رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
17 أغسطس, 2026 0 تعليق

من يحرس بوابة العقل؟

لقد كرَّم الله الإنسان بالعقل، وجعله أداةً للفهم والتمييز، لكنه لم يتركه مستودعًا لكل فكرة، ولا ساحةً لكل شبهة؛ فقد قال -سبحانه وتعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36)، ومن هنا تصبح حراسة العقل مسؤولية شرعية وتربوية؛ لأن ما يدخل العقل اليوم قد يصبح قناعةً غدًا، والقناعة قد تتحول إلى سلوك ومسار حياة.

– أخطر الأفكار ما يدخل بلا استئذان: ليست كل معركة فكرية تبدأ بكتاب أو خطاب؛ فكثير من الأفكار تتسلل في مقطع طريف، أو مشهد درامي، أو عبارة تتكرر، أو شخصية يتابعها الإنسان حتى يألف ما تطرحه؛ فالفكرة حين تُعرض بوصفها فكرة قد يناقشها العقل، لكنها حين تتسلل في ثوب الترفيه قد تتجاوز حراسته؛ ومع التكرار ينتقل بعض المنكر من الاستغراب إلى الألفة، ومن الألفة إلى القبول.

– لا تجعل الشاشة تختار لك: كان الإنسان قديمًا يبحث عن المعلومة، أما اليوم فالمعلومة تبحث عنه؛ والخوارزميات تعرض عليه ما يجذب انتباهه ويطيل بقاءه، لا ما هو بالضرورة أصح أو أنفع، وهنا يصبح من علامات الوعي أن يسأل المرء نفسه: هل اخترت ما أشاهد، أم أن ما أشاهده مفروض علي؟ فليس كل ما تقترحه الشاشة يستحق أن يدخل العقل والقلب.

– التثبت حراسة للعقل: قال الله -تعالى-: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6)، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع»، وفي زمن إعادة الإرسال بضغطة زر، يصبح التثبت ضرورة؛ فليس كل مشهور صحيحًا، ولا كل مثير حقيقة، والعاقل لا يسأل فقط: ماذا قيل؟ بل: من قال؟ وما دليله؟ وما سياقه؟

– الشهرة ليست شهادة علمية: من اختلالات عصرنا أن عدد المتابعين قد يمنح صاحبه سلطةً على العقول تفوق أحيانًا أهل العلم والاختصاص، مع أن القرآن وضع الميزان واضحًا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، فكثرة المشاهدات ليست دليلًا على صحة القول، وعدد المتابعين ليس إجازةً في العلم والفكر والفتوى.

– الهوى قد يأسر العقل: ليست كل أخطاء التفكير بسبب الجهل؛ فقد يعرف الإنسان الحق ثم يمنعه التعصب أو المصلحة أو الهوى من قبوله، قال -تعالى-: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: 23)، ومن أخطر صور ذلك أن يبحث المرء فقط عما يؤكد رأيه، ويرفض كل ما يخالفه؛ فيتحول العقل من باحث عن الحقيقة إلى محامٍ عن قناعة سابقة.

– الأسرة تبني الحارس الداخلي: لم يعد ممكنًا حماية الأبناء بمنع كل فكرة عنهم؛ فالعالم أصبح في هواتفهم؛، لذلك لا يكفي المنع، بل ينبغي بناء المناعة الفكرية: كيف يتحققون؟ وكيف يميزون بين العالم والمتصدر؟ وبين الحقيقة والدعاية؟ وبين السؤال الصادق والشبهة المضللة؟ قال -تعالى-: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6).

  • والخلاصة: لن نستطيع إغلاق كل نافذة، ولا منع كل شبهة، ولا ملاحقة كل محتوى؛ لكننا نستطيع أن نبني داخل الإنسان حارسًا من إيمان، وميزانًا من علم، وبصيرةً من وعي، ومنهجًا من تثبت؛ فالمعركة الحقيقية ليست على ما يصل إلى شاشاتنا فحسب،؛ بل على ما نسمح له أن يستقر في عقولنا؛ فمن امتلك بوابة العقل أثَّر في القناعات، ومن شكَّل القناعات وجَّه الاختيارات، ومن وجَّه الاختيارات أسهم في صناعة الإنسان والمجتمع والمستقبل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك