رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 9 يناير، 2024 0 تعليق

أدّب ولدك بالأمثال (7) لا تؤخر عمل اليوم لغد

  • على المرء أن يأخذ نفسه بالحزم والقوة والنشاط وعليه أن ينأى بنفسه عن الكسل لأنه من صفات المنافقين المذمومة
  • الكسل هو الفتور والتواني وهو ضد النشاط والفرق بين العجز والكسل أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله وأما العجز فعدم القدرة
  • حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على المبادرة لاكتساب الفضائل واستغلال ما أنعم الله تعالى به على المرء من فسحة في العمر والصحة والرزق والفراغ
 

هذا المثل وصية ذهبية من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فاق بها عصره، وسبق بها زمانه، فعن الحسن قال: كتب عمر إلى أبي موسى: «أما بعد، فَإِنَّ القوة في الْعمل ألا تؤخر عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال، فلم تدروا بِأيِها تأخذون، فأضعتم «أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال.

         فمن علوم الإدارة الحديثة، ومن مناهج التنمية الذاتية، ومن قواعد النجاح في الحياة العملية، (المبادرة إلى الإنجاز، والحماس في تنفيذ الأعمال، وعدم تأجيل المهام، وترك التسويف والتأخير)، فالأعمال كثيرة، والمتطلبات عديدة، وكلما تقدم الإنسان في العمر، أو ارتقى في الوظيفة زادت مسؤولياته، وتراكمت أشغاله، وضاقت أوقاته، فبعض الناس يعالج هذا الموقف بالتأجيل والتأخير والتسويف على أمل أن يجد متنفسا في المستقبل أو سعة من الزمان يستوعب بها واجباته، فيصدم بمزيد من الأشغال والمتطلبات، فيضيق صدره ويتحير عقله في الخلاص من هذه الدوامة التي لا تنتهي وتستمر في ابتلاعه ولا مخلص منها.

النصوص الشرعية والآثار السلفية

          ولهذا جاءت النصوص الشرعية والآثار السلفية في الحث على المبادرة بأداء المهام الدينية والدنيوية، وترك التسويف والمماطلة، قال -تعالى-: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور} (الحديد:14). فهذه الآية في بيان وعيد المنافقين في الآخرة والتحذير من صفاتهم وأفعالهم في الدنيا، قال الطبري: «يقول: وخدعتكم أمانيّ نفوسكم، فصدتكم عن سبيل الله، وأضلتكم (حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ) يقول: حتى جاء قضاء الله بمناياكم، فاجتاحتكم». المسارعة المبادرة إلى الخير وقال -سبحانه-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133)، قال القرطبي: «والمسارعة المبادرة، أي: سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة». وقال ابن كثير: «ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات». وقال -تعالى-: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} (الحديد: 21)، قال القرطبي: «أي: سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة، لأنها تؤدي إلى المغفرة». وأثنى الله -سبحانه- على عباده الصالحين بالمبادرة إلى الخيرات فقال -سبحانه-: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} (الأنبياء:90)، قال ابن سعدي: «ولما ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين، كلا على انفراده، أثنى عليهم عموما فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها».

المبادرة لاكتساب الفضائل

         وحث النبي - صلى الله عليه وسلم - على المبادرة لاكتساب الفضائل، واستغلال ما أنعم الله -تعالى- به على المرء من فسحة في العمر والصحة والرزق والفراغ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اغتَنِم خمسًا قبل خمسٍ: حياتَك قبل موتك، وصحَّتك قبل سقَمِك، وفَراغك قبل شُغلك، وشَبابك قبل هَرَمِك، وغِناك قبل فَقرِك» أخرجه الحاكم وصححه الألباني. قال المناوي: «أَي: افْعَل خَمْسَة أَشْيَاء قبل حُصُول خَمْسَة (حياتك قبل موتك) أَي: اغتنم مَا تلقى نَفعه بعد موتك، فإنّ من مَاتَ انْقَطع عمله، (وصحتك قبل سقمك) أَي: الْعَمَل حَال الصِّحَّة فقد يعرض مَانع كَمَرَض، (وفراغك قبل شغلك) أَي: فراغك فِي هَذِه الدَّار قبل شغلك بأهوال الْقِيَامَة الَّتِي أوّل منازلها الْقَبْر، (وشبابك قبل هرمك) أَي: فعل الطَّاعَة حَال قدرتك وقوّتك قبل هجوم الْكبر عَلَيْك، (وغناك قبل فقرك) أَي: التصدّق بِفُضُول مَالك قبل عرُوض جَائِحَة تتْلف مَالك فَتَصِير فَقِيرا فِي الدَّاريْنِ، فَهَذِهِ الْخَمْسَة لَا يُعرف قدرها إِلَّا بعد زَوَالها».

تراث الأمة ورصيدها الثقافي

        والناظر في تراث الأمة ورصيدها الثقافي، يجد هذه النصيحة حاضرة في وصايا السابقين من الصحابة والتابعين والصالحين، فقد أخرج ابن المبارك في كتابه (الزهد) أن ثُمَامَة بْن بِجَادٍ السُّلَمِيُّ، (رجل من عبد قيس له صحبة) قَالَ لِقَوْمِهِ: «أَيْ قَوْمِ، أَنْذَرْتُكُمْ: سَوْفَ أَعْمَلُ، سَوْفَ أُصَلِّي، سَوْفَ أَصُومُ». وعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «ابْنَ آدَمَ، إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ! فَإِنَّكَ بِيَوْمِكَ وَلَسْتَ بِغَدٍ، فَإِنْ يَكُنْ غَدٌ لَكَ فَكِسْ (أي: كن كيسا عاقلا) فِي غَدٍ كَمَا كِسْتَ فِي الْيَوْمِ، وَإِلَّا يَكُنْ لَكَ لَمْ تَنْدَمْ عَلَى مَا فَرَّطْتَ فِي الْيَوْمِ»، وعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا كَانَ أَحَدُهُمْ أَشَحَّ عَلَى عُمُرِهِ مِنْهُ عَلَى دَرَاهِمِهِ وَدَنَانِيرِهِ»، وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي مَرَضِهِ: أَوْصِنَا، قَالَ: «أَنْذَرْتُكُمْ سَوْفَ». وعقَد الخطيب البغدادي بابًا في كتابه (اقتضاء العلمِ العملَ): بعنوان: (باب ذم التسويف)، وذكر فيه عن قتادة بن أبي الجلد قال: قرَأتُ في بعض الكتب: إنَّ (سوف) جُندٌ من جُندِ إبليس. وقال يوسف بن أسباط: كتَب إلَيَّ محمد بن سمرة السائح بهذه الرسالة: «أي أخي، إياك وتأميرَ التسويف على نفسك، وتمكينَه من قلبك! فإنه محلُّ الكلال، ومَوئِل التلف، وبه تُقطَع الآمال، وفيه تنقَطِع الآجال. وبادِرْ -يا أخي- فإنَّك مُبادَرٌ بك، وأسرع فإنَّك مسروعٌ بك، وجِدَّ فإنَّ الأمرَ جدٌّ، وتيقَّظ من رقدَتِك، وانتَبِه من غفلَتِك، وتذكَّر ما أسلفتَ وقصَّرت وفرَّطت وجنيت وعملت، فإنَّه مُثبَت محصى، فكأنَّكَ بالأمر قد بغتَك فاغتُبِطتَ بما قدَّمت، أو ندمتَ على ما فرَّطت.

الحزم والقوة والنشاط

          فعلى المرء أن يأخذ نفسه بالحزم والقوة والنشاط، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» رواه مسلم. وعليه أن ينأى بنفسه عن الكسل؛ لأنه من صفات المنافقين المذمومة، قال -سبحانه- عنهم: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء:142) وقال -تعالى-: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} (التوبة: 54)

خزائن كل شيء بيد الله -تعالى- وحده

     وخزائن كل شيء بيد الله -تعالى- وحده قال -سبحانه-: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُوم} (الحجر:21)، قال ابن سعدي: «أي: جميع الأرزاق وأصناف الأقدار لا يملكها أحد إلا الله، فخزائنها بيده، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، بحسب حكمته ورحمته الواسعة»، فيلجأ المرء إلى الله -سبحانه- يستعين به في قضاء أعماله، ويستعيذ به من التسويف والكسل، فمن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ» أخرجه البخاري. قال ابن حجر: «الكسل: الفتور والتواني، وهو ضد النشاط»، وقال: «والفرق بين العجز والكسل: أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، والعجز عدم القدرة».  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك