رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
أبحاث ودراسات

Responsive image

25 يوليو، 2022

شرح كتاب النكاح من صحيح مسلم - باب: «لَوْلَا حَوَّ

 

- في الحديث تَسليةِ للرِّجالِ فيما يقَع لهم مِن نِسائهم بما وقَع مِن أُمِّهن الكُبرى وأنّ ذلك مِنْ طبعهنَّ

- ليس في الحديث حُجَّةٌ للنِّساءِ في الخيانة بل عليهنَّ أنْ يَضبِطْنَ أنفُسَهنَّ ويُجاهِدْنَ هواهنَّ

- ليسَ المرادُ بخيانة أمنا حوَّاء الخيانةَ في الفِراش أو ارتكابَ الفواحِش حاشَا وكلَّا فإنَّ ذلك لم يَقَعْ لامرأةِ نبيٍّ قطُّ

 

عن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، لَمْ يَخْبُثْ الطَّعَامُ، وَلَمْ يَخْنَزْ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ؛ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ»؛ الحديث رواه مسلم في الرضاع (2/1092) باب: لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدّهر.

ورواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3330) باب: خلَق آدم وذُريّته.

     قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلاَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ» الخَنَز والخُنُوز، هو تغيّر اللحم ونَتَنه، أي: أنَّ فسادَ اللّحم المَعروف، قدّره اللهُ -تعالى- بسببِ عصيانٍ حَصَل من بني اسرائيل، أمّا نوعُ عصيان بني إسرائيل، فالذي عليه أهل العلم، هو أنّ الله -تعالى- أنْعم عليهم في التِّيه بالطعام، يَنْزل عليهم في كلّ يومٍ بقَدْر حاجتهم، ومِنْ ذلك لحمُ السَّلوى، كما قال الله -تعالى-: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (البقرة: 57).

وأُمِرُوا ألا يدّخروا، بل يأخذون مِنْ ذلك قَدْر حاجتهم؛ فعَصَوا وخالفوا، فقَضى الله -تعالى-، منذ ذلك الحين، بسُرعة الفَساد إلى اللحم، على ما هو معروف بين الناس.

المَقصود بفساد اللحم

وقد تنوّعتْ أقوال أهْل العلم في تحديد المَقصود بفساد اللحم:

الوجه الأول

     أنّ هذا الفساد لمْ يكنْ يَلْحق اللحمَ قبل بني اسْرائيل، فلمّا عَصَوا عُوقبوا بنَتَنِ اللّحم، واسْتمرّ بعدهم، قال النّووي -رحمه الله تعالى-: «قال العلماء: معناه أنّ بني إسرائيل لمّا أَنْزل الله عليهم المَنّ والسَّلوى؛ نُهوا عن ادّخارهما، فادَّخرُوا، ففَسَد وأنْتن، واسْتمرّ مِنْ ذلك الوقت، والله أعلم». (شرح صحيح مسلم) (10 / 59).

الوجه الثاني

     المَقصود بذلك أنَّ فسادَ اللّحمِ كان موجُوداً في السّابق وإنَّما لمْ يكنْ الناسُ يدّخِرون اللّحمَ لكثرة صَدقاتهم وهداياهم له، فلمْ يَعْرفوا فسَاده، فلمّا ادّخر بنو إسرائيل عُرفتْ هذه العلّة، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «وأمّا بنو إسْرائيل فقيل لهم: لا تدَّخِروا مِنَ اللحم الذي رُزقتموه في التِّيه، فادَّخَروه مِنَ الهَلع والحِرص الشّديد، وضَعف الثّقة بالله، وكان الناس قبل ذلك يأكلون اللحم طرياً ولا يدّخرُونه، فلمّا حصل ادّخاره مِن بني إسرائيل، كانوا أول مَنْ سنَّ للناس هذا الأمر... قال: وكان الأوْلى للناس: أنْ يأكلوا اللّحمَ وهو طَريّ، وما فَضَل عن أكْلهم أهْدُوه أو تَصدّقوا به، ولا يَتْركوه يَخْنَز، ولكن لمّا وقع بنو إسرائيل في ادّخاره، وَقَعَ الناسُ فيه بعدهم، فحُرِمُوا تلك المواساة النافعة، والله أعلم». (مجموع الفوائد) فائدة (34).

الوجْه الثالث

     وهو أنّ اللّحمَ كان يَنتنُ ويفسد بعد مُرور فترةٍ مِنَ الزّمن عليه، كما هو الحال في الفواكه والخُضَر، لكن معصية بني إسرائيل، كانت سبباً لتَسْريع هذا الفساد والنَّتن، الذي يَعْرف في اللحم.

     والحاصل: أنَّ الحديث يُثْبتُ أنّ معصية بني اسْرائيل كانت سَبباً لفسادِ اللّحم المعروف، وأمّا كيف كان ذلك؛ فهناك أقوالٌ مُحتملة، والواجب علينا أنْ نُؤمن بأمُورِ الغيب، ونَكل كيفيّتها إلى الله -تعالى-، ولا نتّبع سبيلَ أهلِ الهوى والضّلال، بأنْ يُتّخذ ما لا تُدْركه عُقولنا- لقُصورها- سبيلاً للتَّشكيك في كلام الله -تعالى-، أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، يقول الله -تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (آل عمران: 7).

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَوْلاَ حَوَّاءُ»

     سُمِّيتْ حَواء؛ لأنَّها أمُّ كلِّ حيٍّ، «لم تَخُن أُنثَى زَوجَها»؛ لأنَّ حواءَ أُمُّ الإناثِ كُلِّهنَّ؛ فأَشبَهها النِّساءُ ونَزَعَ العرقُ، وأمَّا خيانةُ حواءَ زَوْجَها؛ فإنَّها كانتْ في تَرْكِ النَّصيحةِ في أمْرِ الشَّجرةِ لا في غيرِ ذلك، وليسَ المرادُ بالخيانةِ الخيانةَ في الفِراش أو ارتكابَ الفواحِش، حاشَا وكلَّا؛ فإنَّ ذلك لم يَقَعْ لامرأةِ نبيٍّ قطُّ، ولكن لَمَّا مالتْ إلى شَهْوةِ النَّفْسِ مِن أكْلِ الشَّجرةِ، عُدَّ ذلك خِيانةً له، وأمَّا مَن بَعدها مِن النِّساءِ، فخيانةُ كلِّ واحدةٍ منْهنَّ بحسَبها.

والعقل يدل أيضاً: على اسْتحالة وقُوع هذا النوع مِنَ الخيانة مِنْ حواء؛ لأنَّها لمْ يكنْ معها مِنَ البشر إلا آدم عليه السلام.

السّبب الذي عُوتِبت عليه أمنا حوَّاء

وقد وَردت روايات تُوضّح السّبب الذي عُوتِبت عليه حواء، وهو عدم نصحها لآدم -عليه السلام- حين دَعَته للأكل مِنَ الشّجرة، وزيّنت له هذا الأمر.

     فعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَال: «لَمَّا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ التِي نُهِيَ عنها، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما حَمَلَكَ عَلَى أَنْ عَصَيْتَنِي؟ قال: رَبِّ زَيَّنَتْ لي حَوَّاءُ. قال: فَإِنِّي أَعْقَبْتُهَا أَنْ لَا تَحْمِلَ إِلَّا كَرْهًا، ولَا تَضَعَ إِلَّا كَرْهًا، ودَمَيْتُهَا في الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ. فلَمَّا سَمِعَتْ حَوَّاءُ ذلِك رَنَّتْ فَقال لها: عَلَيْكِ الرَّنَّةُ وعَلَى بَنَاتِكِ». رواه الحاكم في «المستدرك» (2 / 381)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصحّح إسناده الحافظ ابن حجر في «الفتح» (1 / 400).

- وقال القاضي عياض: «وقوله: (وَلَوْلاَ حَوَّاءُ لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا)؛ يعنى أنّها أمّهن، فأشْبَهْنها بالولادة، ونَزْع العِرْق، لمَا جَرَى لها في قصّة الشَّجرة مع إبليس، وأنَّ إبليس إنَّما بدأ بحوّاء فأغْواها وزيَّن لها، حتى جَعَلها تأكل مِنَ الشجرة، ثمَّ أتت آدمَ فقالت له مثلَ ذلك حتى أكلَ أيضاً هو». (اكمال المعلم) (4 / 682).

- وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: «وقوله «لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا»: فيه إشارة إلى ما وَقَع مِنْ حوّاء في تزْيينها لآدم الأكل مِنَ الشجرة، حتى وَقَع في ذلك، فمعنى خيانتها: أنَّها قَبِلت ما زَيّنَ لها إبليس حتى زيَّنته لآدم، ولمَّا كانت هي أمّ بنات آدم، أشْبَهنها بالولادة، ونَزَع العِرْق؛ فلا تكادُ امرأةٌ تسلم مِنْ خيانة زوجها، بالفعل أو بالقول.

وليس المراد بالخِيانة هنا: ارتكاب الفواحش، حاشا وكلا، ولكنْ لما مالتْ إلى شهوة النفس، مِن ْأكل الشَّجرة، وحسَّنت ذلك لآدم، عُدَّ ذلك خيانةً له.

وأمَّا مَنْ جاء بعدها مِنَ النساء: فخيانةُ كلّ واحدةٍ منْهن، بحَسْبها.

وفي الحديث: إشارة إلى تَسْلية الرجال فيما يقع لهم مِنْ نسائهم، بما وَقَع منْ أمّهن الكبرى، وأنَّ ذلك مِنْ طَبْعهن، فلا يُفْرِط في لوم مَنْ وَقَع منها شيء، منْ غَير قَصْد إليه، أو على سبيل النُّدور.

وينبغي لهنَّ ألا يَتمسّكن بهذا في الاسْترسال في هذا النوع، بل يَضْبطنَ أنفسهنّ، ويُجاهدنَ هواهنَّ، والله المستعان». «فتح الباري» (6 / 368).

 

فوائد الحديث

- من فوائد الحديث أنَّه لا يَكونُ شيءٌ إلَّا بقَدَرِ اللهِ -سُبحانَه وتعالى-، وقد قَدَّرَ اللهُ -تعالى- أن يَخنَزَ اللَّحمُ، أي: يَنتن اللَّحمُ إذا تُرِكَ، وأنْ تَقَعَ الخيانةُ منَ المرأةِ لزَوجِها، ولكنَّ البادئَ بالشَّيءِ يَكونُ كالسَّببِ الحاملِ لغَيرِه على الإتيانِ به؛ ولذلك لَمَّا كان بنو إسرائيلَ أوَّلَ مَن سَنُّوا ادِّخارَ اللَّحمِ وقد نُهُوا عن ذَلك، فلمَّا ادَّخروه أَنْتَنَ، وكان اللَّحمُ لا يَنتَنُ قبلَ ذلك، فكان فِعلُهم سببًا في نَتْنِ اللَّحمِ.

- لا تعارض بين قوله -تعالى-: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} (الأعراف: 20)، وقوله: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى* فَأَكَلَا مِنْهَا} (طه: 120- 121)، وبين الحديث، فالشيطانُ وسْوَسَ لهُما، وهي أيضاً زينَّتْ ﻵدم فاجتمع على آدم الأمْران.

- وفيه: تَسليةِ للرِّجالِ فيما يقَع لهم مِن نِسائهم، بما وقَع مِن أُمِّهن الكُبرى، وأنّ ذلك مِنْ طبعهنَّ؛ فلا يُفرِط في لومِ مَنْ وقَع منها شَيءٍ، خُصُوصاً إذا كان مِنْ غيرِ قصْدٍ إليه، أو على سَبيل النُّدرة.

- ليس في الحديث حُجَّةٌ للنِّساءِ في الاسْتِرسالِ في هذا النوعِ، بل عليهنَّ أنْ يَضبِطْنَ أنفُسَهنَّ، ويُجاهِدْنَ هواهنَّ، وأنْ يَجْتهدن في الإخْلاص في النُّصح والمُعاملة.

 

تعليق

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads