رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
13 يوليو, 2026 0 تعليق

مسؤوليتنا في زمن التحولات

تعيش البشرية اليوم مرحلةً تتسارع فيها التحولات بطريقة غير مسبوقة؛ تحولاتٌ فكرية، وثقافية، وتقنية، واقتصادية، وإعلامية، حتى أصبح الإنسان يستيقظ كل يوم على واقع جديد، وأفكار مستحدثة، وأدوات تغير أسلوب الحياة وطريقة التفكير، وفي خضم هذا التسارع الهائل، لم تعد المشكلة في كثرة التغيرات؛ فالتغيير سُنَّة من سنن الله في الكون، وإنما في كيفية التعامل معها، والقدرة على الثبات على المبادئ مع حسن التفاعل مع المستجدات.

وليس المطلوب من المسلم أن ينعزل عن واقعه أو يرفض كل جديد، كما لا يجوز له أن ينساق وراء كل فكرة أو تيار دون بصيرة، وإنما الواجب أن يزن المستجدات بميزان الشرع، فيأخذ بالنافع، ويجتنب الضار، جامعًا بين الثبات على العقيدة والقيم، والمرونة في الوسائل والأساليب، قال -تعالى-: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}؛ فالاستقامة ثباتٌ على المبادئ، لا جمودٌ أمام مواكبة النافع من المتغيرات، ويتجلى ذلك في جملةٍ من المسؤوليات، من أبرزها:

  • أولًا: ترسيخ الإيمان واليقين؛ فالإيمان هو الحصن الذي يحفظ القلب عند اضطراب الأحوال، ويمنح صاحبه الثبات عند كثرة الفتن، وكلما ازداد العبد صلة بربه، كان أقدر على التمييز بين الحق والباطل، قال -تعالى-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}.

 

  • ثانيًا: بناء الوعي الشرعي والفكري؛ كثير من الانحرافات لا تبدأ من سوء القصد، وإنما من ضعف العلم، وغياب البصيرة، والانبهار بالشعارات؛ لذلك كان طلب العلم الشرعي، وفهم الواقع في ضوء الوحي، من أهم وسائل حماية الفرد والمجتمع من الانجراف خلف الأفكار المنحرفة أو المضللة.

 

  • ثالثًا: حسن التعامل مع التقنية؛ لقد أصبحت التقنية جزءًا من حياة الناس، فلا ينبغي أن تكون مصدرًا لإضاعة الأعمار أو نشر الفساد، بل وسيلة للعلم، والدعوة، والتواصل النافع، والإبداع، والإنتاج، والعاقل هو الذي يقود التقنية، ولا يسمح لها أن تقوده.

 

  • رابعًا: حماية الأسرة؛ فالأسرة هي أول المتأثرين بالتحولات الفكرية والإعلامية، ومن ثم فإن مسؤولية الوالدين في التربية، والحوار، والمتابعة، وغرس القيم، أصبحت اليوم أعظم من أي وقت مضى؛ لأن أبناءنا يتلقون المؤثرات من كل اتجاه.

 

  • خامسًا: صناعة القدوة؛ في زمن كثرت فيه الشخصيات المؤثرة، يبقى المجتمع بحاجة إلى العلماء، والمربين، والدعاة، والآباء، والمعلمين، وكل من يقدم نموذجًا عمليا للأخلاق والاستقامة؛ فالكلمات وحدها لا تصنع الأجيال، وإنما تصنعها القدوات الصالحة.

 

  • سادسًا: ترسيخ القيم والأخلاق؛ قد تتغير الوسائل، وتتطور الأدوات، لكن الصدق، والأمانة، والعفة، والرحمة، والعدل، والإحسان، قيم لا يطالها التقادم، وهي أساس استقرار المجتمعات وبقائها، وكل نهضة لا تقوم على الأخلاق مصيرها إلى الضعف والانهيار.

 

  • سابعًا: الإيجابية والمبادرة؛ المسلم ليس متفرجًا على الأحداث، ولا أسيرًا للشكوى والتذمر، بل هو صاحب رسالة، يسهم في الإصلاح بحسب استطاعته، ويغرس الخير حيث كان، ويستثمر كل فرصة لخدمة دينه ووطنه ومجتمعه.

خلاصة القول.. إن زمن التحولات ليس زمن الخوف أو التردد، بل زمن المسؤولية والبصيرة؛ ومهما تبدلت الأحوال وتسارعت التحولات، فإنَّ الأمة التي تتمسك بوحي ربها، وتقرأ واقعها بوعي، وتربي أبناءها على العلم والإيمان، هي الأقدر على تجاوز التحديات وصناعة المستقبل، فمسؤوليتنا اليوم ليست مقاومة التغيير لذاته، وإنما أن نتعامل معه بقيم الإسلام، ونحسن توظيفه فيما يرضي الله، لنورث الأجيال هويةً راسخة، ووعيًا ناضجًا، ورسالةً تبني ولا تهدم، وتصلح ولا تفسد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك