رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
أبحاث ودراسات

Responsive image

3 يوليو، 2022

شرح كتاب النكاح من صحيح مسلم - باب: في مُدَارَاة ا

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ؛ أَوْ لِيَسْكُتْ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»، الحديث رواه مسلم في الرضاع (2/1091) باب: الوصيّة بالنساء، ورواه البخاري في النكاح (5184) باب: المُدارة مع النساء، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنّما المرأةُ كالضلع». ورواه بعده أيضا: في باب: الوصاة بالنساء( 5185، 5186).

     قوله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ» وهو يومُ القِيامةِ، الَّذي إليه مَعادُه، وفيه مُجازاتُه بعَمَلِه، وخصَّ الإيمانَ باللهِ واليَومِ الآخِرِ مِن بَينِ سَائرِ أرْكان الإيمانُ؛ للإشارةِ إلى المَبْدأِ والمَعادِ، يَعني: إذا آمَنَ باللهِ الَّذي خلَقَه، وأنَّه يُجازيهِ يومَ القِيامةِ بالخَيرِ والشَّرِّ. فالمقصودُ بهذه الصِّيغةِ: الحثُّ والإغْراءُ على التزامِ الأمْرِ أو النَّهيِ الشرعي.

قوله: «إذا شهِدَ أمراً، فليتكلم بخيرٍ أو ليصمت»

     هو على الإطْلاقِ، سواءٌ كانَ أمراً بينَ اثنَينِ، أو جَماعةٍ ونحوَه، واقْتَضى الحالُ أنْ يتكلَّمَ في ذلك الأمْرِ، فلْيَنظُرْ، فإنْ كانَ في كَلامِه خيرٌ؛ فلْيتكلَّمْ، وإلَّا فلْيَسكُتْ، قال النووي: «قوله - صلى الله عليه وسلم -: فإذا شهِدَ أمراً فليتكلّم بخيرٍ أو ليَسْكت، واسْتوصوا بالنّساء» فيه: الحثّ على الرِّفق بالنِّساء واحْتِمالهنّ، كما قدمناه، وأنّه يَنْبغي للإنسان أنْ لا يتكلَّم إلا بخير، فأمَّا الكلامُ المباح الذي لا فائدة فيه، فيُمْسك عنه مَخافة منْ انْجِراره إلى حَرامٍ أو مَكروه».

     وكانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُوصِي الرِّجالَ بمُعاشَرةِ زَوْجاتِهم بالمعْروفِ، وبما أمَرَ به الإسْلامُ، ولَمَّا كانَ في النِّساءِ عِوَجاً بأَصْلِ خِلقَتِهنَّ، نبَّهَ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، فقال: «استَوْصُوا بالنِّساءِ»، وزادَ في رِوايةِ البُخاريِّ: «خَيرًا»، يَعني: تَواصَوْا فيما بيْنَكم بالإحْسانِ إليهِنَّ؛ والصّبر عليهنَّ.

قوله: «فإنَّ المرأَةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ»

      الضِّلَعُ: أحدُ عِظامِ الصَّدرِ، والمَعنى: أنَّ في خَلقِهنَّ عِوَجاً مِن أصْلِ الخِلْقةِ، وقوله: «وإنَّ أعوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أعْلاه» فوصَفَها بذلك للمُبالَغةِ في وصْفِ الاعْوِجاجِ، وللتَّأْكيدِ على مَعنى الكَسرِ؛ لأنَّ تَعذُّرَ الإقامةِ في الجِهةِ العُلْيا أمْرُه أظهَرُ، وقيل: يَحتمِلُ أنْ يكونَ ذلك مَثَلًا لأعْلى المرْأةِ؛ لأنَّ أعْلاها رأْسُها، وفيه لِسانُها، وهو الَّذي يَنشأُ منه الاعْوِجاجُ. وقيلَ: إنَّ صِيغةَ «أَعوَج» هاهنا مِن بابِ الصِّفةِ، لا مِن بابِ اسْمِ التَّفْضيلِ؛ لأنَّ أفعَلَ التَّفْضيلِ لا يُصاغُ منَ الألْوانِ والعُيوبِ، فإذا أرَدْتَ أنْ تُقيمَ الضِّلَعَ وتَجعَلَه مُستَقيمًا؛ فإنَّه يَنكَسِرُ، وكذلك المرْأةُ إنْ أَردْتَ منها الاسْتقامةَ التَّامَّةَ في الخُلُقِ؛ أدَّى الأمرُ إلى كَسْرِها، وهو طَلاقُها، كما في رِوايةِ مُسلِمٍ.

      قال الحافظ ابن حجر: «قوله: «وإنّ أعوجَ شيءٍ في الضّلع أعْلاه» ذكر ذلك تأكيداً لمعنى الكسَر لأنّ الإقامة أمْرها أظْهر في الجِهة العليا، أو إشْارة إلى أنّها خُلقت من أعْوج أجزاء الضلع، مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن، ويحتمل أنْ يكون ضَرَبَ ذلك مثلاً لأعلى المرأة لأنّ أعلاها رأسها، وفيه لسانها وهو الذي يحصل منه الأذى، واسْتعمل «أعوج» وإن كان من العيوب؛ لأنه أفعل للصفة، وأنه شاذ، وإنّما يمتنع عند الالتباس بالصفة، فإذا تميّز عنه بالقرينة؛ جاز البناء. (الفتح).

قوله: «وإنْ تَركْتَه لم يَزلْ أعْوجَ»

      أي على حالِه الَّتي خُلِقَ عليها، فلا يَقبَلُ الإقامةَ، وهذا ضرْبُ مَثَلٍ لِما في أخْلاقِ النِّساءِ مِنَ الِاعْوجاجِ، فإنْ أُرِيدَ مِنهنَّ الاسْتقامةُ ربَّما أفْضَى ذلك إلى الطَّلاقِ، ثُمَّ قالَ -[-: «فاستَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا»، يَعني: أنَّه لا سَبيلَ لدوام العشرة؛ إلَّا بالصَّبرِ على هذا الاعْوِجاجِ، فيَجِبُ الصَّبرُ عليه والإحْسانُ إليهنَّ، وحُسنُ مُعاشَرتِهنَّ معَ ذلك العوج.

      قال الحافظ: «وقوله: «فاسْتوصُوا» أي: أوصيكم بهنَّ خيراً، فاقْبلوا وصيتي فيهنَّ، واعْملوا بها، قاله البيضاوي. والحامل على هذا التقدير: أنّ الاستيصاء استفعال، وظاهره طلب الوصية، وليس هو المراد. قوله: «بالنساء خيراً» كأنَّ فيه رَمزاً إلى التقويم برفق، بحيثُ لا يبالغ فيه فيُكْسر، ولا يتركه فيستمرّ على عوجه، وإلى هذا أشار المؤلف باتباعه بالتَّرجمة التي بعده: باب: (قُوا أنْفَسَكم وأهْلِيكم ناراً) فيُؤخذ منه أنْ لا يتركها على الاعْوجاج إذا تعدَّت ما طُبِعت عليه منَ النَّقص إلى تَعاطي المَعْصية، بمباشَرتها، أو ترك الواجب، وإنَّما المُراد أنْ يتركها على اعْوجاجها في الأمُور المُباحة. انتهى

قوله: «فإنْ ذَهبتَ تُقِيمه كسَرته»

      الضمير للضّلع، لا لأعلى الضّلع، وفي الرواية التي قبله: «أنْ أقمتها كسَرتها» والضمير أيضا للضّلع، وهو يُذكّر ويُؤنث، ويحتمل أنْ يكون للمرأة، ويؤيده قوله بعده: «وأنْ اسْتَمتعت بها» ويَحْتمل أن يكونَ المراد بكسره: الطلاق، وقد وقَع ذلك صريحاً في رواية سفيان عن أبي الزناد عند مسلم: «وإنْ ذهبتَ تُقِيمها كسَرتها، وكسْرها طلاقها».

      أو كأنَّ فيه رمْزًا إلى التَّقْويمِ برِفقٍ؛ بحيثُ لا يُبالِغُ فيه فيُكسَرُ، ولا يَترُكُه فيَستمِرُّ على عوَجِه، والحاصلُ أنَّه لا يَترُكُها على الاعْوجاجِ إذا تَعدَّتْ ما طُبِعَتْ عليه مِنَ النَّقصِ إلى تَعاطي المَعْصيةِ بمُباشَرتِها، أو تَركِ الواجبِ، وإنَّما المرادُ أنْ يَترُكَها على اعْوجاجِها في الأُمورِ المُباحةِ.

فوائد الحديث

 

      النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ الَّذي خَلَقَه إيماناً كامِلًا، اعتِقاداً وعَملًا، وذلك بأنْ يَشهَدَ أنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّداً رَسولُ اللهِ، يَلتزمَ بأرْكانِ الإيمانِ، وخِصالِه مِنَ القَولِ والعَملِ والخُلُق.

-  فيه: إرشَاد النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم  - إلى التَّحَلِّي بِالآدابِ والأخْلاقِ، الَّتي تَزيدُ الأُلفةَ والمَوَدَّةَ بينَ المُسلِمينَ.

- وفي الحديث: النَّدب إلى المُداراة لاسْتمالة النُّفوس، وتألف القلوب، وفيه: سياسة النساء بأخذ العَفو منْهنّ، والصَّبر على عِوجهنّ، وأنَّ مَنْ رامَ تقويمهنّ، فاته الانْتفاع بهنَّ، مع أنَّه لا غنى للإنْسان عن امْرأة يَسْكن إليها، ويَسْتعين بها على معاشه، فكأنّه قال: الاسْتمتاع بها لا يتمُّ الا بالصبر عليها. (الفتح).

- وفيه: إرْشادٌ إلى مُراعاةِ اللِّسانِ وحِفظِه منَ اللَّغوِ.

تعليق

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads