رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
childimage

"كلمة رئيس التحرير " أوراق صحفية

لا تتشبه بهؤلاء !

6 فبراير، 2023

author1

الافتتاحية

author1

القيم

18c
rio scattered clouds humidity:72% wind:7m/s S h19: L18
  • 11c thu
  • 14c fri
  • 15c sat
  • 15c sun
  • 14c mon
عداد الزوار
51
مقالات
Responsive image
18 أغسطس، 2022
3 تعليق

مشاهد وعبر من سورة الكهف - قصة موسى -عليه السلام- والخضر (3)

هذه جولةٌ تأمُّليةٌ في رحاب سورة الكهف، نستهدف منها إيقاظ وعي العاملين في الدعوة الإسلامية؛ أن ميادين الإصلاح متعددة، وأن بوسعهم أن يجعلوا مِن الحياة كلها محرابًا للدعوة إلى الله، والتغيير والإصلاح، وقد تضمّنَت السورة بين جنباتها أربعًا من القصص الرائعة، انتظمت في عقدٍ فريدٍ، ونظمٍ بديعٍ، لترسمَ لنا ملامح بارزة في طريق التمكين المأمول، ونتناول في هذه السلسلة قصة موسى -عليه السلام- والخضر.

     تحدثنا في الحلقة الماضية عن المشهد الأول من قصة موسى -عليه السلام- والخضر، وكان بعنوان: (العزيمة الصادقة)، واليوم نتحدث عن المشهد الثاني وهو بعنوان: (مجمع البحرين)، ويحتوي على عدد من الرسائل وهي: (النفسية الرحيمة، والعلم اللدُنّي، والأدب الجم، نصيحة مشفق، والعزم الأكيد والصبر المديد، الصحبة المشروطة).

المشهد كما عرضه القرآن

     قال الله -تعالى-: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا}.

رسائل من قلب المشهد

      وصل موسى -عليه السلام- إلى المكان الذي ينتظره فيه الخضر، ودار بينهما حوار قصير طلب فيه موسى -عليه السلام- من الخضر أن يصطحبه ليتعلم من علمه، ورد عليه الخضر بأنه لن يتحمل ما سيراه منه؛ لأنه لم يحط بالحِكَم الخفيّة من ورائها، ولكنَّ موسى -عليه السلام- تعهَّد بالصبر والطاعة، فأكد الخضر على موسى -عليه السلام- شرط الصُحبة وانطلقا معًا وفق هذا الشرط.

1- النفسية الرحيمة

     قال الله -تعالى-: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}: ما أجمل هذه النعمة التي أعطاها الله للخضر (نعمة الرحمة)! فإذا كان اتصاف الإنسان بالرحمة عموما مجلبة لمدحه ودافعًا لمحبة الخلق له، فما الظن بالرحمة الخاصة التي وهبها له الله مِن عنده للخضر -عليه السلام- حتى فاضت على مَن حوله مِن كثرتها ووفرتها؟!

      والرحمة أثر من آثار القرب من الله -عز وجل-؛ فإن قساة القلوب غلاظ الأكباد يُحرمون هذه النعمة بسبب بُعد قلوبهم عن الله، وقد جمع الله للخضر بين العلم والرحمة؛ ولكنه قدّم الرحمة على العلم؛ لأن العالِم لابد أن يكون رحيمًا بالناس مشفقًا عليهم، ولا يكون عالمًا ولا عارفًا بالله مَن أحبَّ الهلاك للناس، أو تعمَّد التضييق عليهم، بل يكون العالِم حريصًا على هداية الخلق، حزينًا على بُعدهم عن الهداية، متمنيًا لهم الخير والفلاح.

2- العلم اللدُنّي

     قال الله -تعالى-: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}: علَّم الله الخضر علمًا خاصًّا مِن عنده؛ حيث كشف له عن أنواع من الحِكَم الخفية التي لا يطلع عليها البشر، بل هي بالنسبة لمن يجهلها من الغيب المحض، وقد جاء في الحديث أن موسى قال للخضر: «... جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: أَمَا يَكْفِيكَ أَنَّ أَنْبَاءَ التَّوْرَاةِ بِيَدِكَ، وَأَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِيكَ، يَا مُوسَى، إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَهُ، وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي أَنْ أَعْلَمَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ، فَأَخَذَ بِمِنْقَارِهِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي عِلْمِ اللهِ، إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الطَّائِرُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ... »، ما أجمل هذا الدرس البليغ الذي بدأ به الخضر رحلته مع موسى -عليه السلام!

علم الخضر -عليه السلام- بحقيقة نفسه

     هذه الجملة المختصرة التي تكشف عن علم الخضر -عليه السلام- بحقيقة نفسه ومدى حاجتها إلى خالقها، وتكشف عن نفسية سويّة تُسنِد الفضل إلى صاحب المِنَّة الحقيقية، كما أنها تبيِّن أثر العلم في تقويم سلوك صاحبه، فإنما العلم الخشية، فمع علم الخضر بأشياء تخفى على معظم الخلق، إلَّا أنه يُقر في نفسه بضآلة حجم هذا العلم مقارنة بعلم الله الواسع.

     كما كشف هذا الموقف عن خلق التواضع الذي تحلَّى به الخضر، فرغم أن موسى -عليه السلام- أتى إليه متعلمًا ساعيًا في مصاحبته وملازمته؛ إلا أنه حفظ لموسى -عليه السلام- قدره ومكانته، وبيَّن له أن العلاقة بينهما ليست علاقة تلميذ بمعلمه، وإنما خصَّ الله كلًّا منهما بعلمٍ لا يعلمه الآخر، وهذه العلوم وغيرها لا تُنقص مِن علم الله إلا «ما نقص هذا العصفور من هذا البحر»، أي: لا تُنقص شيئًا على الحقيقة، وإنما هو مِن باب ضرب الأمثال.

3- الأدب الجم

     قال الله -تعالى-: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}: يطلب موسى -عليه السلام- من الخضر مصاحبته بتلطفٍ وحسنِ أدبٍ، رغم أن مقامه أعلى من الخضر، ومَنزلته عند الله أفضل، ولكنَّ موسى -عليه السلام- يعلمنا درسًا في أدب التعامل مع المعلِّم، واحترام مقامه، حتى لو كان المعلم أصغر سنًّا أو أقل منزلةً من المتعلم على يديه، ولكن العلم له مهابته وتوقيره، واحترام المعلم فرع على توقير العلم ورفعة شأنه.

     إن توقير المعلِّم هو السبيل الوحيد الذي مِن خلاله ينال الطالب علوم أستاذه، وبدون توفر هذا الأدب في سلوك طالب العلم، فلن يجد له منبعًا صافيًا يتلقّى منه العلوم، وربَّما ظل طُوال حياته ينتقل من معلّمٍ إلى آخر، ومِن شيخ إلى شيخ دون أن يُحصِّل شيئًا من العلوم، فضلًا عن أن يُحصل الأدب الذي هو الثمرة المرجوة من العلم، فمن لم يتعلم الأدب من شيخه ومعلمه فلم يتعلم شيئًا، ولن ينفعه حينها كثرة المعلومات ولا غزارة المسائل، بل تكون حجةً عليه، وخصمًا من رصيده، وإذا قُدر لهذا الطالب أن يكون معلمًا في يومٍ مِن الأيام، فلن تنتفع منه الأمة بشيء، بل سيكون بؤرةً يجتمع حولها الفاسدون وغير الأسوياء ممن أراد مِن هذا العلم مآرب أخرى.

4- نصيحة مشفق

     قال الله -تعالى-: {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}: ردَّ الخضر على طلب موسى -عليه السلام- بمصاحبته رد المشفق الذي يتوقع مآلات الأمور، فالعلم الذي عنده ليس هو العلم الظاهر الواضح الأسباب، إنما هو جانب من العلم اللدنّي الذي أطلعه الله عليه، ومِن ثَمَّ فلا طاقة لموسى -عليه السلام- بالصبر على أفعال الخضر؛ لأنَّ ظاهرها يصطدم بما يعلمه موسى -عليه السلام- من الشريعة التي حمَّله الله أمانة تبليغها، ولابد له من إدراك ما وراء هذه الأفعال من الحكم المغيبة، وإلا فسيعتبرها تصرفات مصادمة للشريعة، وهذا ما كان يخشاه الخضر.

     وحتى لا يحزن موسى -عليه السلام- من ذلك، أخبره الخضر أن عدم صبره على ما سيجده من أمور غريبة، ليس نابعًا من تقصيرٍ منه ولا قلة فهم، وإنما عدم معرفة بأمورٍ لم يحط أحدٌ مِن البشر بعلمها وبمعرفتها؛ ومن ثم فاستنكاره وعدم صبره شيء مُتوقَّع، ولا ذنب لموسى -عليه السلام- في ذلك.

أضف تعليقك