسوية قضية النقص الحاد في الطاقة، معتمدة على أساليب تقليدية، ومنها التوسع في استيراد النفط والغاز؛ مما أثر بالسلب على الاحتياطي النقدي، وأسهم في زيادة معاناة الأغلبية الساحقة من الشعب، فضلاً عن الإخفاق في التصدي لمظاهر الفساد المستشرية في جنبات الدولة منذ عقود، وهي حزمة من الفشل، كرست نوعًا من التصميم على ضرورة إقصاء حكومة حزب الشعب التي عكست مقاعدها القليلة في البرلمان القادم حالة الغضب الشعبي، ضد ممارسات الحكومة؛ بل إنها أكدت أن هذا الحزب السياسي العريق، لن تقوم له قائمة، خلال عقد قادم على الأقل.
قرار مصيري
ومهدت نتائج هذه الانتخابات لعودة حزب الرابطة الإسلامية، بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف؛ لصدارة المشهد السياسي الباكستاني، بعد 14عامًا قضاها زعيمه بين السجن والمنفي الاختياري في المملكة العربية السعودية، قبل عودته للبلاد منذ خمس سنوات وهي العودة التي يعول عليها الباكستانيون كثيرًا؛ لإقالة الاقتصاد من عثرته، وتوظيف إمكانات البلاد للتصدي للفقر المستشري في جنباتها، ولاسيما أن تجربة شريف - خلال ولايته الثانية - حملت عددًا من الإصلاحات التي كانت لها نتائج إيجابية على مستوى الدخل القومي للبلاد فضلاً عن ضيق الأخير بالنفوذ الغربي المتنامي ضد بلاده، فالباكستانيون لن ينسوا لشريف تحمله للمسؤولية السياسية عند إطلاق باكستان لتجربتها النووية الأولي في صيف عام 1998، وعدم إكتراثه بالضغوط الأمريكية والدولية، رغم صلاته الوثيقة بالرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون.
ولا شك أن التقدير الذي يحظى به شريف في أوساط الرأي العام الباكستاني، والرهان على حزب الرابطة لتقديم حلول للمشكلات المزمنة التي تعانيها باكستان هو من دفع - بحسب الدكتور جابر عوض أستاذ الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة - بحوالي 60% من الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم في سابقة تاريخية، والضرب بعرض الحائط بتهديدات حركة طالبان باكستان، وتلويحها باللجوء للقوة لمنع الناخبين من الاقتراع؛ حيث حسم الشعب خياره لإبعاد حزب الشعب عن الساحة والتصويت للرابطة؛ للحصول على 117 مقعدًا في البرلمان الباكستاني.
ولفت الدكتور عوض إلى أن هذه النتائج هي من حولت الرابطة لفرس الرهان، متقدمًا بنسبة كبيرة على أقرب منافسيه، وهو حزب إنصاف بقيادة لاعب الكركيت عمران خان الذي حقق نوعًا من التمدد في صفوف الشباب؛ بفضل مطالبته بالتغيير، والشفافية، فضلاً عن تحقيق أحزاب الجماعة الإسلامية، وجمعية علماء الإسلام بقيادة فضل الرحمن، والحركة القومية، لافتا إلى انسحاب بعض مرشحي هذه القوة التقليدية من الانتخابات، بحجة حدوث تزوير لا يؤثر في الأغلب الأعم في نتائج هذه الانتخابات، بشهادة مراقبين محليين ودوليين.
ومن المهم التأكيد على أن التفوق الذي حققه حزب الرابطة لم يكن كاسحًا، ولا يوفر له الفرصة لتشكيل حكومة بمفرده؛ وإنما سيفرض عليه الدخول في مشاورات جادة؛ لتشكيل حكومة ائتلافية موسعة من يمين الوسط وأحزاب ليبرالية وإسلامية، وهو أمر قد ينظر له الباكستانيون على أنه أحد المظاهر السلبية للديمقراطية، باعتبار أن وجود ائتلاف سيفجر الصراعات بين الفرقاء، ولكن رب ضارة نافعة، فقد يفتح هذا الائتلاف الباب أمام حالة استقرار، يمهد لبناء دولة تعاني من مشكلات عديدة، وتحتاج لمشاركة جميع القوي السياسية لإداراتها في هذا التوقيت الحساس.
وعكست تصريحات نواز شريف بعد إعلان تفوق حزبه، وتفوقه على الأحزاب السياسية، من أنه يمد يديه لجميع القوى السياسية للمشاركة في حكم البلاد، فقد عكست يقينًا لدى زعيم حزب الرابطة بثقل التركة المنتظرة لحزبه، في ظل سياسة (الأرض المحروقة)لحزب الشعب مع مشكلات باكستان طوال السنوات الماضية، سواء الأمنية أم السياسية والاقتصادية، أو فيما يتعلق بعلاقات البلاد مع قوى إقليمية مهمة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، ولاسيما الأخيرة التي شهدت علاقاتها مع إسلام آباد تدهورًا حادًا خلال السنوات الأخيرة لحكم حزب الشعب.
خطوات جريئة
وحسنًا فعل شريف، حين أعلن خلال برنامجه عدداً من الخطوات المهمة على الصعيد الداخلي، لإيجاد حلول سريعة لأزمة البلاد الاقتصادية، وفي مقدمتها خفض نسبة النفقات الحكومية بنسبة 30%، والعمل على تخفيض العجز الحاد في الموازنة، والتصدي لارتفاع فاتورة البلاد من النفط، وتسريع برنامج التحول لاقتصاد السوق، وهي إجراءات كلها قد تجد صدى لدى الشركاء الغربيين، ووسيلة لجذب استثمارات غربية ضخمة، كفيلة بإنقاذ الاقتصاد الباكستاني من عثرته، ولاسيما إذا تبني مشرف خطابًا عاقلاً مع حركة طالبان باكستان، فقد يمهد السبيل لمصالحة تاريخية مع الحركة التي تناصب حكومات إسلام آباد المتتالية العداء، ولاسيما أن شريف يرتبط بعلاقات وثيقة مع الإسلاميين، قد تعطيه فرصة لتسوية خلافاته مع الحركة التي استثنته من قوائم اغتيالات المسؤولين الباكستانيين خلال إعلانها القائمة الأخيرة.
هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي، فإن شريف يواجه تحديات جمة، في وضع علاقات باكستان مع القوى الإقليمية والدولية على المسار الصحيح، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية فالمرجح أن تشهد العلاقات معها حالة من الغموض خلال المرحلة القادمة، في ظل تحفظ الرأي العام الباكستاني، على تبعية حكومة حزب الشعب السابقة لواشنطن، وسيرها لآخر الشوط في الاستجابة لرغباتها، ولاسيما فما يتعلق بالحرب على الإرهاب، والملف الأفغاني، والغارات الأمريكية على من تعدها واشنطن قوى معادية لها، وهي ملفات ستشكل تحديًا قويًا أمام شريف الذي يراهن على تبنيه سياسة أكثر استقلالاً تجاه واشنطن، أقلها إيجاد نوع من التوازن معها يضع مصالح باكستان العليا في الاعتبار.
استحقاقات مهمة
وكان لافتًا في هذا السياق إبداء عدد من الدوائر الأمريكية مخاوفها الشديدة من تأثير تداعيات نتائج الانتخابات الباكستانية على العلاقات مع واشنطن، فالجيل الجديد من القادة الميدانيين الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة يبدو قادرًا علي تسوية المشاكل الاقتصادية، والنظر بقوة في علاقات التبعية مع واشنطن، وتطويق ذراعها الطويلة التي شهدتها مناطق القبائل خلال الأعوام الأخيرة، وكبح جماح القوة المفرطة للجيش، وهي استحقاقات قد تشكل طفرة نوعية فيما يتعلق بالتجربة الديمقراطية الباكستانية.
ولا تعد العلاقات مع واشنطن هي القضية الرئيسة؛ بل إن العلاقات مع السعودية التي تدهورت بشدة خلال حكم حزب الشعب، وكبح جماح النفوذ الهندي في أفغانستان، يعدان من أهم التحديات المطلوب من زعيم حزب الرابطة الإسلامية تسويتها، فلا أحد يستطيع أن ينكر أهمية العلاقات السعودية -الباكستانية، فالرياض تعد - تاريخيًا - من أهم الداعمين السياسيين والاقتصاديين لإسلام آباد، بل إنها تتمتع بنفوذ روحي بين الرأي العام، لذا فإعادة العلاقات معها للمسار الصحيح سيحظى بارتياح في أوساط الباكستانيين، وسيعزز من شعبية الرابطة.
تمدد هندي
وينطبق هذا الأمر - وإن كان بشكل مختلف - على العلاقات الباكستانية- الهندية؛ حيث قدمت إسلام آباد تنازلات مؤلمة للهند، فيما يتعلق بكشمير وأفغانستان؛ حيث تحولت القضيتان الأهم - على الصعيد الباكستاني - لقضايا ثانوية، لا تشغل اهتمامًا كبيرًا لدى صانع القرار الباكستاني؛ حيث نفضت حكومات مشرف وزرداري يديها من الجهاد الكشميري، وأوقفت دعمها للحركات المناهضة للهند؛ بل توقفت عن إثارة القضية في المحافل الدولية، فيما أفسحت المجال للهند؛ لإلحاق أفغانستان بها، وتقليم أظفارها عبر الاستثمارات والمشاريع التنموية في الجسد الأفغاني، وهما ملفان سيعمل شريف على استعادته؛ بفضل ارتباط حزبه بصلات مكثفة مع القوي الكشميرية، وقدرته على توظيف نفوذ بلاده لدى الفرقاء الأفغان؛ لاستعادة أرضيته، ووقف التمدد الهندي الذي تحقق خلال السنوات الاثنتي عشرة السابقة.
فرس الرهان
ومن جانبه يرى السفير ناجي الغطريفي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، أن الانتخابات التشريعية تعد حدثًا مهما في الساحة الباكستانية، في ظل حالة الالتفاف الشعبي حول حزب الرابطة والرهان عليه؛ لإيجاد اختراق للمشكلات المزمنة التي تعانيها باكستان، سواء فيما يتعلق بالملفات الداخلية، ولاسيما الأمن، والاقتصاد، والمصالحة مع طالبان، أم علاقات باكستان الخارجية مع واشنطن، ونيودلهي، والرياض، وكابول.
وأشار إلى أن هذه ملفات، تستطيع باكستان- إذا أحسنت توظيف أوراقها فيها- أن تعزز من نفوذها، ووزنها الاستراتيجي، وتعوض ما فاتها في عهدي مشرف وزرداري، وتحاول تقديم وجه جديد للعالم الذي داوم طويلاً على انتقاد الإخفاق المستمر للدولة النووية على تقديم نموذج على غرار جارته اللدودة الهند.
وتستطيع إسلام آباد أيضا - والكلام مازال للسفير الغطريفي - أداء دور مهم في إعادة السلام للبلد المنهكة بالحرب طوال أربعين عامًا مضت، عبر صلاتها الوثيقة مع طالبان، ودفعها للتعاطي مع عروض السلام المقدمة لها، واختيار أفضلها بما قد يكسبها ود واشنطن، والتصدي للنفوذ الهندي، واستعادة صلاتها القوية مع المجاهدين الكشميريين، وهما ورقتان تستطيع بهما باكستان قض مضاجع نيودلهي.
غير أن الدبلوماسي المصري السابق يربط تحقيق اختراق في هذه الملفات المعقدة، وبين الوصول لأقصى درجات التنسيق مع الجيش الذي يظل فرس الرهان في البلاد، وحشد جميع ألوان الطيف الباكستاني خلف قضايا البلاد الحيوية؛ كي تعوض ما فاتها، وأن تنفض غبار 14عامًا من التراجع والتبعية لواشنطن بوتيرة غير مسبوقة، وهي مهمة وإن كانت صعبة، إلا أن مهارة نواز شريف وخبرته قد تساعد على تجاوز هذه الصعاب، ورسم صورة جديدة لباكستان ديمقراطية مدنية واعدة.
لاتوجد تعليقات