رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
18 سبتمبر، 2022
3 تعليق

{فأتوا بكتاب من عند الله}

     آيات التحدي في كتاب الله -عز وجل-، أعجزت الكفار، واليهود، والنصارى والمنافقين، وكل من خالف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم .

     ويأتي الأمر من الله -عز وجل- إلى رسوله، أن يطالبهم بأمر يعجزون عن تحقيقه، فتبطل حجتهم، مثل قوله -تعالى-: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (سبأ:24). {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (فاطر:3). {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (الأنعام:63) {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (يونس:38). وفي هذه الآيات يتحدى الله -عز وجل- اليهود ويقيم عليهم الحجة، فيقول -عز وجل-: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (القصص).

     معنى الكلام: قل يا محمد، أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى من قبل؟ وقالوا لما أوتي موسى وما أوتيته أنت: سحران تعاونا؟

     قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: قل يا محمد لمشركي قريش: أو لم يكفر هؤلاء الذين أمروكم أن تقولوا: هلا أوتي محمد مثل ما أوتي موسى -بالذي أوتي موسى- من قبل هذا القرآن؟ ويقولوا للذين أنزل عليه وعلى عيسى {سحران تظاهرا} فقولوا لهم إن كنتم صادقين إن ما أوتي موسى وعيسى سحر، فأتوني بكتاب من عند الله، هو أهدي من كتابيهما، فإن هم لم يجيبوكم إلى ذلك فاعلموا أنهم كذبة، وأنهم إنما يتبعون في تكذيبهم محمدا، وما جاءهم به من عند الله أهواء أنفسهم، ويتركون الحق وهم يعلمون.

     وقال الكلبي: بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع  الجواب إليهم {قالوا سحران تظاهرا}، وقال قوم: إن اليهود علموا المشركين، وقالوا قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة.

     فهذا الاحتجاج وارد على اليهود، أي أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران و{إنا بكل كافرون} أي وإنا كافرون بكل واحد منهما.

     وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: موسى ومحمد -عليهما السلام-، وهذا قول مشركي العرب. وبه قال ابن عباس والحسن. الثاني: موسى وهارون. وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة، وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زير؛ فيكون الكلام احتجاجا عليهم. الثالث: عيسى ومحمد -صلى الله عليهما وسلم-، وهذا قول اليهود اليوم، وبه قال قتادة. وقيل: أو لم يكفر جميع اليهود بما أوتي موسى في التوراة من ذكر المسيح، وذكر الإنجيل والقرآن، فرأوا موسى ومحمدا ساحرين والكتابين ساحرين.

     وقد كرر الله -سبحانه- تحدي الكفار بها في مواضع في القرآن، منها هذا، ومنها قوله -تعالى- في سورة سبحان: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}، وقال في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، وقال في سورة يونس: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

     ومعنى إن كنتم صادقين إن كنتم فيما وصفتم به الرسولين، أو الكتابين صادقين فإن لم يستجيبوا لك، أي: لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين، وجواب الشرط فاعلم أنما يتبعون أهواءهم أي: آراءهم الزائغة، وواستحساناتهم الزائفة، بلا حجة ولا برهان.

     وقيل المعنى: فإن لم يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به، ووصف (كتاب) بمن عند الله إدماج لمدح القرآن والتوراة بأنهما كتابان من عند الله، والمراد بالتوراة ما تشتمل عليه الأسفار الأربعة المنسوبة إلى موسى من كلام الله إلى موسى أو من إسناد موسى أمرا إلى الله لا كل ما اشتملت عليه تلك الأسفار فإن فيها قصصا وحوادث ما هي من كلام الله، فيقال للمصحف هو كلام الله بالتحقيق ولا يقال لأسفار العهدين كلام الله إلا على التغليب، وقد تحداهم القرآن في هذه الآية بما يشتمل عليه القرآن من الهدى ببلاغة نظمه، وهذا دليل على أن مما يشتمل عليه من العلم والحقائق هو من طرق إعجازه.

     فمعنى فإن لم يستجيبوا لك إن لم يستجيبوا لدعوتك، أى إلى الدين بعد قيام الحجة عليهم بهذا التحدي، فاعلم أن استمرارهم على الكفر بعد ذلك ما هو إلا اتباع للهوى ولا شبهة لهم في دينهم.

     ويجوز أن يراد بعدم الاستجابة عدم الإتيان بكتاب أهدى من القرآن، لأن فعل الاستجابة يقتضي دعاء ولا دعاء في قوله {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما}؛ بل هو تعجيز، فالتقدير: فإن عجزوا ولم يستجيبوا لدعوتك بعد العجز فاعلم أنما يتعبون أهواءهم، أي لا غير.

     وقوله: {أتبعه} جواب {فأتوا} أي إن تأتوا به أتبعه، وهو مبالغة في التعجيز؛ لأنه إذا وعدهم بأن يتبع ما يأتون به فهو يتبعهم أنفسهم وذلك مما يوفر دواعيهم على محاولة الإتيان بكتاب أهدى من كتابه لو استطاعوه فإن لم يفعلوا فقد حق عليهم الحق ووجبت عليهم المغلوبية فكان ذلك أدل على عجزهم وأثبت في إعجاز القرآن. ولكونه ممتنع الوقوع أمر الله رسوله أن يقوله. وقد فهم من قوله: {فإن لم يستجيبوا} ومن إقحام {فاعلم} أنهم لا يأتون بذلك البتة وهذا من الإعجاز بالإخبار عن الغيب. وجاء في آخر الكلام تذييل عجيب وهو أنه لا أحد أشد ضلالا من أحد اتبع هواه المنافي لهدى الله. ومن اسم استفهام أفادت العموم فشمل هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وغيرهم، وبهذا العموم صارت تذييلا {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads